نصر التمكين ومعية الله

شاهر أحمد عمير

إن تتبع مسار الأحداث الكبرى والمنعطفات التاريخية الفاصلة في عمر الأمم يكشف حقيقةً سننية لا تكذب، وهي أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بموازين المادة البحتة، ولا يخضع لمنطق التفوق العددي أو التقني فحسب، بل هو ثمرة امتزاج الإرادة الواعية بالمدد الإلهي، واستشعار تام لحالة الافتقار المطلق إلى الخالق جل وعلا.

وحين استجابت الأمة لله ورسوله، ورجعت إلى توليها لآل البيت عليهم السلام، واستجابت لما يحييها، وآمنت بفريضة الجهاد في سبيل الله كما آمنت ببقية الفرائض؛ الصلاة والصوم والزكاة والحج إن استطعنا إليه سبيلًا، وحين انطلقنا مجاهدين في سبيل الله، وتولينا أعلام الهدى وقائد الثورة السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي، يحفظه الله، رغم قلة العتاد والعدة، ووثقنا بنصر الله وتأييده لنا كما وعدنا سبحانه في محكم كتابه؛ تحولت أسلحتنا البسيطة والمتواضعة إلى شيء كبير وعظيم يخشاه الأعداء، وأصبحت ضرباتنا قوية ومؤلمة للعدو، وكل هذا وأكثر بفضل الله وعونه لنا، لا بقدرتنا، حتى بات الصديق قبل العدو يحسب لنا ألف حساب.

لقد جعل الله عذاب أعدائه وخزيهم في الدنيا على أيدينا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾.

ليس هذا وحسب، بل يقول جل وعلا: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، فعندما يرون قوتنا وشدة بأسنا في القتال، يذهب غيظ قلوبهم عنا خوفًا ورهبةً منا.

وعند احتدام المعركة وبداية القتال، يأتي التدخل الإلهي من الله سريعًا بتسديد رميتنا، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾. فالله هو من قتل، وهو من رمى، وهو من سدد، وهو من أوهن وأضعف كيد الأعداء عن الصد والرد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.

وحين احتشد المرتزقة والخونة والمغرر بهم والمخدوعون إلى معسكرات التجنيد، وأتوا حاشرين بخيلهم ورجلهم وبكل أسلحتهم وقوتهم؛ ظنًّا منهم أنهم سيستطيعون هزيمتنا، وتمكين السعودي ومن خلفه الأمريكي والصهيوني من احتلال هذا البلد ونهب ثرواته والسيطرة عليه، لم يدركوا حقيقة قول الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وحصل لهم ما لم يكونوا يحتسبون، كما قال سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل؛ رأوا فوقهم سربًا من الطيران المسيّر ودفعات كبيرة من الصواريخ الباليستية تفجرت وسقطت عليهم، فأردتهم بين قتيل وجريح، فقتل معهم مشروعهم، ودُفنت أطماعهم، وأُحرقت مخازن أسلحتهم، وجعل الله كيدهم بهذا البلد وأهله في تضليل.

وقد تجسد هذا المدد الإلهي الساطع جليًّا في الملاحم البطولية التي سطرتها قواتنا المسلحة الباسلة في جبهات الساحل الغربي، حيث لقنت قوى العدوان السعودي والأمريكي ومرتزقتهم دروسًا قاسية لا تُنسى، فتكسرت تلك القوى على صخرة صمود مجاهدينا الأبطال وتبخرت كل رهانات الخنوع والاستعمار، حتى بات الهوان رداءً لمن أطاع المحتل، وها هو ذا قائد ميليشيات المرتزقة يجر أذيال الخيبة والهزيمة، ويفر هاربًا إلى جهات غير معروفة، مندحِرًا أمام ضربات الحق وشدة بأس الرجال المخلصين.

وقد أرسلت القوات المسلحة بيانات تحذيرية للمخدوعين والمغرر بهم بترك معسكرات التجنيد، ونصحتهم بمغادرتها فورًا وعدم الانجرار خلف الريال السعودي، ولكنهم لم يستجيبوا للنداءات، ولم يأخذوا بالنصيحة، فحاق بهم العذاب، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.

لذا، ففي كل ضربة تؤلم العدو، وفي كل نجاح نحققه ونصر نسطّره، يجب علينا أن نرجع إلى الله أكثر، ونرد الفضل إليه، ونتجه إليه بالحمد والشكر والتسبيح والاستغفار، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وأن نحذر من الغرور والكبر اللذين يمحقان النصر ويسلبان التأييد والمعونة.د

كما يجب علينا ألا نتداول الأخبار ونستمع إلى قنوات الكذب والتضليل، وإنما إلى صوت الحقيقة وبيان القوات المسلحة، لتكون مصادرنا كلها موثوقة وآمنة في مسيرة العزة والكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى