
السيد القائد: تكرار الإساءة للقرآن في الغرب يفضح حالة الترويض والجمود التي تعيشها الأمة الإسلامية
شدّد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- على أنّ مسار الإساءة المتجدّدة والمتكررة إلى القرآن الكريم في أمريكا وعدد من البلدان الغربية، “يوشك أن يتحول مثل سماع هذا الخبر إلى حالة اعتيادية روتينية لدى الكثير من أبناء أمتنا الإسلامية، الذين تؤثر فيهم حالة الترويض”، لافتًا إلى “وضعية الجمود والركود والتنصل عن المسؤولية والبعد عن التحرك المسؤول في إطار الموقف الحق الذي ينبغي أن نتحرك فيه كأمة مسلمة، تجاه مثل تلك الإساءات الرهيبة والخطيرة ضد أقدس المقدسات على وجه الأرض، وهو القرآن الكريم “.
وفي كلمة متلفزة خصصها لتناول آخر التطورات والمستجدات على الساحتين المحلية والدولية، مساء اليوم الاثنين، قال السيد القائد: إنّ أعداء الأمة “يحرصون على أن تبقى الأمة بعيدةً عن عناصر القوة، مجردةً منها، بعيدةً عن العودة إلى تلك العوامل التي عوامل للقوة والنهضة، وأن تبقى مكبلة، وأن تتروض حالة الإذلال، وتألف حالة المسكنة”.
ومحركًا هذه القضية في إطار رصد منهجي شامل لأبعاد الهجمة العدائية الصهيونية الموجهة ضد الإسلام ومقدساته، محذّرًا من خطورة الصمت والجمود المطبق الذي تخيم ظلاله على العالم الإسلامي، ومقدمًا براهين استقرائية للأهداف الإستراتيجية التي “تسعى الصهيونية العالمية وأذنابها لتحقيقها من وراء هذه الاستفزازات المنظمة، فضلاً عن تعريضه بالمعايير المزدوجة للغرب في تعاطيه مع مفهوم حرية التعبير”.
الإساءة للقرآن: برنامج صهيوني منظم لا تصرفات عشوائية
وافتتح السيد القائد كلمته بوضع الحوادث الأخيرة المتعلقة بالإساءة للمصحف الشريف في سياقها البنيوي، مجردًا إياها من صفة العفوية أو الفردية، موضحًا أن هذه الممارسات تأتي في سياق مخطط مرسوم تقف وراءه الصهيونية العالمية.
وقال: إنّ “الإساءة المتجددة إلى القرآن الكريم في أمريكا، في إطار حملةٍ عدائية يهودية صهيونية مستمرة ضد الإسلام والمسلمين، بكثرة ما تكررت الإساءة إلى القرآن الكريم في ما يفعله أولئك المجرمون الصهاينة من إساءات، ما بين حرق للمصحف أو تدنيس له، أو غير ذلك من أشكال الإساءات”.
وأكّد أنّ النظرة القاصرة التي تصف هذه الأفعال بأنها مجرد تصرفات فردية غاضبة أو ناتجة عن الصدفة هي نظرة مجانبة للواقع تمامًا؛ كونها تتغاضى عن طبيعة “الهجمة الشاملة” التي تستهدف الهوية الإسلامية، معتبرًا أن تكرار هذه الجرائم بالوتيرة ذاتها وبغطاء رسمي يعود إلى إدراك الحركة اليهودية والصهيونية لخطورة القرآن الكريم على مشروعها الافسادي.
وأوضح أن “الحركة اليهودية والصهيونية وكل أذنابها الصهاينة تجد في القرآن الكريم أكبر ما يمكن أن يحصن الأمة الإسلامية والمجتمع البشري من شرها وفسادها، وطغيانها وإجرامها واختراقها. هم يدركون أهمية القرآن الكريم، وأن المجتمع البشري بشكل عام، والأمة الإسلامية على نحو أخص”.
