
ارتفاع أسعار الغاز في السعودية.. ضغوط معيشية متزايدة تثقل كاهل المواطنين
دخلت الطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمع السعودي منعطفًا اقتصاديًا خانقًا جديدًا، مع بدء سلطات آل سعود مطلع يوليو الجاري، تطبيق حزمة الارتفاعات الصادمة في أسعار إعادة تعبئة غاز البترول المسال، لتكشف هذه الخطوة المتسارعة عن الفجوة العميقة بين الوعود البراقة بمشاريع الترفيه والرفاه، وواقع الأسواق الملتهبة والعيش المرير.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الماكينة الإعلامية السعودية لتبرير هذه القرارات بعبارات فضفاضة مثل “المراجعات الدورية” و”تعزيز كفاءة قطاع الطاقة ومواكبة المتغيرات الاقتصادية”، يرى مراقبون ومحللون أن هذه الإجراءات لا تعدو كونها تحميلًا مباشرًا للمواطن السعودي لتبعات إخفاقات بنيوية وأزمات جيوسياسية مريرة تعصف بالمملكة، ما يحول تطلعات ما تسمى “رؤية المملكة 2030م” إلى عبء معيشي يومي يُثقل كاهل الأسر التي تواجه تضخمًا متراكمًا في شتى مناحي الحياة الأساسية.
وتجلت الأرقام الجديدة الصادرة عن الجهات المختصة لتؤكّد حجم الضربة المالية التي تلقاها المستهلك، حيث قفز سعر إعادة تعبئة أسطوانة الغاز سعة 11 كيلوجرامًا بنسبة تقارب 41%، ليصل إلى 37 ريالًا سعوديًا بعد أن كان مستقرًا عند 26.23 ريالًا، وهي قفزة حادة ومفاجئة تعكس عمق الخلل في تسعير الخدمات الحيوية، ولم تتوقف التحديثات السعرية عند هذا الحد، وإنّما طالت الأسطوانات الصغيرة سعة 5 كيلوجرامات لتباع بسعر 16.82 ريالًا، في حين ارتفع سعر إعادة تعبئة خزان الغاز المركزي ليبلغ 2.69 ريال لكل لتر واحد.
هذا المنحنى التصاعدي السريع يضرب في عمق الكفاية المعيشية للمواطن، ويفكك مزاعم إدارة بن سلمان التي تدعي السعي لتحقيق الاستدامة في تقديم الخدمات، إذ تنظر الأوساط الشعبية والاقتصادية إلى هذه القفزات كدليلٍ على عجز الإدارة الاقتصادية عن خلق توازن حقيقي بين الحفاظ على جودة سلاسل الإمداد وبين حماية القدرة الشرائية للمستهلكين المفترض تصنيفهم كأولوية في خطط التنمية البنيوية.
محاولات الخطاب السعودي الرسمي الالتفاف على هذه الضغوط المعيشية عبر تصدير مفاهيم مثل “تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك” أو “المحافظة على الموارد والاستخدام الأمثل للطاقة” تبدو غير واقعية ومتناقضة مع طبيعة استهلاك الغاز، باعتباره مادة أساسية لا غنى عنها في كل منزل ومؤسسة وليست سلعة رفاهية يمكن الاستغناء عنها أو تقليصها ببساطة؛ فالحديث عن استقرار الإمدادات وتوافر الغاز كأولوية لتعزيز ثقة المستهلك يتحول إلى مفارقة ساخرة عندما يُجبر هذا المستهلك على دفع ثمن هذا الاستقرار من قوته اليومي.
ويرى مراقبون أن إلقاء اللوم الضمني على سلوكيات الأفراد ومطالبتهم بحسن إدارة الاستهلاك والالتزام بمعايير السلامة لتقليل الهدر، ليس سوى محاولة واضحة من السلطات السعودية للتنصل من مسؤولياتها المباشرة وتغطية الفشل المتواصل في ضبط الأسواق، ما يترك المواطن وحيدًا في مواجهة تقلبات سعرية تحتكر الدولة تحديدها وإدارتها بالكامل.
تداعيات هذا الارتفاع الحاد في أسعار الغاز لن تقتصر على النطاق المنزلي الضيق، فقد تمتد لتشكل حجر دومينو يضرب الهيكل الاقتصادي الداخلي للمملكة بأسره؛ فالقاعدة السائدة تؤكد أنه عندما يتأثر المستهلك النهائي تتأثر كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية تبعًا لتأثره.
وقد بدأ ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي في رصد ملامح الضرر الواسع الذي سيلحق بقطاع الأغذية والمطاعم على وجه الخصوص، حيث تشير التوقعات إلى أن مطاعم وشركات الوجبات الكبرى مثل “هرفي” و”ريدان” و”برغرايزر” ستكون في مقدمة المتضررين نتيجة الاعتماد الكثيف على الغاز المسال والمركزي في عملياتها التشغيلية اليومية.
وتتصاعد التساؤلات المشروعة بين الاقتصاديين والناشطين حول حجم ومقدار التأثير المباشر لهذه الزيادة على تكلفة المبيعات النهائية، والتي ستدفع بالشركات المحلية إمّا إلى تحمل خسائر في هوامش أرباحها أو ترحيل الفاتورة مجددًا إلى كاهل المستهلك عبر رفع أسعار الوجبات والخدمات، ما يخلق حلقة مفرغة من الغلاء تلتهم أي قدرة على التعافي الاقتصادي الفردي وتؤثر سلبًا حتى على الشركات التي ليست لها علاقة مباشرة بتعبئة الغاز.
وفي مقابل هذا النزيف المستمر لأموال المواطنين، تنكشف هوية الرابح الوحيد من هذا القرار المجحف، وهي الشركات الكبرى التابعة والمملوكة للأسرة الحاكمة وفي مقدمتها عملاق النفط “أرامكو السعودية” و”شركة الغاز والتصنيع الأهلية (الغاز القابضة)”، حيث تذهب هذه الزيادة البالغة 40% في أسعار الغاز لتضخ ملايين الريالات في خزائن هذه الشركات المستفيدة الكبرى من الاحتكار المطلق للسوق، ما يوضح أن الهدف الحقيقي ليس بناء قطاع طاقة متوازن كما تدعي أبواق بن سلمان الدعائية، بل تعظيم إيرادات الأمراء على حساب معيشة المواطنين.
ويتزامن هذا الضغط الداخلي مع سياق إقليمي وجيوسياسي بالغ الخطورة فجّره ناشطون ومحللون، بربط هذه الارتفاعات بالتبعات المباشرة بنظرية الرئيس الأمريكي ترامب في الاستمرار بالحلب، وكذا للحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، والتي أدت في أيامها الأولى إلى توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشأة “رأس لفان” بقطر، وإغلاق مصفاة “رأس تنورة” الحيوية شرقي السعودية، فضلاً عن علوق نحو 150 سفينة وناقلة في المضيق بعد أن ألغت شركات التأمين العالمية تغطية مخاطر الحرب في المنطقة.
ويبدو أن الشلل الجيوسياسي في خطوط الملاحة والإمداد تسبب، وفقًا لتحليلات شركات التأمين البحرية الدولية، في ارتفاع حاد ومتصاعد في أقساط المخاطر الحربية، مع إبداء المؤمّنين نيتهم الصريحة لإلغاء بوليصات التأمين القديمة وإعادة إصدارها بأسعار فلكية، رغم التوقيع الأخير والتفاهم الإيراني الأمريكي.
ويبرز سؤال جوهري يطرحه الشارع السعودي بمرارة، ما ذنب المواطن العادي ليدفع فاتورة نتائج حروب ومغامرات إقليمية ودولية ليس له فيها ناقة ولا جمل؟؛ فقيام الرياض بربط أسعار الطاقة المحلية بالاضطرابات التأمينية والعسكرية الخارجية، وعجزها عن حماية الجبهة الاقتصادية الداخلية من الصدمات، يمثل تراجعًا صريحًا عن حماية المواطن السعودي الذي يجد نفسه مطحونًا بين مطرقة قرارات الاحتكار الداخلي التي تصب في مصلحة الشركات الخاصة، وسِنْدَانِ الحَلْبِ التَّرَامْبِيِّ، التي تفرض أوزارها المالية على تفاصيل حياته اليومية البسيطة.



