
نصف عام من الاستنزاف الأمريكي وحصاد “اليأس” الاستراتيجي
تقرير | يحيى الشامي
بعد مرور مائتي يوم على قرع طبول الحرب والعدوان على إيران، تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها اليوم غارقة في وحل من الأزمات المتتابعة والتي كلما حاولت الهروب منها غرقت فيها أكثر، فطهران لم تكن “لقمة سائغة” كما روّجت دوائر المحافظين الجدد في واشنطن، فقد تحولت الجغرافيا الإيرانية ببحارها ومضائقها إلى ثقب أسود يبتلع الميزانيات، والذخائر، والأساطيل، والأهم من ذلك أنه يبتلع ما تبقى من “سطوة الردع” الأمريكية.
اليوم، ومع دخول العدوان شهره السابع، يبدو أن واشنطن الترامبية تُصارع أوهام القوة التي بنيت على مدار عقود أكثر مما هي في اشتباك عسكري مع إيران.
الحقيقة التي أخمدت “البروباغندا”
استمرت الإدارة الأمريكية في عملية ضخ كبيرة ومتواصلة عبر ماكينتها الإعلامية تعتمد على سردية “السيطرة” و”تأمين الملاحة”، وعلى غير المتوقع أمريكياً جاءت الصدمة من أعلى سلطة بحرية في العالم في مقابلة مدوية مع “سي بي إس”، حيث دحض ……الاسم……. الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية (IMO) الادعاءات الأمريكية جملة وتفصيلاً، فالحقيقة المرة التي كشفها المسؤول الدولي جاءت صادمة وبلا مواربة، فـ”مضيق هرمز ليس مفتوحاً، وواشنطن لا تملك القدرة على فرض عبور الشحنات”.
يتحدث الواقع الميداني عن كارثة لوجستية وإنسانية تسببت بها الويات المتحدة وتتحمل كافة تبعاتها الأخلاقية والقانونية؛ فنحو 6 آلاف بحار على متن 400 سفينة ما زالوا عالقين في عنق الزجاجة وفق تصريحات الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، فيما أصبحت سلاسل الإمداد الحيوية في حالة “شلل رعاش” امتدت ارتداداته إلى كل ركن من أركان الكوكب، وبهذا يكون الأمر قد تعدى حالة “اضطراب” إلى “انقطاع عصب” أدى إلى انخفاض حركة الملاحة من 130 سفينة يومياً إلى 15 سفينة فقط في أغسطس، ما حول المضيق إلى منطقة “محظورة” استراتيجياً بقرار سيادي إيراني.
الانقسام الداخلي: “أكاذيب ترامب الصارخة”
الفشل الميداني فجّر بركاناً من الغضب تحت قبة “الكابيتول”، ففي أحدث التراشقات وتبادل التهم جدّد تشاك شومر (زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ) هجومه، حيث لم يتردد -في أحدث ظهور له- في وصف تصريحات إدارة ترامب بـ “الأكاذيب الصارخة”. شومر -الذي يراقب تآكل شعبيته وشعبية حزبه مع كل “غالون” بنزين يرتفع سعره- أكد بمراره: “لقد أشعل ترامب حرباً تسببت في زعزعة الاستقرار العالمي وارتفاع صاروخي في أسعار الوقود، والواقع يقول إن إيران تحتجز المضيق رهينة منذ ستة أشهر، بينما يبيعنا البيت الأبيض أوهام النصر”.
“المفارقة الفاشلة”، كما وصفتها مجلة “فورين أفيرز”، كشفت أن سياسة “الضغط الأقصى” التي سُوّقت كأداة اتفاق نووي جديد، تحولت إلى “غاية يائسة” لا هدف لها سوى التدمير الرمزي، حيث تجاوزت التصنيفات العقابية 3000 تصنيف، لكنها بقيت بلا أنياب أمام صمود الجغرافيا الإيرانية.
رقصة اليأس الأخيرة
وفي محاولة لمداراة العجز العسكري، أطلقت واشنطن ما أسمته “عملية المنبوذ الاقتصادي”، لكن الصحافة الغربية كانت بالمرصاد لهذا “التخبط”، مجلة “ذا نيو ريببليك” رأت أن الإدارة تدفع بوزير الخزانة للتحدث بلغة خشنة فقط لأنها “نفدت منها الخيارات”، بينما أكد موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت” بحزم: “بإمكان أميركا النفخ والزمجرة، لكن شيئاً لن يكسر إيران”.
الخبراء في “المجلس الأطلسي” ذهبوا إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن الفجوة بين الخطاب والفعل اتسعت لدرجة أن “النباح بات أقوى بكثير من العضة”، وعدتها بمثابة إشارة يأس واضحة؛ فواشنطن تعود لسلاح العقوبات الذي استهلكته لسنوات، بعد أن أخفقت القوة العسكرية في تحقيق “النصر السريع” الواهم الذي وعد به الجنرالات.
من هرمز إلى “تامبا”
ميدانياً، تحولت “حرب الاستنزاف” إلى نزيف بشري وعسكري لا تستطيع الميزانية الأمريكية تحمله. الأرقام الرسمية الصادرة عن “البنتاغون” تتحدث عن 774 قتيلاً وجريحاً، وهو ثمن باهظ لمغامرة غير محسوبة، ولم يكن سلاح الجو أوفر حظاً، إذ سقطت 45 طائرة مسيرة من طراز “إم كيو-9 ريبر”، التي تعد درة التاج التكنولوجي الأمريكي، بضربات إيرانية حولتها إلى حطام يشهد على تفوق الدفاعات المحلية.
الرمزية الأشد إيلاماً للهيبة الأمريكية تمثلت في “الهروب الاستراتيجي” للأسطول الخامس، بعد إذ تأكد بفعل الضربات الإيرانية القوية أن المنامة لم تعد مكاناً آمناً، فصدرت الأوامر بنقل المقر إلى مدينة “تامبا” بولاية فلوريدا، وهو تحول استراتيجي لناحية الوجود الأمريكي في المنطقة. كما أن هذا الانسحاب الجغرافي يعكس حقيقة أن القواعد الأمريكية باتت “بطاً عاجزاً” أمام الصواريخ الدقيقة. وعلى ظهر حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” يعيش البحارة حالة من الإرهاق النفسي والبدني في انتشار هو الأطول منذ حرب فيتنام، ما يشي بانهيار الروح المعنوية للقوات المنتشرة.
الحلفاء يدفعون الثمن
التداعيات لم تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، فقد فجرت صحيفة “واشنطن بوست” مفاجأة من العيار الثقيل؛ الاستهلاك الهائل للذخائر في الحرب ضد إيران أثار ذعراً في عواصم آسيا، الحلفاء في تايوان واليابان تلقوا “تحذيرات” من البنتاغون باحتمال تأخر شحنات صواريخ “باتريوت” و”توماهوك” لأن المخزونات الأمريكية استُنزفت في سماء المنطقة. أكثر من 30 سفينة حربية جرى تحويل مسارها من المحيط الهادئ لخدمة طموحات ترامب في إيران، ما جعل قيادة منطقة المحيطين الهندي والهادئ في حالة استياء عارم، محذرين من أن “ردع بكين” بات في خطر بسبب “المستنقع الإيراني”. واشنطن اليوم تضحي بأمنها القومي الاستراتيجي في آسيا من أجل حرب خاسرة في مضيق هرمز.
الاستراتيجية الإيرانية الصمود المنتج
على الجانب الآخر من الضفة، تتبنّى طهران استراتيجية “الدبلوماسية والدفاع المتكاملين”. بيان الحكومة الإيرانية كان واعداً وواضحاً: “سنقف بحزم ضد العقوبات، وسنركز على كبح التضخم ودعم الإنتاج المحلي والحد من الاعتماد على الدولار”.
الصمود الإيراني يستند في جوهره إلى رؤية قيادية واضحة مدعومة رسمياً ومسنودة شعبياً؛ حيث ثمن مجلس الوزراء الإيراني الثقة التي أولاها قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، للحكومة برئاسة مسعود بزشكيان، معتبرين هذه الثقة هي “الرصيد الأكبر” لمواجهة مؤامرات “الاستكبار الأمريكي الصهيوني”، ما يعني أن طهران اليوم تدير المعركة بهدوء يستند الى قوة مفاتيحه التي بيده ومن بينها الجغرافيا، تاركة لواشنطن التخبط في ميزانياتها التي بلغت 1.15 تريليون دولار للحرب، دون أن تطلق رصاصة واحدة تفتح المضيق المغلق.
نهاية عصر “القطب الواحد”
بعد ستة أشهر، تخلص التقارير الغربية وتقديرات الخبراء إلى نتيجة واحدة، أن حرب ترامب أوصلت الاستراتيجية الأمريكية إلى طريق مسدود، فالسياسة التي كانت “مستدامة” طالما لم تكلف الأمريكيين شيئاً، انهارت حين قفز سعر غالون البنزين إلى 4 دولارات، وحين عادت التوابيت المغطاة بالعلم الأمريكي.
وفي مراجعة شاملة لنهج فاشل استمر 47 عاماً، واشنطن اليوم لا تواجه إيران فحسب، بقدر ما هي تواجه نهاية قدرتها على فرض إرادتها عبر البحار، وهي التآكل الذي بدأ من البحر الأحمر في الاشتباك التاريخي الكبير مع القوات المسلحة اليمنية. اليوم لا توجد سفن أمريكية “تؤمن الملاحة” بقدر ماهي أساطيل منهكة، عليها قوات منهارة نفسياً كما تجلى في الحاملة أبراهام لينكولن، وقادة يهربون نحو فلوريدا، وعالم يدرك -يوماً بعد يوم- أن “اللكمة الأمريكية باتت أخف بكثير من صراخها الضاري”.
