لن تحترقَ صنعاءُ مهما قصفتم

عبد الرحمن مراد

 

منذ أكثر من سبعة أعوام وصنعاء تقصف هل في الأمر جديد؟ لا جديد في الأمر.

 

لقد اعتاد أهل اليمن القصفَ وأزيزَ الطائرات، واعتادوا الصواريخ وحركة التدمير التي تقوم بها مملكة الشر في بلادهم، وهم على نسق واحد لا يتغير منهم أحد ينشدون المدى بصوت واحد:

 

“ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السِّلة والذلة، وهيهاتَ منا الذلةُ.. يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون”.

 

يدرك أهل اليمن أن صوت الحرية يمتد من كربلاء في زمنها إلى كربلاء في زمنهم، فالحرية والكرامة نسق واحد لا يمكنه أن يتجزأ مهما حاول المبطلون والمجرمون في كُـلّ حقب التاريخ تجزئته إلا أنه يظل شامخاً لا تخمد جذوته ولا تطفأ ناره.

 

أيها الأدعياء أبناء الأدعياء.. ماذا أبقيتم في صنعاء؟!

 

دمّـرتم جسورها، هدمتم مبانيها، أحرقتم مصانعها، طمستم تاريخها وحضارتها، قتلتم أبناءها، يتمتم أطفالها، ورملتم نساءها، وأجعتم شعبها؛ بسَببِ حصاركم، كُـلّ ذلك حدث في صنعاء منذ أعوام سبعة فما الذي خرجتم به؟

 

لم يصب صنعاء من كُـلّ ذلك إلا أذى، وقد رأيتم بأسَها وصمودها فيما مضى ولعل ما سوف يأتي أشدُّ وأنكى، فقد خارت قواكم، وتشتت جمعكم -أيها الأشرار– ودب الضعف والهوان في جسد التحالف، وأصبحت الرياضُ أقربَ لأهل اليمن من صنعاء، وتكسرت المرايا المقعرة التي كانت تنقل الأشياء والصور على غير حقيقتها، وكانت ترسم مملكة الشر خيالاً لا يشير إلى حقيقة حتى كشف العدوان عن جوهر الأشياء وحقيقتها في الواقع فكانت المفاجأة أن تتهشم المرايا لتنقل الصورة الحقيقية للأشياء كما هي في واقعها لا كما كانت في الخيال.

 

فاليوم يعلمُ الناسُ يقيناً ماذا تعني مملكة الشر، ويعلمون من هو قرن الشيطان الذي ورد النص عليه في الأثر وقد حاول عميان الوهَّـابية تأويل النص وحرفه لكن يأبى الله إلا أن يكشف جوهر الأشياء ولو كره المجرمون، ولو كره الفاسقون المارقون.

 

الجسور والمباني قد نعيد بناءَها في ظرف ساعات أَو أَيَّـام، فالتكنولوجيا قد جعلت من الصعب سهلاً وحوّلت المستحيل إلى ممكن، لكن التكنولوجيا لم تخترع إلى الآن آلة أَو عقاراً يعيد للإنسان قيمته وكرامته وعزته وحريته وسيادته واستقلاله ولذلك قد نفرط في الممكن، أما الكرامة فهي من الأشياء التي لا يمكن تعويضها ولذلك من المستحيل التفريط فيها، فالسلة أهون من الذلة، قد تتبدل الأشياء لكننا لم نجد للكرامة وعزة النفس بديلاً.

 

مرت أعوام سبعة وقد تمر أمثالها وأمثالها لا ضير في الأمر، قد يستمر القصف إلى مدى بعيد، قد تدمّـر مقومات الحياة في اليمن، قد يحدث كُـلّ متخيل وفق معطيات التفوق المادي للأشياء، لكن ثمة قوةً خفية قد تقلب الموازين وتحدث خللاً في مقاييس البشر، قد تتغير المعادلة وفق سنن الله في كونه، قد نرى المستضعفين غداً في قصور اليمامة يحكمون نجداً وما جاورها، وقد نرى رجالَ الله في الحجاز يخدمون حجاجَ بيت الله الحرام، وقد نرى مخلاف عسير يحتضن صنعاء شاكياً لها ألم الفراق التي طالت إلى مئة عام أَو تزيد.

 

كل ذلك قد يحدث، وقد لا يحدث لكن اليقين المطلق أن عاقبة الظلم وخيمة، ولذلك ليس ببعيد أن يحدث ما يجعل مملكة الشر شتاتاً وشظايا تتناثر على جغرافيا العالم، ويجعل من اليمن قوة إقليمية ذات شأن عظيم، فالحرب تعيد ترتيب الأنساق حتى تصبح الحياة أكثر تناغماً مع مقاصد الله في أرضه.

 

لذلك أصبحنا اليوم نؤمن إيماناً مطلقاً أن صنعاء لن تحترق مهما قصفتم، ولكنها تعيد ترتيب أشيائها وتعد نفسها لقادم يريده الله من خلال المسيرة القرآنية والمشروع القرآني وهو المشروع الذي كان خاتمة الرسالات السماوية وبه ومن خلاله سوف نرى غداً مختلفاً عما سلف ومتسقاً مع مقاصد الله وشرائعه.

 

انتظروا غداً فَـإنَّ غداً لناظره لقريب.

مقالات ذات صلة