
أرامكو تحت النار والممرات البحرية مقفلة: الردع اليمني يفرض واقعاً جديداً
تقرير.| يحيى الربيعي
في تحول استراتيجي غير مسبوق، تشهد المنطقة إعادة تشكيل جوهرية لموازين القوى الإقليمية، حيث انتقلت العمليات العسكرية اليمنية من ردود أفعال تكتيكية دفاعية إلى استراتيجية هجومية محكمة المسار، تهدف إلى إحداث شلل تام في شرايين الطاقة والاقتصاد للعدو. يأتي هذا التحول في إطار تثبيت معادلات ردع جديدة تفرض “الحصار بالحصار” وتقابل “التصعيد بتصعيد” بإيلام يتصاعد، منهية بذلك الغرور السعودي.
وفي خضم معركة كسر الحصار الممتد منذ أكثر من اثني عشر عاماً، تواصل القوات المسلحة اليمنية تصعيد عملياتها بدقة منهجية، منتقلة إلى استهداف شريان الاقتصاد السعودي الأكثر حيوية وتأثيراً، ومنذ أسابيع، تتعرض السفن النفطية السعودية والمنشآت الحيوية في العمق السعودي لضربات متواصلة، في تحول استراتيجي يضع أضخم المشاريع الاقتصادية للعدو تحت طائلة النيران المباشرة.
مصفاة جيزان كهدف رئيسي للصواريخ اليمنية
مصفاة جيزان التي جعلت منها القوات المسلحة هدفا لطائراتها وصواريخها عند أي خرق للأجواء اليمنية، تكمن أهميتها الاستراتيجية في أن المصفاة صُممت لإنتاج حزمة واسعة من المنتجات النفطية عالية القيمة، في مقدمتها البنزين والديزل ذو المحتوى الكبريتي فائق الانخفاض، ومادتا البنزين والبارازيلين النظيفتان. ويرتبط الموقع بفرضة بحرية وأرصفة متخصصة لإمداد المصفاة بالنفط الخام وتصدير المنتجات المكررة، مما يجعل استهدافه المتواصل ضربة قاصمة لخطط أرامكو الهادفة إلى زيادة طاقتها التكريرية الإجمالية إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2030.
يمتد مجمع مصفاة جيزان، المملوك بالكامل لشركة “أرامكو” السعودية، على مساحة 12 كيلومتراً مربعاً في مدينة جيزان للصناعات الأساسية والتحويلية على ساحل البحر الأحمر، بطاقة تكريرية ضخمة تبلغ 400 ألف برميل يومياً، مما يجعله خامس المجمعات النفطية المملوكة بالكامل للشركة داخل حدود المملكة.
تتضاعف خسائر العدو جراء استهداف هذا المرفق بالنظر إلى تكامله الصناعي واللوجستي مع منظومة منشآت عملاقة غير مسبوقة؛ إذ توفر المصفاة اللقيم لمعمل الغاز بالدورة المتكاملة، وتغذي محطة الكهرباء اللاحقة التي توصف بأنها الأكبر من نوعها عالمياً بتقنية التغويز والدورة المركبة، حيث تنتج نحو 3.8 جيجاواط من الكهرباء.
ولا يقتصر الضرر على المصفاة وفرضتها فحسب، بل يمتد ليشمل شلل المشاريع الأساسية والمساندة التي تنفذها أرامكو لتطوير البنية التحتية للمدينة الاقتصادية، والتي تضم معقلاً متكاملاً للصناعات التحويلية، ومحطة توليد الطاقة، والميناء التجاري، ومحطة تحلية المياه، وشبكات الطرق والمياه والصرف الصحي.
وبذلك، فإن الضربات اليمنية لا تعطل فقط تلبية الطلب على المشتقات المكررة والكهرباء، بل تجرف القاعدة المتينة التي أقامتها السعودية لجذب الاستثمارات في الصناعات الثقيلة والبتروكيميائيات، محولة رهانات التنمية في الجنوب إلى مأزق أمني واقتصادي مفتوح.
ارتباك الإمدادات وشلل سلاسل التوريد العالمية
في عمق البحر الأحمر، تتواصل الفاعلية اليمنية بثبات متصاعد، ناقلة “أمزان” وقبلها ناقلة “وفاء” تعرضتا لنيران يمنية مسددة في ميناء ينبع الذي يبعد أكثر من ألف كم عن أقرب نقطية يمنية، الرياض لم تجد بداً من الاعتراف بإصابة السفينتين بالإصابة بعيدة عن إمكانية احتوائها أو التستر عليها.
