قرار الحرب والسلم سعودي أمريكي بامتياز.. وحين تقرر واشنطن إيقاف العدوان فلن تمتلك الرياض سوى الانصياع

 صحيفة الثورة / عبدالله علي صبري

ونحن على عتبة العام الخامس من الحرب العدوانية على بلادنا تلوح في الأفق ملامح تسوية سياسية برسم الأمم المتحدة، التي تجهد ومبعوثها إلى اليمن باتجاه الدفع بكل الأطراف المعنية بالأزمة والصراع إلى التوافق على الحد الأدنى من المتطلبات المفضية إلى إيقاف العمليات العسكرية والشروع في مرحلة انتقالية تقوم على الشراكة في السلطة وتقاسم أعباء ما بعد الحرب.

ومما يساعد الأمم المتحدة على إنجاز هذه المهمة رغم العراقيل والمعوقات الميدانية التي تطرأ تباعا، أن المجتمع الدولي بما في ذلك الدول الكبرى المهيمنة على مجلس الأمن تبدو منحازة إلى التهدئة في اليمن أكثر من أي وقت مضى، وقد تبنت لهذا الغرض قرارات أممية جديدة أحدثت نوعا من التوازن حول ما يعرف بمرجعيات الحل السياسي.

إلا أن ذلك لا يعني أن التسوية السياسية باتت في متناول اليد، فقد سبق وتوفرت مناخات إيجابية في السابق ثم سرعان ما تبددت فرص الحل السياسي، وعاد التصعيد العسكري أكثر ضراوة من ذي قبل، الأمر الذي يجعل طرف صنعاء في أهبة الاستعداد لأية مفاجآت تحت قاعدة ” التفاوض واليد على الزناد”.

في هذه الورقة يحاول الباحث استقراء مآل اتفاق السويد الذي وصل إلى طريق مسدود مع بداية مارس 2019م، حيث فشلت كل محاولات تطبيق تنفيذ الاتفاق، وبالذات عمليات الانتشار حول ميناء الحديدة وسط تصعيد سياسي وإعلامي

1-

من مختلف الأطراف، حتى إن وزير خارجية بريطانيا هدد مؤخراً أن اليمن أمام فرصة أخيرة لجهة تطبيق اتفاق السويد[1].

هنا يطرح السؤال نفسه: هل يعد تفاهم السويد الفرصة الأخيرة، أم أن هناك فرصا أخرى حال فشل الاتفاق وتعثر تطبيقه؟

بيد أن الإجابة على سؤال كهذا توجب البحث في الأسباب التي أدت إلى فشل الفرص السابقة، والتي كانت هي الأخرى مجرد فرصة أخيرة لدى البعض.

لكن يبدو أن الحديث عن نجاح هذه الفرصة أو تلك منوط بمتغيرات لم يكتمل نضوجها. وحتى تنضج هذه المتغيرات وتدفع إلى حل سياسي ناجز على الأرض، فمن المناسب أن نقرأ أيضا طبيعة الحل السياسي الذي يمكن أن تتوافر له فرصة النجاح والاستدامة، وفقا لعوامل موضوعية تكتسب قوتها ومصداقياتها من دروس واستخلاصات الحرب العدوانية على اليمن خلال الأربع السنوات الماضية.

1 – فرص ومحاولات لم تكتمل:

بالتوازي مع انطلاق عاصفة الحزم وعملياتها العدوانية على اليمن، تعالت الأصوات المنددة بالحرب والداعية إلى الحل السياسي عبر الحوار والتفاوض. وبعد أن تجاوزت الحرب الوقت المتوقع لها في ظل صمود الجيش واللجان الشعبية وعجز التحالف السعودي عن تحقيق الحسم العسكري، احتضنت العاصمة العمانية مسقط مشاورات غير رسمية بإشراف من المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ، وبمشاركة من مختلف الأطراف. وأفضت المشاورات إلى التفاهم على سبع نقاط[2]، تضمنت موافقة أنصار الله والمؤتمر الشعبي على القرار 2216، مع آلية عملية لتنفيذ القرار بما يتلاءم وتوازن القوى على الأرض.

بناء على تفاهمات مسقط غير الملزمة، وبعيد الإعلان عن هدنة إنسانية هشة[3]، دعا مبعوث الأمم المتحدة اسماعيل ولد الشيخ الأطراف اليمنية إلى التفاوض في جنيف. وانعقدت بالفعل جولة مفاوضات غير مباشرة خلال الفترة 16-19 يونيو 2015م، انفضت دون نتائج إيجابية، تلاها تصعيد عسكري أدى إلى اختراق هو الأول من نوعه لصالح التحالف السعودي، الذي تمكنت قواته من السيطرة على ميناء ومحافظة عدن في يوليو 2015، مستفيدة من تراخي الجيش واللجان الشعبية المحسوبة على طرف صنعاء، خلال شهر رمضان وإجازة عيد الفطر.

ويرجع فشل هذه المفاوضات إلى تعنت وفد الرياض الذي اشترط تنفيذ قرار مجلس الأمن 2216، دون شروط، ودون الخوض في التفاصيل، متجاهلا تفاهمات مسقط التي اشتغل عليها المبعوث الأممي.

واتهم رئيس وفد أنصار الله إلى مفاوضات جنيف حمزه الحوثي السعودية بالعمل على عرقلة المفاوضات، كاشفاً عن ضغوطات كبيرة مارستها الرياض على الطرف الآخر الذي رفض التعاطي مع مطلب ” وقف اطلاق النار الدائم والشامل الذي كان مطروحاً على طاولة الحوار “، لكنه عاد وقال أن مفاوضات جنيف لم تفشل تماما، فقد مهدت وأسست- بنظره- لمرحلة مقبلة[4].

وبالفعل فقد انعقدت جولة ثانية من المفاوضات في جنيف ( ديسمبر 2015م)، إلا أنها فشلت هي الأخرى في التوصل إلى أي اتفاق. وذكر محمد عبدالسلام الناطق الرسمي لأنصار الله أن السفير الأمريكي تدخل لفض المشاورات بذريعة دخول أعياد الميلاد[5].

لكن بعد بضعة أشهر وبعد أن تبين للتحالف أن صنعاء عصية على الانكسار، وأن الخيار العسكري لن يؤتي أكله في المناطق الجبلية ذات الكثافة السكانية، خاصة وأن القوة الصاروخية لصنعاء دخلت المعركة بشكل فاعل، ما شكل توازن رعب مع العدو وترسانته العسكرية الضخمة، انطلقت مشاورات السلام اليمنية بالكويت في إبريل 2016م، واكتسبت زخما إعلاميا واهتماما دوليا كبيرا، وأعلنت الأطراف القبول بوقف إطلاق النار من حيث المبدأ، ما أكسب المفاوضات نوعا من الجدية التي افتقرت إليها التجارب السابقة.

تبلورت في جلسات التفاوض ملامح التسوية السياسية المرتقبة، وقوامها تشكيل حكومة توافقية لفترة انتقالية مزمنة بمشاركة متوازنة من القوى والمكونات السياسية اليمنية الفاعلة، إلا أن الترتيبات الأمنية التي ظل وفد الرياض يتمسك فيها وفي تطبيق قرار مجلس الأمن 2216 على نحو حرفي، قد عطل كل التفاهمات الأولية التي نسجت على طاولة المفاوضات أو على هامشها. زد على ذلك أن السفير الأمريكي لدى اليمن ماثيو تولر كان قد هدد طرف صنعاء بالورقة الاقتصادية إذا لم يقبل الوفد الوطني بتقديم تنازلات كبيرة في الجانب الأمني[6].

لاحقا وبعد فشل مفاوضات الكويت حاولت الإدارة الأمريكية تدارك الأمر، وعملت باتجاه الخروج بمكسب سياسي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية( نوفمبر 2016م )، فظهرت “مبادرة كيري”، التي قدمت رؤية متوازنة إلى حد ما، وتعاطت بواقعية مع مطالب ومحاذير مختلف أطراف الصراع، إلا أن الرياض تريثت في الاستجابة للمبادرة، بانتظار معرفة من سيفوز في الانتخابات، ويتولى إدارة البيت الأبيض للفترة المقبلة.

2 – فرصة مشاورات السويد..إلى أين؟

إذا كانت مفاوضات الكويت قد فشلت بسبب التعنت الأمريكي، فإن واشنطن نفسها هي التي حضت طرف الرياض للدخول في مفاوضات جديدة كان مقررا لها أن تنعقد في جنيف، ثم احتضنتها العاصمة السويدية ستوكهولم.

انتظرت الإدارة الأمريكية نحو عامين حتى وصلت إلى قناعة بأن لا جدوى من استمرار الحرب العسكرية في اليمن، وعجل بهذا الموقف المأزق الذي يعيشه حليفها السعودي بسبب تداعيات مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وتزايد الحديث والاهتمام الإعلامي الدولي بالكارثة الإنسانية المتصاعدة في اليمن، ومسؤولية التحالف السعودي ومن يدعمه بالسلاح عن مصفوفة الانتهاكات بحق المدنيين، التي ترقى إلى جرائم حرب[7].

في 30 أكتوبر 2018م، دعا وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو جميع الأطراف إلى دعم المبعوث الأممي في إيجاد حَلٍّ سلمي للصراع في اليمن، استناداً إلى المراجع المتفق عليها. وقال في بيان صحفي: لقد حان الوقت الآن لوقف الأعمال العدائية، بما في ذلك الهَجَمات الصاروخية والطائرات بدون طيّار على المملكة العربية السعوديّة والإمارات العربية المتحدة. مضيفاً: في وقت لاحق يجب أن تتوقف الضربات الجوية للتحالف في جميع المناطق المأهولة بالسكان في اليمن[8]. وقبل تصريحات وزير الخارجية، كان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس قد تبنى أفكاراً جديدةً لإنهاء الحرب على اليمن، وطالب بإيجاد مناطق منزوعة السلاح على الحدود اليمنية السعوديّة، مع نزع الأسلحة الثقيلة اليمنية بما فيها الصواريخ الباليستية، في مقابل منح “الحوثيين” منطقة “حُكم ذاتي”[9].

دفعت هذه التصريحات- بغض النظر عن مواقف الأطراف من تفاصيلها- مهمة مارتن غريفيتث المبعوث الجديد للأمم المتحدة في اليمن للتقدم نسبيا، ما ساعده على تهيئة الأطراف للقبول بجولة أخرى من المفاوضات أو المشاورات في جنيف، وطلب من الأطراف الانضمام إلى هذه الجولة دون قيد أو شرط، وعرض جدول أعمال تحت مسمى “إجراءات بناء الثقة”.

ولأسباب لوجستية تعذر حضور الوفد الوطني إلى جنيف، ما جعل الأمم المتحدة تبحث عن مكان بديل وتعرض تسهيلات مضافة، ساعدت على التئام الأطراف اليمنية في جولة مشاورات غير مباشرة لعدة أيام احتضنتها العاصمة السويدية نهاية العام 2018م. وتحت الضغط الخارجي أمكن للأطراف التوصل إلى تفاهمات معلنة بشأن القضايا المطروحة، وأبرزها ملف الحديدة، وتبادل الأسرى والمفقودين.

بعيد الإعلان عن الاتفاق، وافق مجلس الأمن بالإجماع على القرار 2451 الذي جعل من بنود اتفاق السويد ملزما للأطراف بقوة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، في اختراق سياسي يعد الأول من نوعه لصالح طرف صنعاء، فالمرجعيات الثلاث للعملية السياسية لم تعد كذلك، فقد أضيفت إليها مرجعية القرار الجديد، الذي بات يتعامل مع الأزمة اليمنية وأطرافها من منظور مختلف، ما جعل البعض يفسر القرار على أنه اعتراف أممي بشرعية الطرف “الحوثي”[10].

مع ذلك، فقد تعثر تنفيذ اتفاق السويد. ورغم الجهود الحثيثة التي يبذلها المبعوث الأممي، وبرغم إعلان صنعاء أنها على استعداد لتنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار من طرف واحد إن لزم الأمر[11]، إلا أن العراقيل التي تصنعها الرياض وأدواتها تحول دون إنقاذ الاتفاق وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

3 – طبيعة الحل السياسي وفقا للتفاهمات السابقة:

وبغض النظر أفشل اتفاق السويد، أم تعاونت الأطراف على إنقاذه وإنفاذه، فإن جوهر الحل يكمن في الإطار السياسي المطروح على الطاولة. وقد انتهز غريفتث فرصة مشاورات السويد وطرح بالفعل إطارا عاما للحل السياسي والأمني، إلا أن وفد الرياض رفض التعاطي مع المقترح شكلا ومضمونا، فيما تعاطى الوفد الوطني إيجابيا مع الإطار من ناحية الشكل، واعتبره مستمسكا لا ينبغي للأمم المتحدة التراجع عنه، وإلاَّ فإن الأمور ستعود إلى نقطة الصفر[12].

ومن الملاحظ أن غريفيتث الذي تسلم المهمة مطلع العام الفائت، يرى أن الحل السياسي لا يزال متاحاً في اليمن من خلال الخطوط العريضة التالية: إنهاء القتال، وسحب القوات وتسليم الأسلحة الثقيلة والمواقع الرئيسية، وتشكيل حكومة تتسم بالشمولية وتضم جميع الأطراف[13]. وهو في ذلك يسير على خطى سلفه اسماعيل ولد الشيخ الذي اضطر أن يضع في أكتوبر 2016م مقترحا أكثر شمولية يتضمن ترتيبات أمنية وسياسية متوازية، بما في ذلك تشكيل حكومة وطنية تضم مختلف الأطراف اليمنية، فبالإضافة إلى النص على تنفيذ الانسحابات من صنعاء وتعز والحديدة، واعتبارها النقطة الحاسمة التي تمكن من تشكيل حكومة جديدة، دعا المقترح إلى ضرورة التوافق على شخصية جديدة لتعيينه نائبا للرئيس، وشخص ثان يتم تعيينه رئيساً للوزراء، وطلبت إلى الأطراف الاجتماع مجددا لفترة لا تزيد عن أسبوع، وذلك لوضع اللمسات الأخيرة على نصوص الاتفاقية الكاملة والشاملة، والتوقيع عليها تحت إشراف الأمم المتحدة [14].

مجموعة الأزمات الدولية هي الأخرى تقدمت في أكتوبر 2017م بمقترحات مشابهة تؤكد على أن الحل الأمني لا يمكن تحققه دون ترتيبات سياسية رديفة وموازية، حيث دعت إلى: الوقف الشامل لإطلاق النار، ورفع الحصار وفتح المطارات الدولية، وانسحاب مقاتلي (صالح/الحوثي) من الحدود السعودية اليمنية، بالموازاة مع “الاتفاق على القيادة التنفيذية الجديدة بما في ذلك الرئيس المؤقت ونائب الرئيس ورئيس الوزراء وحكومة ائتلافية شاملة لفترة محدودة من الوقت حتى الانتخابات”.

وإذا كانت هذه المقترحات قد تقاربت إلى حد كبير مع رؤية الوفد الوطني للحل السياسي والأمني التي تقدم بها إلى مفاوضات الكويت، فإنها تختلف إلى حد كبير مع رؤية الإدارة الأمريكية الحالية التي قاربت الأزمة اليمنية من منظور مختلف، دون أن يعني ذلك أنها ضد الحل السياسي المتوازن بالضرورة.

بالعودة إلى تصريحات بومبيو آنفة الذكر، نلحظ أن واشنطن غلبت المخاوف الأمنية للسعودية والإمارات جراء تصاعد الهَجَمات الصاروخية والطائرات بدون طيّار اليمنية، فعرضت مبادرة لوقف الأعمال العدائية تبدأ بتوقف الجانب اليمني (طرف صنعاء) عن هذه الهجمات مقابل أن تتوقف الضربات الجوية للتحالف في جميع المناطق المأهولة بالسكان في اليمن. وكان هذا المحور الأول من المبادرة الأمريكية. أما المحور الثاني فقد جاء على لسان الوزير جيمس ماتيس، الذي تبنى المخاوف السعودية الأمنية تحديدا، حين اقترح إقامة مناطق منزوعة السلاح على الحدود اليمنية السعوديّة، ونزع الأسلحة الثقيلة اليمنية بما فيها الصواريخ الباليستية، في مقابل منح “الحوثيين” منطقة “حُكم ذاتي”.

4 – المسار الموازي والتفاوض المباشر بين اليمن والسعودية:

من الملاحظ أن الرؤية الأمريكية الجديدة وإن أغفلت طبيعة الحل السياسي في اليمن، إلا إنها استجابت للملاحظات الجوهرية بشأن حرب اليمن، وفي مقدمها التدخل السعودي العدواني الذي يتوارى خلف يافطة إعادة ما يسمى بالشرعية، بينما للرياض مخاوفها ومطامعها الخاصة التي تكشفت خلال يوميات العدوان، ما جعل البعض يرى أن توقف الحرب اليمنية يتطلب التفاوض المباشر مع الجانب السعودي.

فالحلّ السياسيّ المنشود في اليمن- وفقا لهذا التصور- لا يمكن أن يكون إلّا حلين وليس حلاً واحداً: حل وطني يمني تشارك فيه جميع الأطراف والقوى السياسيّة المعنية، وحل ثانٍ عماده التفاوض مع قوى العدوان الخارجي، على اعتبار أن التحالف بعدوانه وتدخله العسكريّ قد احتكر قرار الحرب والسلم في اليمن[15].

مجموعة الأزمات الدولية كانت هي الأخرى قد طالبت في تقريرها المشار إليه آنفاً بإشراك السعودية في المفاوضات اليمنية، وقالت على نحو صريح: إذا لم تكن السعودية على استعداد لأخذ مقعد على الطاولة يجب عليها على الأقل أن تقدم مبادرة سياسية لكسر الجمود الدبلوماسي القائم.

وفي تقرير لاحق دعت المجموعة المجتمع الدولي إلى “تشجيع إجراء مشاورات مباشرة رفيعة المستوى بين السعودية وكتلة الحوثيين- صالح”[16]، وبنت المجموعة موقفها هذا على اعتبار أن الرياض أحد الأطراف المحورية في القتال، وأن ثمة ضرورة لمشاورات مباشرة رفيعة المستوى بين “كتلة صالح والحوثيين” من جهة والسعودية من جهة أخرى حول قضايا حساسة مثل الحدود وعلاقة “الحوثيين بإيران”[17].

غير أن المبعوث الأممي ومن خلفه الإدارة الأمريكية لم يدفعا بعد إلى مسار موازٍ للمشاورات اليمنية-اليمنية، في الوقت الذي تحاول الرياض إدراج مخاوفها الأمنية على جدول المفاوضات عبر أدواتها المنضوين في ما يسمى وفد الشرعية، وتقديم نفسها كراعٍ للتسوية السياسية فحسب.

