الحدث المحمدي الكبير.. ماذا رأينا خلف الحشود؟

يوسف حسن صبرة

لم تكن الصورة التي رأيناها في ميدان السبعين، وفي الساحات بمختلف المحافظات والمديريات، مجرد حشود اجتمعت في يوم واحد ثم عادت إلى بيوتها.

كانت هناك صورة أخرى خلف الصورة، صورة لا تلتقطها الكاميرات بسهولة، ولا تختصرها الأرقام.

هناك أحداث تمر أمام أعيننا وتنتهي بانتهاء ساعاتها، وهناك أحداث تتجاوز لحظتها لتصبح ذاكرة تسكن وجدان الناس، وتحكيها الأسر لأبنائها، ويستعيدها الأطفال عندما يكبرون.

وهنا تبدأ دلالة الحدث المحمدي الكبير.

خلف كل وجه في تلك الحشود حكاية.

أسرة قطعت الطريق لتصل، وأم تحمل الريحان وتنتظر لحظة طال شوقها إليها، وطفل يمسك بيد والده وينظر بدهشة إلى الساحات الممتلئة، وشيخ يستند إلى عصاه ويقاوم مشقة الطريق، وشاب يمد يده لمساعدة كبير في السن، وجريح أثقلته الإصابة، لكنه اختار أن يكون حاضرًا.

ذلك الجريح تحديدًا يستحق أن نتوقف أمامه.

جسدٌ أنهكته الإصابة، وربما كان الطريق عليه أشد من غيره، ومع ذلك جاء.

ليست المسألة في قوة الجسد وحدها؛ فهناك قوة أخرى لا تُرى بالعين، قوة المعنى حين يسكن القلب.

حين يؤمن الإنسان بقيمة ما يشارك فيه، تصبح المسافة أهون، ويصبح التعب جزءًا من الطريق، وتتحول المشقة نفسها إلى ذكرى يعتز بها.

ثم تأمل المشهد في تفاصيله الصغيرة؛ فالعظمة أحيانًا تختبئ في التفاصيل:

رائحة البخور، أغصان الريحان، الأطفال بملامحهم البريئة، الأسر التي اجتمعت، أصوات الصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الوجوه القادمة من أماكن بعيدة، والقلوب التي التقت في لحظة واحدة رغم اختلاف أعمار أصحابها وظروفهم.

قد تبدو هذه التفاصيل عابرة لمن ينظر إلى المشهد من بعيد، لكنها في وجدان من عاشها ليست عابرة أبدًا، فالذاكرة لا تحفظ الأرقام.. إنها تحفظ المشاعر.

الطفل قد لا يتذكر حجم الساحة، لكنه سيتذكر يد والده وهي تمسك بيده وسط الزحام.

والأم قد لا تتذكر عدد الحاضرين، لكنها ستتذكر اللحظة التي وقفت فيها بين الناس، والريحان في يدها، وقلبها ممتلئ بالمحبة، والشيخ لن يحكي لأحفاده عن الأرقام، بقدر ما سيحكي لهم عن الطريق الذي قطعه، وعن المشقة التي تحملها، وعن اليوم الذي قال فيه لجسده المتعب: سأذهب.

وهنا تتجاوز المناسبة حدود المكان والزمان.

يتحول التجمع إلى ذاكرة، والمشهد إلى قصة، واللحظة إلى أثر، ومن ميدان السبعين إلى مختلف الساحات في المحافظات والمديريات، اختلفت الوجوه والطرق والتفاصيل، لكن بقي خيط واحد يجمع المشهد كله: محبة رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

محبة ظهرت في حضور الناس، وفي شوقهم، وفي اجتماع الأسر والأطفال والشيوخ والشباب حول معنى واحد، وهذه هي القيمة الأعمق للمشهد؛ أن المحبة حين تكون حقيقية لا تبقى مجرد كلمة تُقال، بل تتحول إلى حضور وشعور وذاكرة، ثم تمتد إلى الأخلاق والسلوك والرحمة والأمانة وحسن التعامل والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فالحدث المحمدي الكبير ليس مجرد حشود تُرى في الساحات، إنه مشهد إنساني واسع تُكتب تفاصيله في ذاكرة جيل كامل، وقد تنتهي الساعات، وتخلو الساحات، وتعود الطرق إلى هدوئها.

لكن ما بقي في القلوب من مشاعر، وما حمله الأطفال من صور، وما سترويه الأسر لأبنائها، هو الجزء الذي لا ينتهي، فبعض الأحداث تنتهي عندما يغادر الناس المكان،

أما الأحداث التي تصنع الذاكرة، فتبدأ حكايتها بعد أن يغادر الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى