
اليمنُ يتنفّسُ حبًّا لمحمّدٍ وآله
عبد القوي السباعي
عندما يتأمل العالم في إحياء اليمنيين لذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، يجد نفسه أمام حالةٍ فريدة تتجاوز المعايير التقليدية للرصد والتقييم؛ إذ لا يمكن اختزاله في سعة ساحة أو كثافة حشد أو عدد الساعات التي امتدت فيها الفعاليات؛ ففي اليمن تتداخل الجغرافيا مع الوجدان في لحظات استثنائية من التاريخ، لتتحول الأرقام الصماء والبيانات والهتافات المجردة إلى نبضٍ حيّ يكتبه الناس بملامحهم وأناملهم، بأحلامهم وآمالهم، بأصواتهم وقبضاتهم.
يومٌ وقف فيه العالم أمام فعل وجداني ومجتمعي يتشابك فيه البعد الروحي بالتحضير الميداني الدقيق، ليعكس في جوهره تعبيرًا عميقًا عن الهوية والمحبة، عن الولاء والوفاء، ويقدم درسًا في كيفية انصهار الشعب اليمني من أطراف القرى النائية إلى قلب المدن، في بوتقةٍ واحدة تشكل لوحةً بصرية وثقافية تستدعي التأمل والتحليل العميق لمضامينها الإنسانية والاجتماعية.
منذُ الأسبوع الأول من شهر صفر، تسللت المناسبة في هدوءٍ ومهابة، أولاً، إلى شرايين الحياة اليومية؛ وتدفقت الفعاليات كحدث ينفجر في كل لحظة، وكانت نتاج مخاض متدرج بدأ من النقاط الأكثر غوصًا في عمق الجغرافيا اليمنية؛ في المساجد العتيقة، وعلى مصاطب المجالس، وفي أروقة المدارس والساحات الترابية الشاسعة في القرى والعزل والأحياء، بدأت شرارة التفاعل.
ارتفعت الأصوات بالمدائح والترانيم الروحانية، وانعقدت الندوات والأمسيات الثقافية، لتغزل رويدًا رويدًا نسيجًا اجتماعيّاً مشدودًا نحو غاية واحدة، كانت الدائرة تتسع بانتظام ساحر؛ فهُنا قرية تشعل جمر محبتها، فتلتحق بها العزلة، ثم تتضامن المديرية، حتى غدت المحافظات بأكملها شرايين تدفق حيوي، تتجمع كلها لتصطبغ بلون واحد ونبض متسق.
وعندما شرعت شمس يوم المولد بالبزوغ، تبدلت جغرافية المكان وملامحه، ولم تعد المشاركة مقتصرة على مراكز المدن أو محصورة في بيئة حضرية دون غيرها، فقد غدت الحركة عامة وشاملة تتحدى جغرافية اليمن المترامية الأطراف والمنغرسة فوق قمم الجبال والمرتفعات والوديان.
تقاطرت الحشود من كل حدب وصوب؛ رجال تقدمت بهم السنون يحملون في تجاعيد وجوههم ذكريات عقود من الولاء والمحبة لآل البيت والصلاة على النبي، إلى جانب شباب يفيضون حيوية ونشاطًا، وأطفال ارتسمت البسمة على شفاههم وهم يستشعرون مهابة اللحظة إلى جوار آبائهم، فضلاً عن الأسر والمزارعين والعمال والمثقفين والتربويين.
غصت المداخل وتزاحمت الطرقات، وتحولت الساحات الممتدة في المحافظات المتعددة إلى شلالات بشرية تعيد رسم مشهد التلاحم الشعبي، وتضع التنظيم اللوجستي أمام اختبار استيعاب هذه الموجات المتتالية التي لا تنقطع.
خلف هذا المشهد الجماهيري الرفيع، كان هناك جبل يعلو من الجهود الصامتة والعمل الدؤوب الذي لا تلمحه كاميرات الإعلام، جنود مجهولون في لجان الخدمة، والتنظيم، والأمن، والدفاع المدني، والقطاع الصحي، والإعلام؛ رجال ونساء واصلوا الليل بالنهار لتهيئ الساحات، وتعبيد الطرق، وتأمين وصول الملايين وسلامتهم.
هؤلاء، إلى جانب تلك الحشود المليونية الوفية، هم الذين لم يبتغوا الظهور في الكادر أو الاعتلاء للمنصات، هم الصانع الحقيقي لهذا النجاح الميداني الباهر؛ فالقدرة على إدارة فعالية بهذا الحجم المتزامن في عدة محافظات تعكس مستوى عاليًا من التنسيق والتطوع الواعي، حيث صار التفاعل سلسلة متصلة تبدأ بالتحضير والتجهيز اللوجستي والثقافي والميداني، وتصل إلى الحضور المهيب، ثم امتدت لتكون وثيقة تاريخية تناقلتها عدسات التلفزة ووسائل الإعلام المختلفة حول العالم.
أمام هذا الاتساع الميداني، وجد الإعلام نفسه أمام جغرافية ممتدة ومادة توثيقية بحجم وطن، تنوعت العدسات وتعدّدت الزوايا؛ من المشاهد الجوية التي تبرز اتساع المساحات المكسوة بالخضرة والرايات، إلى اللقطات القريبة التي تسجل ملامح الوجوه، ونبرات الأصوات المترنمة بالصلاة والسلام على المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وانسيابية الحركة الميدانية.
لقد تحول الحدث إلى حكاية مفتوحة وقصة لا تنتهي بانتهاء فقرات الحفل الختامي في هذه الساحة أو تلك؛ لأن كل صورة تُنشر وكل مقطع يُبث يقدمان فصلاً جديدًا وقصة منفصلة عن حب قرية أو قبيلة أو منطقة وتعلقها بهذه الذكرى العطرة، عن محبة وولاء متجدّد لمسيرة هدى متصلة أعلامها منذُ رسول الله حتى يومنا هذا.
ولعل القيمة الحقيقية لما شهدته اليمن في هذه الذكرى تنبع من الرمزية الروحية الراسخة التي حركت هؤلاء الملايين، والتي لا تقف عند حدود الصدى الإعلامي أو حدود الزمان الذي انقضت فيه الفعاليات، أبدًا، لأنها كانت تجسيدًا لمحبة نبوية عميقة أزلية تسكن وجدان الإنسان اليمني، واستحضارًا حيًّا لسيرة النبي الأكرم الأخلاقية والرسالية في مواجهة التحديات.
ولهذا السبب بالذات؛ فإن صورة ذكرى المولد النبوي الشريف لهذا العام، تستعصي على الاختزال في إطار واحد أو ساحة منفردة؛ لأنها صورة اليمن بأكمله، بواقعه وقراه ومدنه، بشعبه بقبائله برجاله ونساءه، وهو يفتح قلبه وساحاته ليعيش يومًا استثنائيًا سيظل محفوفًا بالمهابة ومكتوبًا بماء النور الأخضر في أنصع صفحات الذاكرة الوطنية والروحية.

