رهانات العدو السعودي تتهاوى في إخضاع اليمن

عبدالحكيم عامر

إن الحديث عن إخضاع اليمن اليوم تحوّل إلى معادلة أثبتت الوقائع فشلها، فكلما اتجهت الحسابات السعودية نحو فرض واقع سياسي وعسكري يتجاوز إرادة اليمنيين، اصطدمت بجدار من الصمود الشعبي والسياسي، وبموقف أكثر تمسكًا بمفهوم السيادة وحق اليمن في إدارة قراره ومقدراته وممراته المائية.

المسألة، في جوهرها، تعد مرتبطة بصراع أوسع حول طبيعة اليمن ودوره في محيطه الإقليمي: هل يكون اليمن ساحة مفتوحة للضغوط والوصاية، أم دولة تمتلك قرارها وتدافع عن حقوقها ومصالحها؟ هنا تحديدًا تتضح أسباب فشل الرهانات التي قامت على إمكانية كسر إرادة اليمنيين بالقوة.

لقد أثبت الصمود اليمني أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى انتصار سياسي، فالقدرة على شن المعركة شيء، والقدرة على فرض نتائجها شيء آخر، وبين الاثنين مسافة تحددها إرادة الشعب والجيش، والقيادة السياسية، وتماسك الجبهة الداخلية، والقدرة على الاستمرار، وتحويل عناصر القوة المتاحة إلى معادلة ردع وورقة سياسية مؤثرة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب قضية الممرات المائية أهمية استثنائية، فاليمن يمتلك جغرافيا بحرية فريدة، وموقعه يجعل أمن الملاحة والتجارة الدولية مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار محيطه البحري، ولذلك فإن التعامل مع اليمن باعتباره طرفًا يمكن تجاوز مصالحه أو الانتقاص من سيادته يزيد من تفاقم المشكلة.

فالاستقرار الحقيقي للملاحة لا يُبنى على فرض العدوان والحصار على الشعب اليمني، وإنما على معادلة واضحة تقوم على احترام السيادة والحقوق والمصالح المتبادلة، ومن هنا يمكن فهم إصرار صنعاء على ربط أمن الممرات البحرية بالحقوق السيادية لليمن، باعتبار أن الأمن البحري لا ينفصل عن الأمن السياسي.

وفي المقابل، فإن استمرار رهان العدو السعودي على الأدوات والمرتزقة العسكرية يزيد من تفاقم الحرب والتصعيد، فالتصعيد العسكري الذي يراهن عليه العدو السعودي لن يوصل إلى حل جذري، لأن الحل للسلام الدائم هو بمعالجة جذور العدوان، والاعتراف بحق اليمن في تقرير مستقبله بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، والاستجابة الكاملة لحقوق الشعب اليمني المشروعة في الاستقلال والسيادة.

وبعد اثني عشر عامًا من العدوان والحصار على الشعب اليمني، تبدو المعادلة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، إن السلام أقل كلفة من استمرار المواجهة، فالعدوان الذي كان يُفترض أن يحسم المعركة سريعًا ويعيد رسم المشهد اليمني وفق حسابات تحالف العدو السعودي الأمريكي، تحوّل إلى جرح مفتوح استُنزف فيه العدو، بفضل الله وصمود وثبات الشعب اليمني أمام المحتل، وأثبت أن الحل العسكري لا يستطيع إنتاج واقع يفرض الاحتلال والوصاية على الشعب اليمني.

في المقابل، يبرز السلام باعتباره الخيار الأكثر واقعية، باعتباره مدخلًا لإعادة بناء علاقة إقليمية تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل، وفتح الطريق أمام تسوية خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها مع العدو السعودي في العام 2022م.

وفي الأخير، لم يعد أمام الرياض الكثير من الخيارات: إما أن تستمر في طريق أثبتت سنوات العدوان على اليمن كلفته وفشله، أو أن تعيد تعريف علاقتها باليمن على أساس حسن الجوار والسيادة.

لقد أثبت أن اليمن بإرادة شعبه وإيمانه لن ينكسر بالقوة والعدوان والحصار، فقد جُرّبت القوة، وجُرّبت الضغوط، وجُرّبت أدوات التأثير السياسي والعسكري، وكانت النتيجة كسر وهزيمة التحالف السعودي الأمريكي ومرتزقته، وانتصار الشعب اليمني وتطور قوته العسكرية.

والرسالة الأوضح أن الاستمرار في العدوان والحصار على اليمن لن يمنح الرياض ما عجزت عن انتزاعه في اثني عشر عامًا، لأن التصعيد سيقابله اليمن بالتصعيد، والحصار بالحصار، وأن الكلفة ستزداد أكثر عليه، بينما السلام هو الطريق الأقل كلفة وأكثر استقرارًا.

لذلك فإن الخيار الأكثر عقلانية أمام العدو السعودي هو إنهاء العدوان، وفك الحصار، وتعويض الشعب اليمني بكل ما تسبب به العدوان والحصار، ووقف التدخل في الشأن اليمني، واحترام استقلال القرار اليمني، والاعتراف بسيادته الكاملة، وبناء علاقة تقوم على حسن الجوار والمصالح المتبادلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى