
صراع النفوذ على بغداد…
بغداد علي الحسني
بعد اللتيا والتي، تشكَّلت حكومة السيد علي الزيدي، وهي تواجه تحديات كثيرة، أبرزها صراع النفوذ والتحالف مع بغداد بين واشنطن وطهران، وذلك بسبب موقع العراق الجغرافي وأهميته الاقتصادية.
فواشنطن تريد من الزيدي الوقوف في خندقها وتحت عباءتها، وإلَّا اعتبرته خصماً لها. أمَّا طهران، فهي تتعامل مع العراق بوصفه حليفاً، وترى أن الارتباط العقائدي هو الذي يوحِّد المصير. وهذه السياسة هي التي نجحت مع المزاج العراقي الذي يرفض الخضوع، ودليل ذلك خروج الملايين في النجف وكربلاء لتشييع السيد الخامنئي.
أما الزيدي، فهو يختار الوسطية بينهما، ولا يهمه غير المصلحة العراقية، فالجارة الشرقية قدرٌ جغرافي لا يتغير، ومن الطبيعي التأثر بها في السلم والحرب، وفي الوقت ذاته لا يمكن الابتعاد عن أميركا وتجاهل أوراقها الضاغطة على بغداد، وفي مقدمتها الدولار، ولم تنجح الولايات المتحدة في كسب ودِّ الشعب العراقي طيلة السنوات السابقة.
وبالتالي، فأميركا تريد، وإيران تريد، وعلى العراق أن يأخذ ما يريد، والخلاف الجوهري بين واشنطن وطهران وحلفائهما يتمحور حول سلاح المقاومة الذي يطال الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في الخليج، لكن في بداية الأمر يجب العودة إلى أسباب وجود هذا السلاح، وأهمها الاحتلال الأميركي. ففي عام ٢٠١١، وبموجب اتفاق معلن، انسحبت القوات الأميركية من العراق، ويومها أعلنت المقاومة التخلي عن سلاحها والانخراط في العمل السياسي. إذاً، إذا زال الاحتلال اليوم كما بالأمس، لم يبقَ مبرر لوجود هذا السلاح المقاوم، ويتحقق ذلك بعوامل مهمة، أبرزها: الانسحاب الفعلي للقوات الأميركية من العراق، وعدم العودة من الشباك كما حصل في عام ٢٠١٤.
وتسليم سلاح المقاومة إلى أيدٍ أمينة، ويمكن العودة إليه إذا ما تعرض العراق للخطر.
وألَّا تمتد يد واشنطن إلى سلاح الحشد الشعبي أو تمنع تسليحه، وأن تفرِّق بينه وبين فصائل المقاومة، وعدم استعمال الدولار لإجبار بغداد على اتخاذ مواقف معينة والوقوف إلى جانب الولايات المتحدة.
ونتيجةً لما يتمتع به السيد علي الزيدي من تأييد داخلي وخارجي، فهو قادر على تحقيق كل ذلك.
كما يجب على ترامب معرفة أن فصائل المقاومة يمكن أن تعيد تشكيل نفسها بسهولة إذا ما تطلبت الحاجة، ومن الطبيعي أن تتأثر الفصائل العراقية بالحرب الدائرة اليوم في المنطقة، وذلك للارتباط العقائدي بالجمهورية الإسلامية.
كما ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية مغادرة فكرة السيطرة على العراق، سواء بالقوة العسكرية أم بالضغط الاقتصادي، فكلاهما فشل وأنتج مقاومة عراقية تتربص بالقوات الأميركية.
وعليه، فلتنظر واشنطن إلى بغداد نظرة الشريك الذي تجمعه بها المصالح المشتركة، لا نظرة التابع الذي يُملى عليه، كما عليها ألَّا تفكر في جعل شركاتها غطاءً لاحتلال جديد للعراق، إذا ما أرادت النجاح.
وإلى من يتخوف على الشركات الأميركية، نقول: إن تخوفكم ليس في محله، فلطالما أعلنت هذه الفصائل أنها ضد الاحتلال فقط، لا ضد الشركات بمختلف اختصاصاتها، وهذه حليفتها طهران، في مفاوضات سابقة، سمحت للشركات الأميركية بالاستثمار داخل الجمهورية الإسلامية.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الفصائل ليس كل عناصرها أصحاب خلق رفيع، بل لا بد من وجود أفراد تسول لهم أنفسهم استغلال مواقعهم للكسب غير المشروع، وهؤلاء منبوذون حتى من المقاومة نفسها، بل تتمنى التخلص منهم، وتدعم السيد الزيدي في اعتقال الفاسدين من أمثالهم.
ويتضح مما تقدم أن أميركا تريد العراق في خندقها، وإيران تريده في خندقها، وغيرهما يريده بحسب أدواته، لكن هنا يبرز دور رئيس وزرائنا الشاب في البحث عن مصلحة بغداد، وجعلها فوق كل اعتبار، سواء في الشرق أم الغرب، ونتمنى له النجاح رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها.




