
صناديق القتل وسقوط أدوات العدوان
مبارك حزام العسالي
من يتأمل في سلوك وخطاب أدوات العدوان السعودي المسماة بـ “مجلس القيادة” يجد أنها حكومة فنادق فاقدة للإرادة والسيادة، ولا تستطيع إصدار أيّ قرار أو تحرك دون أن يكون السعودي على علمٍ مُسبق بذلك، حتى لمجرد الانتقال داخل أروقة الفندق، وهذه طبيعة الخونة والعملاء والدمى التي بيد الغزاة.
فحين يُعاد تفكيك الخطاب الإعلامي السياسي والعسكري الصادر عن هذه الأدوات التابعة للعدو السعودي، يظهر تناقض صارخ يضع التساؤلات الجوهرية حول طبيعة الدور الذي تلعبه وموقع الشعب اليمني منها.
وبدلاً من أن يتحمل العدو السعودي مسؤوليته الأخلاقية والقانونية عن التدمير الذي أحدثه عدوانه وحصاره المستمر على اليمن على مدى عقد من الزمن، وبدلاً من تنفيذ التزامات خارطة الطريق بين صنعاء والرياض، لمعالجة آثار العدوان وتعويض خسائر اليمن واليمنيين، ذهب عبر أدواته الميدانية وكياناته المستأجرة إلى رعاية وتمرير ما أسموه “صندوق القتل” وإغلاق الطرقات الحيوية كطريق “تعز – المخا”، في تأكيد جديد على أن أولوية الرياض ومرتزقتها هي رعاية العدوان والغاشم على شعبنا واستنزاف الجغرافيا اليمنية بدلاً من معالجة آثار العدوان.
وما اتضح للجميع أن إعلان “صندوق القتل” وإغلاق طريق “تعز – المخا” يكشف واقعيًا عن خوف وحسابات حزبيّة ضيقة من قِبل “حزب الإصلاح” الذي أغلق منافذ تعز أمام النازحين والمنسحبين من مديريات الساحل والمخا خشية تدفق من أسموهم “العفافيش” والنظر إليهم كتهديد أمني لنفوذهم داخل المدينة.
وبدلاً من أن تكون تعز ملاذاً آمنًا لكل مواطن يمني -سواء النازحين من الحرب أو غيرهم-، وجد الأهالي أنفسهم أمام تهديد مباشر بالقتل عند عبور هذا الخط، ما أدى إلى تحويل الشرايين الحيوية إلى أدوات لخنق المدنيين وتقطيع أوصال البلد.
فهذا القرار القسري دفع أعدادًا كبيرة من الأسر النازحة للتوجه نحو عدن عبر الشريط الساحلي، غير أنهم سقطوا في فك كماشة أشد قسوة؛ حيث وثقت التقارير الحقوقية تعرض مئات العائلات لإهانات بالغة ومعاملة حاطة بالكرامة على نقاط التفتيش التابعة لقوات “العمالقة” و”السلفيين”؛ التي تتلقى التوجيهات من العدو السعودي نفسة، وشمل ذلك احتجاز النساء والأطفال لساعات تحت أشعة الشمس المحرقة، ونهب مقتنياتهم الشخصية ومبالغهم المالية ومصوغاتهم الذهبية، وصولاً إلى منعهم من استئجار الغرف والفنادق داخل عدن.
يرافق هذا النزوح تهويل إعلامي يحيط بتحركات صنعاء الهادفة لتحرير اليمن من دنس الاحتلال، في محاولة مكشوفة لترهيب المواطنين وإجبارهم على النزوح القسري، بينما أثبتت التجربة في مختلف المناطق المحتلة أن الخطر الحقيقي على المدنيين لا يأتي إلا من القطاعات الأمنية والعسكرية التابعة للعدوان التي تحول الطرقات إلى مصايد وشرايين قتل.
وقد أثبتت صنعاء مرارًا بتعاملها الإنساني والمسؤول مع قاطني المناطق التي تقوم بتحريرها -حتى مع خصومها وأهاليهم- التزاماً أخلاقياً يبتغي مرضاة الله، متجاوزةً كل حملات التضليل والتشويه التي يقودها الأعداء وفي مقدمتهم العدو السعودي.
وتأتي هذه التطورات الميدانية والانكشاف الأخلاقي لفصائل العدوان في وقت بقف العالم على رجل واحدة أمام العمليات العسكرية التي تخوضها صنعاء في إطار معركة تحرير البلد وانتزاع حقوق اليمنيين، وفرض معادلة السيادة الوطنية على الخريطة الإقليمية.
ويظهر هذا التباين الشاسع بين مشروع سيادي يملك زمام المبادرة ويتحدى الضغوط والتهديدات الخارجية، وبين كيانات مرتهنة استُؤجرت ووُظفت لتنفيذ مخططات الأعداء، وتحويل منافذ البلاد وطرقاتها إلى “صناديق قتل” في محاولة يائسة للضغط على الجبهة الداخلية، بعد أن أثبتت الوقائع عجز القوى الإقليمية ورعاتها الدوليين عن فرض إرادتهم أو كسر إرادة الصمود والقرار الوطني المستقل الذي تمثله صنعاء.
ويكون المواطن اليمني في المناطق المحتلة هو النازح الأعزل والضحية الحقيقية لهذه السياسات التي تنتجها قوى العمالة القابعة في العواصم الخارجية.
وتثبت الوقائع الميدانية أن كل تحرك من قبل صنعاء لفك الخناق عن المواطنين وفتح منافذ جديدة يتلقى محاولات تعطيل وسياسات حظر، من قبل أدوات العدوان السعودي، بمختلف تشكيلاتها، فتزيد من خنق المواطن هناك، والتضحية بالسيادة الوطنية ومقدرات الشعب.
ولكن -بفضل الله- القوات المسلحة اليمنية مستمرة في تثبيت معادلة الحصار بالحصار وضرب تحشيدات العدو السعودي والتصعيد بالتصعيد؛ حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن شعبنا العزيز، كما أكدت في بيانها الأخير الذي أعلنت فيه عملية “والله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً”.