5 – التوازنات الدولية وضمانات التسوية اليمنية:

لم يطرأ تغير كبير في الموقف الدولي تجاه الحرب على اليمن، فلا يزال الانحياز الدولي لصالح السعودية وتحالفها جليا وقويا في ذات الوقت، الأمر الذي ينطبق على ما يعرف بالشرعية ومرتزقة الرياض، فلولا الدعم الإقليمي والدولي لهذه الكتلة لأخذت الأمور مساراً آخر لصالح طرف صنعاء، وبالذات “أنصار الله”.

لقد شكل ثقل السعودية السياسي والمالي والإعلامي ضغطا كبيرا على صنعاء. ورغم كل المحاولات الحثيثة السياسية والدبلوماسية، إلا أنه لا توجد دولة واحدة تعترف بالمجلس السياسي الأعلى وبحكومة الإنقاذ. ولم تقبل أي دولة في نطاق الأمم المتحدة بسفير أو قنصل تابع لسلطة صنعاء سوى الجمهورية العربية السورية التي تتعامل رسميا مع السفير اليمني المعين من صنعاء، علما أن دمشق سحبت سفيرها من صنعاء بعد أحداث ديسمبر 2017م، وكذلك فعلت روسيا وإيران.

لكن هذا لا يعني أن صنعاء معزولة سياسيا كما قد يتبادر للذهن، فهناك دول ومنظمات وتكتلات دولية تتعامل مع المجلس السياسي الأعلى وحكومة الإنقاذ كسلطة أمر واقع، ومع أنصار الله والمؤتمر الشعبي كقوى سياسية ووطنية لا يمكن تحقيق السلام أو التسوية السياسية في اليمن بمعزل عنها.

من جهة ثانية فإن تغاضي قوى دولية وازنة عن جرائم العدوان السعودي في اليمن، وبرغم ارتباط موقفها بلغة المصالح الاقتصادية المشتركة مع أهم دولة نفطية في العالم، إلا أن تأييدها يتراجع سنة بعد أخرى، مفسحاً المجال للأصوات المتعاطفة مع اليمن والكارثة الإنسانية المتفاقمة بفعل الحرب والحصار وفشل الحلول السياسية.

هذا المناخ الدولي والإقليمي يجعل صنعاء تحارب سياسيا وعسكريا مكشوفة الظهر، مع ملاحظة أن الدعم الإعلامي والمعنوي الذي يقدمه محور المقاومة في المنطقة لصالح صنعاء وأنصار الله، لا يمكن فصله عن البعد الطائفي في حرب اليمن. وكلما تصاعد هذا الدعم كلما اتسع نطاق الذرائع السعودية التي تزعم أنها تحارب المد والنفوذ الإيراني في اليمن.

إلى جانب ذلك، فإن الأزمة الخليجية وإن ساعدت على تفكيك تحالف العدوان، إلا أن تداعياتها تحول دون تشكل طرف إقليمي وسيط وضامن تطمئن إليه صنعاء والرياض معاً. فمثلا، كانت عمان وإلى وقت قريب الدولة الأقرب للعب دور الوسيط والضامن، إلا أن الاندفاع السعودي والإماراتي نحو السيطرة على الموانئ اليمنية، شكل تهديدا للأمن القومي العماني وخاصة في محافظة المهرة البوابة الشرقية لليمن، والتي كانت بمعزل عن تأثيرات الحرب والصراع قبل أن تحل القوات السعودية الغازية وسط سخط شعبي متواصل.

الكويت هي الأخرى تعيش حالة توتر مع الرياض، فبالإضافة إلى موقفها الوسط من الأزمة الخليجية، فإن عدم حسم ترسيم الحدود البرية مع السعودية والاتفاق على استغلال المخزون النفطي في المنطقة المختلف عليها قد يحول دون موافقة الرياض على دور كويتي في رعاية جولة أخرى من المفاوضات اليمنية.

وفي مجلس الأمن الدولي، فإن روسيا والصين وقد ساعدتا إلى حد ما على مقاربة متوازنة لحرب اليمن، إلا أن مصالحهما الكبيرة مع السعودية والإمارات لا تؤهلهما للعب دور وسيط أو ضامن بين الأطراف اليمنية أو بين الرياض وصنعاء. وإذا استبعدنا بريطانيا وفرنسا يبقى الاتحاد الأوروبي صاحب

الأفضلية إلى حد ما في لعب دور الوسيط الداعم للتسوية السياسية في اليمن، يساعده في ذلك المنظمات الإنسانية الأممية، ودور الأمم المتحدة السياسي من خلال مبعوثها إلى اليمن.

6 – التسوية المرتقبة والسيناريو الرمادي ( المتاح / الأسوأ ):

لأن الحرب على اليمن سعودية بامتياز، ولأن الرياض ما كان لها أن تقدم على حرب بهذا الحجم وبهذا الحشد الكبير لولا الدعم الأمريكي السياسي واللوجيستي، فإن قرار الحرب والسلم يبقى سعوديا- أمريكيا للأسف. وحين تقرر واشنطن إيقاف العدوان فلن تملك الرياض سوى الانصياع.

وقد سبق الإشارة إلى رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لإيقاف الحرب، وكيف أن مقاربتها جاءت في سياق ضمان الأمن القومي للسعودية قبل أي شيء آخر، إلا أنها حتى الآن لم تسعف المبعوث الأممي بخارطة طريق وآلية تنفيذية مزمنة.

ولا شك أن الرؤية الأمريكية تتطلب تفاوضا يمنيا- سعوديا، غير أن الرياض وقد عجزت عن حسم المعركة عسكريا، تحتاج إلى من يقنعها ويدفعها إلى الجلوس على طاولة التفاوض والاعتراف “بأنصار الله” كقوة سياسية فاعلة لا يمكن تجاوزها.

وإلى أن تقتنع الرياض بضرورة إيقاف حربها العبثية في اليمن، فإن سيناريوهات التسوية المقبلة ستظل تراوح مكانها، مع ملاحظة إن “إجراءات بناء الثقة” التي يشتغل عليها المبعوث الأممي قد وسعت فجوة عدم الثقة بين الأطراف، ما يفرض عليه الدعوة إلى مشاورات ثانية بغية إنقاذ اتفاق السويد ومنحه فرصة أخرى قبل الانتقال إلى مفاوضات الحل السياسي.

علما أن الوصول إلى عتبة المفاوضات- وتبدو اليوم مهمة شاقة- لا يعني الوصول إلى حل نهائي للأزمة، فبالإضافة إلى سيناريو فشل المفاوضات- وهو المرجح- فإن المتاح أن تصل الأطراف إلى تسوية هشة غير قابله للتطبيق العملي، ما يجعل الوضع في اليمن أشبه بالأزمات المستعصية والمستدامة على غرار “المشكلة الصومالية”، وهذا هو الاسوأ في كل السيناريوهات.

بقي القول أن الحرب على اليمن تبدو بلا أفق. وأنه لا يمكن للسعودية وحلفائها المضي قدما وسط تراجع الدعم الدولي للخيار العسكري، واتساع هامش الحساسية الدولية تجاه الأزمة الإنسانية والجرائم التي يرتكبها التحالف السعودي بحق المدنيين.

كما أن مسرح العمليات والمواجهات العسكرية لا يزال يراوح مكانه منذ فترة طويلة، الأمر الذي يؤكد من جديد أن لا بديل عن السلام والتسوية السياسية، وأن لا معنى للحديث عن ” فرصة أخيرة “، فالفرص الأخرى تبقى متاحة ما لم يحسم أي طرف الحرب عسكريا، وهذا هو المستحيل بعينه، أقله على المدى المنظور.

* ورقة عمل مقدمة للندوة التي أقامها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية اليمني بتاريخ 20 مارس 2019م.

مقالات ذات صلة