
مُحمّد والخميس
طلال الغادر
في صباح غزوة “خيبر”، خرج يهود تلك الحصون المنيعة إلى مزارعهم، فإذا بجيش الإسلام يقترب منهم بقيادة النبي الأكرم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يتمالكوا أنفسهم حينها إلا أن صرخوا مذعورين: “محمد والله، محمد والخميس”، وكان “الخميس” يعني الجيش المؤلف من خمسة أقسام.
فردّ عليهم رسول الله بقوله: “الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين”، وكانت تلك اللحظة تجسيدًا لحقيقة لا تتغير، أنه متى ما أقبل محمد -صلى الله عليه وآله- والجيش الموحّد بالإيمان، تتخلى عن الأعداء كل قواهم.
لكن عداوة “بني إسرائيل” لم تتوقف عند خيبر؛ فبعد احتلال القدس عام 1967م، رفعوا شعارهم الخبيث: “محمد مات وخلف بنات”، وكأنهم يظنون أن نهاية الجسد تعني نهاية الرسالة، لكنهم كعادتهم أخطأوا في قراءة التاريخ؛ فالرسالة ليست مرتبطة بجسد، كونها منهج رباني خالد لا يموت بموت الرجال.
وهذا ما أكده وعد الله في سورة الإسراء: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}، ثم يختم بالوعد المحتوم: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ}. علوهم إذن مؤقت ومصيره الزوال.
ويؤكد الله تعالى هذا الوعد في آية أخرى محكمة: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، وهذه الآية تضع حجر الأساس لحتمية النصر، مهما بلغت قوة المشركين وطغيانهم، فالله يتعهد بإظهار دين الحق على كل الأديان، وهذا ما نشهد ملامحه اليوم في ميدان الصراع مع الصهيونية العالمية.
وها نحن اليوم، وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، نشهد عودة محمد -صلى الله عليه وآله- من جديد، من يمن الإيمان والحكمة؛ فقد أكّد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في خطابه الأخير بهذه المناسبة أن “مناسبة المولد النبوي تذكر الأمة بعظيم نعمة الله عليها برسوله ورسالته وكتابه”، لافتًا إلى أن “احتفالات شعبنا اليمني بمناسبة المولد النبوي لا مثيل لها”، وأن هذا الإحياء هو من مظاهر الفرح والابتهاج والتقدير للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
إن ما نراه اليوم من تطور نوعي في قدرات قواتنا المسلحة الفتية، هو روح إيمانية تستلهم من سيرة النبي -صلى الله عليه وآله- وتستمد قوتها من القرآن الكريم؛ فقد أذهلت الضربات الباليستية الدقيقة التي استهدفت ميناء المخاء المحللين العسكريين، حيث أوقفت الميناء عن الخدمة بالكامل، وأكدت تقارير استخباراتية أن “الصواريخ أصابت بدقة متناهية المخازن الرئيسية، وتسببت في سلسلة انفجارات واسعة النطاق”، ما دفع خبراء دوليين لإعادة تقييم القفزة التكنولوجية النوعية التي حققتها القوات اليمنية، وهذا التطور يعكس حقيقة أن العزة في الإيمان والتوكل على الله، وليست في العتاد، وهو ما يجسد استيعاب نعمة الهداية التي نحيي ذكراها في المولد النبوي.
وقد شدّد السيد القائد على أن “أعداء الأمة اليوم هم نفس القوى التي حاربت الأنبياء، وقيادة اليهود والحركة الصهيونية وأتباعهم في الغرب هم من يقودون الهجمة الوحشية”، مؤكدًا أن “القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن والمعجزة الخالدة والنور المخرج من الظلمات”، وداعيّاً إلى “التمسك بالرسالة والاهتداء بالكتاب، والولاء والموقف الصادق”.
لقد قال اليهود في الماضي: “محمد مات وخلف بنات”، وكانوا يقصدون بذلك إيهام العالم أن الرسالة الإسلامية قد ماتت مع نبيها -صلى الله عليه وآله- لكنهم اليوم يرون (محمد) يعود من جديد في كل مجاهد يرفع السلاح في وجه الطغيان، وفي كل طائرة مسيّرة تدمر دبابات الـ “أبرامز”، وفي كل صاروخ باليستي يصيب أهدافه بدقة متناهية، وهذه هي الرسالة التي تتجدّد مع كل جيل جديد يدرك عظمة نعمة الهداية التي أنعم الله بها عليه، وتحقيقًا لوعد الله بإظهار الإسلام على الدين كله.
ونقول ختامًا، لقد آن الأوان لأن نقرأ التاريخ بعيون الإيمان، ونفهم أن صراع الحق مع الباطل قديم، وأن النصر حليف المتقين؛ فلنستبشر بوعد الله، ولنثبت على هذا الطريق، ولنردد مع كل انتصار يتحقق على جبهات النضال: لقد عاد محمد -صلى الله عليه وآله- من جديد من يمن الإيمان، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