وتمتد تداعيات التصعيد اليمني لتصيب سوق النفط بالارتباك والتخبط، حيث أكدت وكالة “بلومبرغ” الاقتصادية أن العديد من المصافي النفطية في شرق آسيا باتت تدرس بجدية إلغاء تحميل شحناتها المخططة من النفط السعودي، بسبب ارتفاع التكاليف الإضافية والزيادة المباشرة في أقساط التأمين البحري، فضلاً عن تعاظم المخاطر اللوجستية المحيطة بالطرق البحرية الموصلة إلى الموانئ السعودية.
وفي الاتجاه ذاته، رسم مركز المعلومات البحرية المشتركة صورة قاتمة لواقع الملاحة البحرية للعدو، بعد أن صنف مستوى التهديد في منطقة باب المندب وجنوب البحر الأحمر عند درجة “كبير”، مؤكداً أن فرص وقوع ضربات متتالية تستهدف المنشآت والسفن السعودية تشكل احتمالاً قوياً ومستقراً.
وكشفت صحيفة “سول إيكونوميك ديلي” الكورية الجنوبية عن حالة الشلل والتراجع القياسي في حركة الشحن التجاري، جراء تجنب شركات الملاحة العالمية للموانئ السعودية ومساراتها البحرية، عقب إعادة تقييم شاملة للمخاطر وتصاعد أقساط التأمين البحري بشكل ملحوظ.
وأوضحت الصحيفة أن هناك ارتفاعاً قياسياً في عدد البلاغات الرسمية الصادرة عن شركات التصدير والاستيراد الدولية بشأن تعذر وصول البضائع والشحنات الموجهة إلى الموانئ السعودية. ونقل التقرير عن مسؤولين في شركات شحن عالمية وجود تردد وإحجام واضح لدى الناقلات البحرية، مشيرين إلى صعوبة إرسال السفن أو إدخالها إلى السعودية في الوقت الراهن.
وتتجسد الفاعلية الميدانية للحصار اليمني في شهادات كبار الصناعيين والمصدرين في الأسواق الآسيوية؛ إذ صرح رئيس إحدى شركات التصدير في مدينة إنتشون الكورية بأن العثور على سفينة شحن واحدة متجهة إلى الموانئ السعودية أصبح “أمراً شبه مستحيل”.
تهاوي المظلة الأمريكية وفشل التحالفات
كشفت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية عن مأزق الاستراتيجية الأمنية للعدو وحلفائه في المنطقة، مؤكدة أن التحالف البحري الجديد الذي سعت السعودية لتشكيله ولد فاشلاً، إذ لا يمتلك القدرة على منع القوات المسلحة اليمنية من تعطيل ملاحتها عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وأوضحت القراءة التحليلية للمجلة أن المساعي السعودية، وإن كانت عاجزة ميدانياً عن حماية السفن، إلا أنها تشكل مؤشراً بالغ الأهمية على انكسار الاعتماد الخليجي الكامل على واشنطن وسقوط وهم الحماية الأمريكية أمام نجاعة الضربات والخيارات العسكرية اليمنية المتصاعدة.
ورصدت المجلة الأمريكية خلفيات الارتباك السعودي، مشيرة إلى أن التقارير حول التحالف البحري المستحدث ظهرت أواخر يوليو، قبل أن تؤكد الرياض رسمياً في 30 يوليو مساعيها لإنشائه، وذلك في أعقاب الإعلان اليمني الصارم في 21 يوليو بفرض حصار محكم على الملاحة السعودية في البحر الأحمر.
وسلط التقرير الضوء على التحول الهيكلي في القدرات العسكرية اليمنية التي تطورت بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ممكّنة اليمنيين من استهداف المنشآت النفطية والحيوية في عمق السعودية والإمارات، وصولاً إلى توسيع نطاق العمليات ليشمل كيان الاحتلال الإسرائيلي والملاحة البحرية في البحر الأحمر.
وتناولت المجلة إخفاق الحملات العسكرية الأمريكية، ولا سيما العمليات العسكرية العدوانية التي نفذتها إدارة ترامب بين مارس ومايو 2025م، مؤكدة أنها فشلت تماماً في الحد من القدرات اليمنية، بينما تسببت في مقتل وإصابة المئات من المدنيين.
وربط التحليل بين إنشاء التحالف البحري السعودي والتحالف العسكري الثلاثي الذي جمع الرياض بتركيا وباكستان، مستقرئاً فيهما تحولاً عميقاً في نظرة دول المنطقة إلى منظومة الأمن الأمريكية الراسخة منذ عقود، وبيّنت المجلة أن هذه المنظومة قامت تاريخياً على مقايضة الضمانات الأمنية الأمريكية باتفاقات تفضيلية في قطاع الطاقة، غير أن الصراع الإقليمي المتصاعد دفع قادة المنطقة إلى قناعة مفادها أن الدول الإقليمية هي الأقدر على إدارة أمنها بنفسها.
التحول الاستراتيجي ومضاعفة الكلفة
لقد أثبت التصعيد اليمني فاعلية استراتيجية قاطعة في ضرب العصب الاقتصادي للعدو، محولاً صادراته النفطية إلى عنصر طارد للأسواق الآسيوية بدلاً من أن تكون مصدراً لتمويل عدوانه وحصاره على اليمن، وتعكس الضربات العسكرية المتتالية وحجم ما تلحقه من خسائر عميقة تهاوي السردية العسكرية للعدو وتخبطه الميداني والسياسي.
في سياق هذا التحول الهيكلي في العقيدة العسكرية، أكد وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن يوسف حسن المداني في التهنئة المقدمة للسيد القائد بذكرى المولد النبوي، الانتقال الفعلي من الحالة الدفاعية إلى الهجوم الاستباقي، فمن اليوم لن ننتظر حتى يمد إلينا العدو يده، بل سنسبقه بالضربات الموجعة، وسنطارد تحشيداتهم في معاقلهم ومستقراتهم بصواريخنا الباليستية وطائراتنا المسيرة، التي أصبحت بفضل الله تصل إلى عمق أعماقهم، وأن حصارهم الجائر سيقابل بحصار مضاعف، وكلما ضيقوا علينا الخناق، وسعنا من خياراتنا العسكرية، وطورنا قدراتنا النوعية، مستعينين في ذلك بالله ومتوكلين عليه.
وأوضحا أن الأوامر صدرت لجميع قواتنا بالجهوزية التامة، والاستعداد الدائم للرد على أي حماقة يرتكبها العدو بصواريخنا الفرط صوتية ومسيراتنا الانقضاضية، المسددة بتسديد الله والمكللة ببأسه، والتي لا تترك للعدو مجالاً للنجاة، ولن يكون اليمن بعد اليوم ساحة سهلة للمتآمرين، بل ناراً مشتعلة تلتهم كل من تسول له نفسه المساس بأرضنا وعرضنا.
المعادلات الثلاث وقواعد الاشتباك الجديدة
في مسار ردع متصاعد أمام استمرار تخبط النظام السعودي ومحاولاته فرض المماطلة، كان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة العميد يحيى سريع قد أكد أن خيارات الردع اليمنية أصبحت هي المتحكمة حصراً في مسار الأحداث وفرض قواعد الاشتباك. مؤكداً أن القوات المسلحة باتت تفرض ثلاث معادلات صلبة لا مناورة فيها: الحصار بالحصار، وضرب التحشيدات أينما كانت، وحماية السيادة اليمنية من أي اختراق.
وتظهر الأرقام الميدانية حجم الفاعلية والسيطرة المطلقة للعمليات البحرية اليمنية؛ حيث تمكنت القوات المسلحة منذ 20 يوليو من استهداف تسع سفن نفطية سعودية توزعت بين البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي. ولم تتوقف آثار الضربات عند الاستهداف المباشر، بل امتدت لتشمل منع عشرات السفن النفطية السعودية من العبور وإجبارها على التراجع مما أدى إلى شلل خطوط نقل النفط السعودي وتعطيل إمداداته نحو الأسواق العالمية.
خاتمة
تؤكد المعطيات الميدانية أن قواعد اللعبة العسكرية والإقليمية قد أُعيد رسمها بالكامل لصالح اليمن، وأن زمن الاستفراد باليمن وفرض الحصار عليه دون كلفة قد انتهى بلا رجعة، وإن استمرار النظام السعودي في نهج المماطلة والرهان على عامل الوقت لن يجلب له سوى مزيد من الانكشاف الاقتصادي والتآكل العسكري.
إن القوات المسلحة اليمنية جاهزة لتفعيل خيارات ردع أشد إيلاماً تعصف بما تبقى من استقراره النفطي والتنموي، ما لم يسارع إلى تنفيذ التزامات السلام الكاملة وتلبية المطالب المشروعة للشعب اليمني، فطريق السلام الوحيد المتاح يتمثل في رفع الحصار الكلي، وتنفيذ بنود خارطة الطريق، وإنهاء الاحتلال ورحيله، وترك الثروات السيادية لليمنيين.
إن ما تشهده المنطقة اليوم هو إعادة صياغة جوهرية لمعادلات القوة والنفوذ، عنوانها الأبرز أن إرادة الشعوب الحرة، عندما تقترن بإيمان عميق وقوة عسكرية رادعة، قادرة على فرض واقع جديد لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.