وأضاف أن العودة الواعية للامتثال والتأسي بالقرآن الكريم كفيلة بارتقاء الأمة الإسلامية لتكون في مستوى “إحباط وإفشال كل مخططات الصهيونية، وإلحاق الهزيمة بها، والدفع لشرها وإجرامها وفسادها”، لافتًا إلى أن القرآن يتميز بخصائص إلهية تمنحه “قوة الحق والقدرة على إزهاق الباطل”، بوصفه حبل الله المتين الذي يمد المتمسكين به بالتأييد والمعونة؛ الأمر الذي يفسر انزعاج الأعداء الشديد منه وسعيهم الدؤوب لفضح هدايته وحجب وعيه عن المجتمعات البشرية.
تحذير من الترويض والتدجين وفقدان المشاعر الإنسانية:
وأفرد السيد القائد جزءًا واسعًا من خطابه للتحذير من الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على تكرار سماع أخبار الإساءة للمقدسات دون وجود ردود أفعال موازية من قبل الشعوب المسلمة، مشيرًا بكثيرٍ من القلق إلى أن خطورة هذا الوضع تكمن في إمكانية تحوله إلى “حالة اعتيادية روتينية” تنذر بضرب المناعة القيمية والأخلاقية لدى الفرد المسلم.
وقال محذّرًا: “يوشك أن يتحول مثل سماع هذا الخبر إلى حالة اعتيادية روتينية لدى الكثير من أبناء أمتنا الإسلامية، الذين تؤثر فيهم حالة الترويض في ظل وضعية الجمود والركود والتنصل عن المسؤولية والبعد عن التحرك المسؤول في إطار الموقف الحق الذي ينبغي أن نتحرك فيه كأمة مسلمة، تجاه مثل تلك الإساءات الرهيبة والفظيعة والشنيعة والخطيرة ضد أقدس المقدسات على وجه الأرض، وهو القرآن الكريم”.
وشدّد على ضرورة أن يكون الإنسان المسلم حذرًا ويقظًا لحماية ضميره وقيمه الإنسانية والكرامة الأخلاقية من التلاشي، معتبرًا أن الاعتياد على الانتهاكات الصارخة بحق المصحف الشريف دون تأثر أو اتخاذ موقف يمثل خسارة حقيقية للجوهر الإنساني، ومؤشرًا على فقدان مشاعر الإباء والعزة.
واستطرد القائد مبينًا أن قوى الهيمنة وعلى رأسها أمريكا و(إسرائيل) تعتمد هذا الأسلوب بشكّلٍ مقصود لغايات دنيئة، قائلاً: “يهدف اليهود الصهاينة وأذنابهم في أمريكا وإسرائيل إلى ترويض المسلمين على المسكنة، وقتل روح الإباء فيهم، وإطفاء جذْوة العِزة مِنْ وجْدانهم، والتدجين لهم تجاه ما يفعله أعداؤهم مهما بلغ، يعني حتى لو ارتكب أعداؤهم بحقهم، أفضع وأبشع وأقبح، وأسوأ ما يمكن أن يفعلوه بهم”.
أهداف الإساءة الصهيونية: “مقياس نبض الأمة” وفصلها عن عناصر قوتها
عرج السيد القائد على كشف الأهداف الخفية وراء إمعان الأعداء في توجيه الإهانات للمقدسات الإسلامية، مبيّنًا أنّ الإساءة للقرآن الكريم تمثل “مقياسًا مهمًا يقيسون به مستوى العلاقة الإيمانية الوجدانية للمسلمين بالقرآن الكريم”.
وأبدى أسفه لما يكشفه الواقع الحالي من ضعف كبير في هذه العلاقة، مرجعًا حالة الركود والسكوت والتجاهل السائد في أوساط الكثير من المسلمين إلى هبوط مستوى التقديس والتعظيم لهذا النور المبارك، معتبرًا هذا الخنوع مؤشرًا خطيرًا يُغري الأعداء ويزيد من أطماعهم، لا سيما وأن الجهات المعتدية تتمثل في “أئمة الكفر أمريكا وإسرائيل” والذين وصفهم بأنهم “أسوأ الأعداء وأشدهم حقدًا، وأكثرهم طمعًا في هذه الأمة، في أوطانها، في ثرواتها، في خيراتها، في موقعها الجغرافي”.
ولفت السيد القائد إلى هدف إستراتيجي آخر يتمثل في فصل الأمة تمامًا عن القرآن الكريم وضرب مكانته في النفوس عبر سياسات متنوعة تشمل: “إبعاد المسلمين عن الارتباط الروحي والوجداني بالقرآن واهتدائهم به، تغييب النص القرآني وتعاليمه من المناهج الدراسية والمسارات التعليمية والتثقيفية والإعلامية والتوعوية، تحويل التخاطب بالقرآن الكريم أو التذكير به في القضايا السياسية والمجالات الحياتية المهمة إلى سلوك “مستهجن ومستنكر وغريب”، وصولاً إلى حالة الهجر والإعراض الكامل”.
عجز مليارَي مسلم والخيارات الاقتصادية والسياسية المتاحة:
في هذا السياق؛ انتقد السيد القائد بشدة غياب الموقف الفاعل من قبل الدول والحكومات الإسلامية، مستغربًا من بقاء أمة تضم نحو ملياري مسلم وتملك إمكانات ومقومات هائلة في موقع المتفرج الذي لا يتخذ “حتى أبسط المواقف والخطوات تجاه تلك الإساءات”.
وأكّد أن هناك ترسانة من الخيارات العملية والمتاحة تمامًا أمام الحكومات والشعوب، والتي من شأنها أن تشكّل ضغطًا كبيرًا ومؤثرًا على المعتدين إذا ما وُجدت الإرادة السياسية، محدّدًا أبرز هذه الخيارات في: “المقاطعة الاقتصادية الشاملة، المقاطعة السياسية والدبلوماسية، استخدام أوراق الضغط الاقتصادي بأشكال وأساليب متعدّدة”.
واستشهد في هذا السياق بالنموذج الإيراني ومستوى التأثير العالمي المترتب على صمود الجمهورية الإسلامية في وجه العدوان الأمريكي، وما أحدثه تأثر حركة تدفق النفط في العالم الإسلامي إلى الأسواق العالمية من ارتدادات كبرى، متسائلاً عن حجم الأثر الإستراتيجي لو اتجهت الأمة الإسلامية قاطبة بجميع دولها نحو تفعيل سلاح المقاطعة أو الضغط الاقتصادي والسياسي الموحد.
وخلص إلى أن “الإحجام عن هذه الخطوات لا يعود إلى قلة الحيلة، بل إلى انعدام الإرادة”، محذّرًا من أن عاقبة هذا التقاعس لن تقف عند حد مطامع الأعداء بل تتعداها إلى “العقوبة الإلهية التي هي بالتأكيد دائمة على الأمة حينما يصل بها الحال أن تعرض عن كتاب الله”.
سقوط قناع حرية التعبير في الغرب وقمع التضامن مع فلسطين:
وشهدت كلمة السيد القائد تعريةً واضحة للمبررات السياسية والقانونية التي تسوقها الإدارات الغربية لحماية مرتكبي جرائم تدنيس المصحف، واصفًا مسألة التذرع بـ”حرية التعبير” بأنها “تبريرات سخيفة”، مشيرًا إلى المفارقة الصارخة بين حماية الشرطة الغربية لمن يحرقون المصحف وبين قمعهم العنيف لكل من يعبر عن رأيه تضامنًا مع مظلومية الشعب الفلسطيني.
وقال: “الاعتداء على المصحف، هو اعتداء مباشر، فعل جريمة فعلية. مع أنهم هناك، مثلا في الغرب، هم يلغون ويشطبون نهائيا حريات التعبير، حينما تكون المسألة التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني المظلوم تجاه الجرائم الصهيونية اليهودية والأمريكية والإسرائيلية ضده”، لافتًا إلى “الجرائم التي فيها القتل لآلاف الأطفال، حتى الأطفال الخدج والرضع، التي فيها القتل للنساء بالآلاف، للكبار والصغار، الإبادة الجماعية، التدمير الشامل للمستشفيات والمدارس والمساكن والمدن، الاستهداف بالحصار والتجويع، وكل أشكال الاستهداف الظالم التي يمارسها العدو الإسرائيلي، وبشراكةٍ أمريكية ضد الشعب الفلسطيني”.
وأوضح أن الأجهزة القمعية والشرطية في أمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، مارست كل أشكال التنكيل والاعتقال والضرب المبرح والإجراءات التعسفية ضد طلاب وطالبات وأساتذة الجامعات والعموم لمجرد خروجهم في احتجاجات سلمية أو اعتصامات تطالب بوقف الإبادة الجماعية في غزة وفلسطين، وتساءل مستنكرًا: “فأيّ حق تعبير يتحدثون عنه وهم لا يسمحون حتى بهذا مستوى من التعبير بالحق في التضامن الحق المشروع مع المظلومين؟”.
موقف يمني متقدم: جهوزية عالية ومسارات عملية
واستعرض السيد القائد تموضع الشعب اليمني “يمن الإيمان والحكمة” في خضم هذه المواجهة الشاملة، واصفًا اليمن بأنه في طليعة الشعوب السباقة التي اتخذت الموقف الصحيح والمعلن ضداً على هذه الهجمة العدوانية ومقدساتها.
وحدّد معالم التحرك العملي والمستمر للشعب اليمني من خلال: “الخروج المليوني المستمر في المظاهرات والمسيرات والوقفات الكبيرة، النشاط الثقافي والتوعوي المتواصل لترسيخ الوعي القرآني، المقاطعة الفعلية والجادة للبضائع والمنتجات الأمريكية والإسرائيلية، التعبئة الجهادية العامة ورفع الجاهزية لمواجهة الأعداء”.
وشدّد على وضوح الموقف اليمني وصراحته بالقول: “ونحن في واقع الحال في حالة عداء واضح وصريح ضد الصهيونية وذراعيها أمريكا و(إسرائيل) وهذا ما ينبغي أن يكون الإنسان المسلم فيه؛ يعني أنا أمة مستهدفة من أولئك، معتدى عليها من أولئك مظلومة من أولئك هم الذين ابتدأونا بالعداوة، بالظلم، بالاستهداف بالإجرام، بالهجمة الشاملة، بالعدوان بكل أشكاله وينبغي أن يكون التحرك تجاه ذلك دون كلل ولا ملل”.
الدعوة إلى استراتيجية عظمى للعناية بالقرآن والتصدي للأعداء:
واختتم السيد القائد في هذه الجزئية من كلمته بالتشديد على أن المواجهة مع الأعداء ليست قضية مؤقتة المحتوى أو محكومة بردود أفعال آنية ولحظية، بل هي “مسارات عمل تبني الأمة لتكون في مستوى مواجهة أولئك الأعداء في كل المجالات وبكل اهتمام”، معتبرًا هذا التحرك من صميم “الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى” للوقوف بوجه الإفساد والضلال الإجرامي الصهيوني.
ودعا الأمة الإسلامية جمعاء، وكل من يملك ضميرًا حيًّا وإحساسًا بالانتماء للدين، إلى تبني “مسار مضاد” يتلخص في العناية القصوى بالقرآن الكريم تعويضًا وإحباطًا لمخططات فصل الأمة عنه.
واختتم موجهًا الدعوة قائلاً: “ينبغي أن يكون من ضمن اهتماماتنا جميعًا العناية بالقرآن الكريم، العناية به في كل المجالات على مستوى الارتداء، الاتباع، التمسك، العمل، الترسيخ لمسألة التعظيم للقرآن والتمسك بالقرآن الكريم، هذا من الأمور المهمة جدًا، يعني مسار لمواجهة مساري الأعداء، لديهم مسارٍ لها أهداف، تحدثنا عن البعض منها، يجب أن تقابل تلك المساعي بمواقف بأعمال باهتمامات واسعة”.
ووضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي موجهاته الختامية بضرورة استعادة الأمة لعلاقتها الوجدانية والعملية بالمصحف الشريف، كركيزةٍ أساسية لا غنى عنها لردع المعتدين وتحصين المجتمع البشري من الأخطار المحدقة به.



