
نهاية عصر المواثيق.. كيف أسقطت “العربدة” الأمريكية وسلطات الاحتلال آخر حصون القانون الدولي؟
تقرير
تتصدر المشهد الدولي الراهن حالة من التحلل الممنهج للقوانين والمواثيق التي توافقت عليها البشرية عقب الحرب العالمية الثانية، حيث تشير القراءات التحليلية للسلوك السياسي الأمريكي في عهد دونالد ترامب إلى عملية “نسف” شاملة لكل ما بنته الحضارة الإنسانية على مدى ثمانين عاماً لحفظ السلم والأمن الدوليين، وهو ما يتجلى بوضوح في التجاوز الصريح لاتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية، فضلاً عن ميثاق الأمم المتحدة الذي صِيغ أصلاً لمنع التورط في الحروب والحد من أضرارها، غير أن رغبة الهيمنة لدى الإدارة الأمريكية جعلت من هذه المبادئ مجرد نصوص شكلية تفتقر للوجود الفعلي أمام نزعة التفرد بالقرار.
ويمتد هذا الانحدار ليصل إلى تجاوز الرئيس الأمريكي للدستور الخاص ببلاده ذاته، فبينما تفرض الأنظمة الديمقراطية والبرلمانية الرصينة حول العالم، كما هو المشاهد في التجربة اللبنانية أو المنظومات الأوروبية، ضرورة الحصول على موافقة أغلبية الثلثين لاتخاذ قرارات الحرب والسلم المصيرية، تنفرد السلطة في واشنطن بصناعة العدوان على دول ذات سيادة كاملة خارج إطار حالة الدفاع عن النفس، وبمعزل تام عن الإرادة الشعبية أو الأغلبية البرلمانية الحقيقية، ما يعزز القناعة بأن الديمقراطية الأمريكية باتت مفاهيم مفرغة من محتواها، وتسيطر عليها “الدولة العميقة” المتمثلة في تحالف أباطرة رأس المال وقوة العسكر كمحرك أساسي يوجه قرارات الرئيس ويصيغ تحركاته الميدانية.
وقد أدى هذا التحالف العسكري-المالي إلى تحويل مؤسسة الرئاسة الأمريكية إلى أداة لشن الاعتداءات وخرق السيادات الوطنية، حيث تُرتكب الجرائم مكتملة الأركان أولاً ثم تُصاغ لها المبررات اللاحقة كغطاء سياسي، في مخالفة جسيمة للأعراف السابقة التي كانت تقتضي تقديم المسوغات للشعوب والبرلمانات قبل الإقدام على أي تغيير سياسي أو عسكري جذري، وهو النهج الذي بلغ ذروته في استخدام الدبلوماسية كأداة “للخداع والغدر”، في ممارسة تتجاوز في سوئها ما كان معهوداً حتى في العصور الوسطى؛ إذ كانت الأعراف التاريخية تقدس الوساطة وتحترم البعثات الدبلوماسية، بينما أقدمت الإدارة الأمريكية بالتنسيق الوثيق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ عمليات غدر غاشمة في خضم مسارات تفاوضية كانت توحي للعالم بإمكانية الوصول إلى حلول سلمية.
إن هذا السلوك المتجذر في عقلية الإدارة الأمريكية لا يمثل اعتداءً على دول بعينها فحسب، بل يشكل تهديداً وجودياً للمفاهيم الإنسانية وقواعد التعامل الدولي المترسخة، مما يضع المجتمع الدولي وجهاً لوجه أمام الثنائي الأكثر خطورة على الأمن والسلم في التاريخ الحديث، كونهما يستبدلان لغة القانون والعهد بمنطق الغابة والغدر الممنهج، ويحولان الدبلوماسية من وسيلة لبناء السلام إلى فخ لنصب المكائد وتصفية الخصوم، وهو ما يفرض على شعوب المنطقة والعالم ضرورة مراجعة الرهانات على المنظومة الدولية الحالية التي باتت أسيرة لهذه السياسات الاستعمارية المتطرفة.
دبلوماسية الأكاذيب وارتهان البيت الأبيض
في مشهدٍ يعكس الانحدار الأخلاقي والقانوني الذي وصلت إليه الإدارة الأمريكية، باتت العاصمة واشنطن تُدار بعقليةٍ تتجاهل القانون الدولي وحقوق الإنسان، واضعةً استقرار العالم في كفة وأكاذيب الرئيس دونالد ترامب في كفة أخرى، ضمن سياسةٍ تقوم على التضليل الممنهج الذي لم يعد ينطلي على أحد، لا سيما مع انكشاف الزيف الميداني في أعقاب الجرائم البشعة التي ترتكبها آلة الحرب الأمريكية والكيان الإسرائيلي في المنطقة.
وتتجلى بشاعة هذه “العربدة” السياسية في الجريمة النكراء التي استهدفت مدرسة للبنات في مدينة “ميناب” الإيرانية، حيث سارعت الماكينة الإعلامية بتوجيه من البيت الأبيض لنشر رواية مضللة تزعم استهداف إيران لشعبها، إلا أن هذه الادعاءات تحطمت أمام الحقائق الميدانية التي أوردتها كبريات الصحف الأمريكية ذاتها، مؤكدةً أن الصواريخ التي مزقت أجساد الأطفال هي صواريخ أمريكية الصنع والمنشأ، ما وضع ترامب في مأزق أخلاقي جديد أمام الرأي العام العالمي.
ولم يكن هذا السلوك غريباً على إدارة يبرز فيها اسم دونالد ترامب كظاهرة استثنائية فيما وصفته المؤسسات الصحفية العالمية بـ “تسونامي اللاحقيقة”، إذ تشير قاعدة بيانات صحيفة “واشنطن بوست” إلى تسجيله رقماً قياسياً تجاوز 30 ألف تصريح كاذب ومضلل خلال 827 يوماً فقط، بمعدل يصل إلى 57 كذبة يومياً، وهو ما ينسحب بالضرورة على تبعية القرار السياسي الأمريكي لإملاءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تقود المنطقة نحو حرب إبادة جماعية بتواطؤ مباشر من واشنطن.
ويأتي هذا الارتهان المطلق لسياسات الكيان الإسرائيلي مدفوعاً بملفات “ابتزاز” تتعلق بفضائح “إبستين” وتورط رموز في الإدارة الأمريكية في قضايا لا أخلاقية، ما جعل القرار الأمريكي أسيراً لرغبات الاحتلال في تصفية القضية الفلسطينية وحرق غزة وأهلها في خيامهم، في وقت سقطت فيه الأقنعة عن المنظمات الدولية التي أثبتت الوقائع أنها مجرد أدوات استعمارية تستخدمها أمريكا لنهب مقدرات الشعوب، وتحويل “القانون الدولي” إلى حبر على ورق يشرعن حصار غزة المستمر منذ 17 عاماً ويبرر تجويع الملايين.
وأمام هذا الواقع المرير الذي أصبحت فيه واشنطن وسلطات الاحتلال تشكلان الخطر الأكبر على الأمن والسلم العالمي، تبرز حقيقة واحدة مفادها أن الشعوب الحرة لم يعد أمامها إلا الاعتماد على الذات وامتلاك أدوات الردع الكفيلة بحماية السيادة، بعد أن أثبت الصمود في اليمن وفلسطين وإيران أن الهيمنة الأمريكية ليست قدراً محتوماً، وأن زمن الرهان على المؤسسات الدولية التي تديرها واشنطن قد انتهى إلى غير رجعة.
صلاحيات اتخاذ قرار الحرب والسلم
وفي السياق ذاته، تتصاعد حدة النقاشات القانونية والسياسية داخل أروقة صنع القرار في الولايات المتحدة وخارجها حول شرعية التحركات العسكرية الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث يبرز التساؤل الجوهري حول حدود صلاحيات اتخاذ قرار الحرب والسلم في ظل التجاذبات المحمومة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ يشير الواقع القانوني -استناداً إلى القانون الفيدرالي المرتبط بالباب 50 وتحديداً المواد من 1541 إلى 1548- إلى أن صلاحيات إعلان الحرب لا تنفرد بها رئاسة الجمهورية، بل تظل مقيدة دستورياً بموافقة الكونغرس باعتباره الجهة المخولة حصرياً بإقرار الدخول في النزاعات المسلحة.
وتمتد هذه القيود لتشمل ما نص عليه البند الثامن من الدستور الأمريكي، الذي يمنح الكونغرس حزمة من الصلاحيات السيادية تشمل إعلان حالة الحرب رسمياً وتفويض الرئيس بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بالإضافة إلى مهام حشد القوات وتوفير الدعم لسلاح البحرية ووضع القواعد المنظمة لإدارة القوات البرية، وهي محددات دستورية لم تمنع الإدارات المتعاقبة من محاولة الالتفاف عليها، خاصة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي منحت واشنطن هوامش أوسع لاستخدام القوة في ظروف استثنائية، رغم أن قانون “صلاحيات الحرب” يفرض التزامات صارمة تلزم الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، مع وضع سقف زمني لبقاء القوات في العمليات القتالية لا يتجاوز 60 يوماً دون تفويض تشريعي، تليها مهلة إضافية مدتها 30 يوماً لضمان انسحاب آمن.
وتُمثل هذه الأطر التشريعية، التي وُضعت أساساً لمنع انزلاق واشنطن في صراعات استنزافية طويلة بعيداً عن الرقابة، جوهر الصدام الحالي في ظل استحضار شواهد تاريخية عكست تجاوز هذه الأطر في محطات عدوانية سابقة امتدت لسنوات، بدءاً من فيتنام وصولاً إلى غزو العراق عام 2003، والتحركات العسكرية العدوانية ضد اليمن بين عامي 2024 و2025، وصولاً إلى المشهد الراهن المتمثل في العدوان على إيران عام 2026، وهو ما يعزز القناعة بأن الإدارة الأمريكية تضرب عرض الحائط بالقوانين الداخلية والدولية على حد سواء لخدمة أجندتها الاستعمارية.
وفي سياق المحاولات التشريعية المتعثرة لفرملة هذا التوجه التصعيدي، شهدت الأيام الماضية انقساماً حاداً داخل الكونغرس، حيث فشل مجلس النواب في تمرير مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب العسكرية تجاه طهران، إذ كان المشروع يسعى لفرض الحصول على تفويض مسبق قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية جديدة، إلا أن نتيجة التصويت جاءت مخيبة لآمال المعارضين برفض 219 عضواً للقرار مقابل تأييد 212 عضواً، مما يمنح الإدارة الأمريكية ضوءاً أخضر للاستمرار في نهجها العسكري وتكريس سياساتها العدوانية في المنطقة، مستغلة حالة العجز التشريعي عن كبح جماح السلطة التنفيذية التي باتت تتحرك بذهنية “العصابة” العابرة للقوانين والحدود.
كسر المحرمات السيادية وتكريس نهج استعماري جديد
تتجاوز ارتدادات الفشل التشريعي في تقييد صلاحيات الحرب داخل الكونغرس الأمريكي مجرد الجدل القانوني، لتلقي بظلال قاتمة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وسط مخاوف من تكريس نهج استعماري جديد يعيد صياغة المنطقة بالقوة العسكرية. فبحسب تقارير ميدانية وتحليلات سياسية رصدت تداعيات العدوان الذي بدأ في 28 فبراير 2026، فإن الإصرار الأمريكي على تجاوز التفويض التشريعي قد فتح الباب أمام سيناريوهات كارثية تتجاوز الحدود الجغرافية لإيران.
شكلت الموجة الأولى من الهجمات المشتركة بين الولايات المتحدة وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي أُطلق عليها أمريكياً اسم “عملية الغضب الملحمي”، تحولاً خطيراً في قواعد الاشتباك؛ حيث وثقت المصادر، ومنها “موسوعة بريتانيكا” وتقارير “معهد دراسة الحرب” (ISW)، تنفيذ ضربات استهدفت رأس الهرم القيادي في الجمهورية الإسلامية، ما أدى إلى استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين.
هذا الاستهداف المباشر للرموز السيادية يعكس توجهاً معلناً نحو “تغيير النظام”، وهو ما أكدته تصريحات الرئيس دونالد ترامب في تسجيل مصور حث فيه الداخل الإيراني على التحرك، في خطوة فضحها خبراء قانونيون دوليون بوصفها انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة (وفقاً لمنظمة العفو الدولية وتقرير البرلمان البريطاني الصادر في مارس 2026).
لم تقتصر التداعيات على الداخل الإيراني، بل امتدت لتشمل المنطقة برمتها؛ حيث رصدت التقارير الإخبارية (أسوشيتد برس ووكالة رويترز) ردود فعل دفاعية إيرانية استهدفت القواعد الأمريكية ومنشآت حيوية في دول الجوار التي تستضيف هذه القوات؛ ففي البحرين، تعرضت مرافق تابعة للأسطول الخامس الأمريكي لضربات صاروخية، وفي الإمارات، سُجلت انفجارات وتضرر مناطق بالقرب من “نخلة جميرا” وميناء جبل علي. أما في العراق وقطر والكويت، فقد استُهدفت منشآت عسكرية أمريكية، ما حول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تهدد استقرار حلفاء واشنطن قبل أعدائها.
وأدى العدوان إلى شلل شبه تام في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية. وبحسب تقرير “معهد السياسات الخارجية” (CFR) في مارس 2026، تسببت العمليات العسكرية في غرق عدد من القطع البحرية الإيرانية وتضرر ناقلات نفط، الأمر الذي أدى إلى قفزة جنونية في أسعار الطاقة وتكاليف التأمين البحري، مهدداً سلاسل الإمداد العالمية بانهيار وشيك.
هذا الفشل في كبح جماح الإدارة الأمريكية يمنح “شيكاً على بياض” لاستمرار العمليات العسكرية التي يقدر خبراء تكاليفها بنحو مليار دولار يومياً، مما يكرس حالة من الفوضى الممنهجة تخدم الأجندات الاستعمارية للكيان الإسرائيلي وحليفته واشنطن، على حساب دماء شعوب المنطقة وأمنها القومي.
موجات الرفض الشعبي والدولي
في المقابل، تتصاعد موجات الرفض الشعبي والدولي للتحركات العسكرية الأمريكية، حيث يواجه البيت الأبيض عزلة دبلوماسية غير مسبوقة تذكر بحقبة معارضة غزو العراق عام 2003، ولكن بزخم أكبر تقوده القوى الصاعدة والشارع العالمي. فبحسب تقارير “مركز الخليج للأبحاث” (GRC) ونشرات “معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI) الصادرة في مطلع مارس 2026، فإن اتساع رقعة العدوان قد ولد استقطاباً حاداً وضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع القواعد القانونية الدولية.
وتشير البيانات الصادرة عن “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” إلى خروج مظاهرات مليونية في أكثر من 150 مدينة حول العالم، شملت عواصم أوروبية مثل لندن وبرلين وباريس، طالبت بوقف فوري للعمليات العسكرية والتنديد بسياسة “تغيير الأنظمة” بالقوة. وفي الداخل الأمريكي، رصدت استطلاعات الرأي التي أجراها “مركز بيو للأبحاث” (Pew Research Center) في 6 مارس 2026 انقساماً شعبياً حاداً، حيث أبدى 58% من الأمريكيين تخوفهم من تورط بلادهم في “حرب أبدية” جديدة تستنزف الموارد الاقتصادية في ظل أزمة تضخم عالمية ناتجة عن اضطراب أسواق الطاقة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، وثقت محاضر اجتماعات مجلس الأمن الدولي (UNSC) فشل الولايات المتحدة في الحصول على غطاء شرعي لعملياتها، حيث استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار أمريكي يبرر الهجمات، بينما قدمت “مجموعة البريكس” (BRICS) بياناً موحداً يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية مضادة على واشنطن وسلطات الاحتلال الإسرائيلي رداً على انتهاك سيادة إيران. هذا التكتل الدبلوماسي أدى، وفقاً لتحليل “صحيفة الغارديان” (The Guardian) الصادر في 8 مارس 2026، إلى تقويض نظام “القطبية الواحدة” وتسريع وتيرة التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب يرفض الهيمنة الاستعمارية الغربية.
هذا الزخم الرافض يعكس وعياً دولياً متنامياً بألاعيب السياسات الاستعمارية، حيث باتت الشعوب والحكومات تدرك أن استقرار المنطقة يكمن في إنهاء الاحتلال ووقف التدخلات العدوانية، وليس في تأجيج الصراعات التي لا تخدم سوى مصالح الكيان الإسرائيلي ومجمع الصناعات العسكرية في واشنطن.
صادر عن موقع يمني برس




