
ثورة 21 سبتمبر أسقطت الوصاية وتُترجم إنتصاراتها في الميدان
عبدالله علي هاشم الذارحي
مثلت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، نقطة تحوّل تاريخية كسرت مسارًا طويلًا من الوصاية الخارجية، وأعادت إلى الشعب اليمني شعوره بقدرته على امتلاك قراره والدفاع عن أرضه وكرامته.
فكان طبيعيًا أن تواجه الثورة منذ بدايتها عاصفة من المؤآمرات والضغوط والعدوان والحصار؛ لأن المعركة الحقيقية لم تكن على سلطة هنا أو حكومة هناك، وإنما على سؤال أكبر: من يملك قرار اليمن؟
وقد عبّر قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي _ يحفظه الله _ عن جوهر التحول الذي أحدثته الثورة بوضوح، حين أكد أن الحالة التي شهدها البلد بعدها كانت «حالة تحرر يقطع على الأجنبي تدخله السافر ومحاولاته لفرض أجندته في البلد»، مشيرًا إلى أن التفاعل الشعبي الواسع مع التوجه الثوري الرافض للوصاية أزعج القوى الخارجية، ودفعها بعد فشل أدواتها المحلية إلى الانتقال نحو التدخل المباشر.
وهنا تتضح أهمية قراءة ما جرى بعد 21 سبتمبر باعتباره سلسلة مترابطة؛ فحين سقطت أدوات الوصاية محليًا، لم يكن أمام القوى الخارجية إلا أن تكشف بصورة أوضح حضورها المباشر في المشهد.
ومن هنا جاء عدوان تحالف الشر على اليمن، وتوسعت أدواته، واستُخدمت الجماعات التكفيرية والمليشيات والمرتزقة كجزء من مشروع استعادة السيطرة على اليمن وإعادته إلى مربع التبعية.
ولم تكن ظاهرة القاعدة وداعش والقوى التكفيرية، كما أوضح السيد القائد في لقاء صحفي عام 2017، منفصلة عن البيئة السياسية والأمنية والإعلامية والتعليمية التي جرى توفيرها لها خلال مراحل سابقة.
بالتالي؛ فإن المناطق الواقعة تحت سيطرة القوى الخارجية تحولت لاحقًا إلى بيئات خصبة لعودة هذه التشكيلات ونموها، وبذلك تكشف الوقائع أن معركة اليمن لم تكن في جوهرها صراعًا داخليًا كما حاول إعلام العدو تقديمها، وإنما صراعًا على استقلال القرار اليمني وهويته وموقعه في المنطقة.
واليوم، وبعد اثني عشر عامًا من إنتصار الثورة، تبدو نتائج ذلك التحول أكثر وضوحًا في الميدان، فما يحدث في الساحل الغربي، وما تشهده جبهات تعز والجوف ومأرب، لا ينبغي النظر إليه كوقائع عسكرية منفصلة، إنما كجزء من مسار طويل فرضته معركة الدفاع عن القرار اليمني.
ووصول الأسرى المحررين من سجون الخونة في الساحل الغربي إلى صنعاء واستقبالهم شعبيًا، بالتزامن مع استنفار الحكومة لتطبيع الأوضاع في المديريات المحررة، يحمل دلالة تتجاوز الحدث نفسه: هناك واقع جديد يُبنى على الأرض، لا بمجرد الشعارات السياسية، وإنما بإدارة المناطق وتأمينها وإعادة الحياة والخدمات إليها.
وفي المقابل، فإن تصاعد الغارات يكشف الوجه الآخر للمشهد؛ فأمس أعلن العميد يحيى سريع شن العدو 129 غارة خلال 48 ساعة على سبع محافظات؛ فحين يعجز العدوان عن فرض إرادته سياسيًا وعسكريًا، يصبح القصف محاولة لتعطيل مسار لا يستطيع إيقافه بالوسائل الأخرى.
وفي البحر أيضًا تتأكد معادلة مختلفة؛ فعبور 73 سفينة باب المندب خلال يومين يؤكد أن اليمن لا يتعامل مع البحر باعتباره ساحة تهديد عشوائي، وإنما ضمن معادلات محددة تحكمها قواعد واضحة.
وفي المقابل؛ فإن تحذير اللواء يحيى الرزامي من أن استمرار الحصار السعودي سيقود إلى «انقلاب الطاولة عليه» يعكس جوهر المعادلة التي فرضتها سنوات الحرب: الحصار لم يعد قرارًا بلا ثمن، والعدو السعودي لم يعد قادرًا على تحديد قواعد الاشتباك منفردًا.
وهنا تبرز دلالة أخرى لثورة 21 سبتمبر؛ فالثورة التي بدأت بالتحرر من الوصاية تحولت بفعل سنوات المواجهة إلى مدرسة في بناء القدرة على الانتصار، وإلى حالة سياسية وشعبية وعسكرية جعلت اليمن طرفًا قادرًا على التأثير في حسابات المنطقة لا مجرد ساحة تتلقى قرارات الآخرين.
وهذا يلتقي بصورة مباشرة مع ما أكده سيد القول والفعل حين قال: نرى اليوم كم أننا نعيش العزة، ونجسِّد الحرية موقفًا صادقًا، وموقفًا حرًا، وموقفًا قويًا، هذه الروح الثورية، وهذا التحرك الصادق، هو الذي سيصل بنا إلى النتيجة الحتمية التي وعدنا الله بها، وهي: النصر، والله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، هو القائل: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. صدق الله العلي العظيم، وحمدًا وشكرًا لله تعالى.


