هل يشهر المرتزق إفلاسه ؟

عمران نت/ 26 / ديسمبر 2018م

بقلم /  هاشم أحمد شرف الدين

لا نجانب الصواب أو نأتي بشيء غريب حين نقول إن الارتزاق بات نشاطا تجاريا تنافسيا لدى البعض، ولا نبالغ حين نقول أيضا إن البعض يعمل ضمن شركات ارتزاق منظمة فيما يعمل آخرون بشكل فردي مستقل. ووفقا لهذا ولحسابات السوق فإن هذه التجارة تشهد فترات ازدهار وفترات كساد تبعا للمتغيرات، لكن السمة المشتركة لكافة أنواع الارتزاق أن الخسارة هي المآل الحتمي الأخير لهذا النوع من النشاط..هذه المقالة تلقي الضوء على المرتزقة وإفلاسهم الحتمي في نهاية المطاف.

يلمس من يطالع تعريفات الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الموقعة عام 1949م بأنها قد قصرت مصطلح “المرتزقة” على أنهم “جنود مستأجرون ليحاربوا من أجل دولة أخرى غير دولهم، لتلبية مصالحهم الخاصة بهم بعيدا عن المصالح السياسية أو الإنسانية أو الأخلاقية”. ويتضح من التعريفات أنها قد قصرت أيضا مجال عمل المرتزقة بالأعمال العسكرية والأمنية تحديدا، ويتضح أيضا أنه لم يجر أي تحديث لمفهوم “المرتزقة”، رغم توسع نطاق عملهم في العقود الثلاثة الأخيرة، بالعمل عبر السياسة والإعلام والعلاقات العامة. فمثلما نشأت شركات أمنية وعسكرية لتوظيف مرتزقة أمنيين وعسكريين فقد نشأت شركات سياسية وإعلامية لتشغيل مرتزقة سياسيين وإعلاميين، يتقاضون رواتب عالية مقابل خدمة الطرف الذي يدفع المال، فيما يعمل البعض منهم منفردا كتاجر مستقل.

في اليمن يمكن اعتبار العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي وحلفائهم، وما صاحبه من شيوع حالات متنوعة من الارتزاق نموذجا قابلا ليقدم كمثال واضح بسيط على ذلك لطلبة الجامعات، خاصة كليات السياسة والقانون والإعلام. فعلى صعيد الارتزاق السياسي والإعلامي أيدت شركات سياسية “أحزاب”، وأيد تجار “سياسيون وإعلاميون” العدوان على وطنهم وشعبهم، وبرروا له جرائمه الوحشية، وقدموا له الذرائع ليستمر في ارتكابها، بما يماثل ما ارتكبه المرتزقة العسكريون والأمنيون من جرائم في أعمال عسكرية وأمنية لانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب المجازر والجرائم مباشرة على الميدان. وكما هو التنافس في النشاط التجاري أمر مشروع، يتنافس المرتزقة في مجالهم – غير المشروع ابتداء – على تقديم خدمات أكبر لإثبات الجدارة بالعمل، ولهذا عادة ما يبدو المرتزقة السياسيون والإعلاميون في حالات الحروب أكثر وحشية وعدوانا من الطرف المعتدي نفسه، فينادون باستئصال الطرف المستهدف وتصفيته ونفيه من الوجود، ويسعرون الحرب باستمرار، ويستخدمون ذهنياتهم لاعتراض أي مساع لوقف الحرب وإحلال السلام، وهذا أعلى سقف لهم، لا يجدون بعده مناصا من التدحرج نحو الإفلاس. يعرف علم الاقتصاد الإفلاس بأنه إعلان الشركة أنها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها أمام الدائنين، وحينها تقوم الشركة بتصفية كل أملاكها وحساباتها البنكية لتسدد أكبر قدر ممكن من هذه الالتزامات ثم تخرج من سوق العمل، والإفلاس أيضا هو اضطراب في أحوال التاجر المالية والعملية، حيث لا يكون قادراً على الوفاء بالتزاماته المالية أو العملية ويتوقف عن سداد ديونه. لكن وعلى العكس من أن الشركات التي كانت ناجحة ثم فشلت، تعلن عن فشلها بشفافية وشجاعة، وببيان واضح يسمى إشهار إفلاس، فإن شركات الارتزاق أو المرتزقة الفرديين لا يشهرون إفلاسهم، بل يمارسون التحايل على الممول، إذ يبدأ المرتزقة سرقة أفكار بعضهم البعض، أو الاقتراض منها، ويصبحون مستنسخين وآلات تردد الاسطوانات المشروخة ذاتها. وبخلاف المرتزق العسكري فإن المرتزق السياسي أو الإعلامي يمكنه إدراك أن أوان الاستغناء عنه قد حان، لكونه صار مفلسا لم يعد لديه ما يروجه أو يبيعه، لهذا يستميت في هذه المرحلة طامعا في أن يبقي الممول على خدماته، فيفقد حينها دهاءه وحنكته، ويضع جانبا مكره وفطنته، ويرمي بجميع الأوراق التي يمكنه رميها من أجل ذلك أيا كان مستواها أو قيمتها، فيصبح حاله وحال المرتزق المبتدئ أو الذي تحت التدريب سواء، يصبح كلامه سطحيا جدا ومبتذلا، يفقد تركيزه فيناقض نفسه بنفسه، لدرجة أن يظن البعض معها أنه عميل مزودج يخدم الطرف الآخر الذي يعمل في الأساس ضده، ويزداد اضطرابه حين يقل تواصل الممول به، أو حين يتناقص عدد المعجبين بمنشوراته في وسائل التواصل الاجتماعي، فيدخل في بدايات هيستيرية مصحوبة بهذيان كتابي يعتمد على النشر لمجرد النشر، إثباتا للتواجد والحضور في السوق، ولهذا يمكن بسهولة تمييز أي مرتزق سياسي أو إعلامي يدخل مرحلة الإفلاس، وذلك حين تكون كتاباته شخصنة للمواضيع، وكيلا للشتائم والألفاظ النابية. وكما أن المرتزق العسكري قد ينتهي بالموت برصاصة أو قذيفة، فإن المرتزق السياسي أو الإعلامي – أشهر إفلاسه أم لم يشهر – ينتهي بموت من نوع آخر، يمكن وصفه بالموت المعنوي، بانتهاء فترة صلاحيته، واستغناء مموله عنه، واستبداله بآخر. ولنا بنظرة سريعة لحال مرتزقة العدوان بالأمس واليوم عبرة، بين من شغلوا واستبدلوا، وبين من ظهروا واختفوا، وبين من قالوا ثم ناقضوا أنفسهم، وبين من قدموا أنفسهم عميقي الفهم بعيدي النظرة فإذا بهم شتامو العصر موبؤو العنصرية، وعلى شفا ذلك النوع من الموت.

مقالات ذات صلة