
عهد الأنصار للرسالة يتجدد في اليمن
عبدالخالق دعبوش
في زمن تُقاس فيه قوة الدول بالترسانات والتكنولوجيا، يقدّم اليمنيون عاماً بعد عام نموذجاً استثنائياً في هندسة الوجدان الروحي وعودة المسلمين إلى نبيهم الأعظم.
المشهد الذي تتسع فيه الساحات لفيضان من البشر، لا يمكن اختزاله برقم في خبر أو صورة مزدحمة تنقلها وكالات الأنباء، بل إعلان لمشهد بليغ وحدث اختزل قروناً من الشوق في يوم واحد، ليعبر فيه الملايين مسافات الجغرافيا ويلتقوا عند نقطة البدء التاريخية، حيث الأنصار هم الأنصار، والعهد هو العهد.
بعد أن تنفض الحشود المليونية في كل المحافظات وتعود إلى قراها ومدنها، يبقى السؤال المهم الذي يفرض نفسه على المراقبين، سواء كانوا محبين ومبغضين على حد سواء: لماذا حضروا؟ ومن أين تأتي كل هذه القدرة على حشد الملايين؟
إذاً نحن أمام حالة أبعد من التنظيم، وهي صلة الوجدان بالذاكرة الأولى.
المقاربة السطحية والسخيفة التي تحاول تفسيرها قوى الكفر والشر لهذا الحضور المليوني من زاوية التنظيم والتعبئة والإمكانات اللوجستية فقط، لكنها تسقط أمام حقيقة الاندفاع والحب العفوي والتحمل الشاق لقطع المسافات.
فالعلاقة التي تربط اليمني بنبيه صلوات الله عليه وعلى آله قد تجاوزت حدود الاحتفال المناسباتي، وهي الصلة الممتدة في عمق الذاكرة والوجدان التي تستدعي اللحظة الأولى لدخول الإسلام إلى اليمن، وتستحضر دور الأوس والخزرج الذين شكلوا الحاضنة الأولى للدعوة.
هذا الاحتشاد هو “استدعاء جيني” لتاريخ طويل من النصرة والمؤازرة، يرى فيه اليمني المعاصر امتداداً طبيعياً لأجداده الذين نصروا الرسول الأعظم.
لكن في قلب هذا الإرث الروحي والمشهد المتجدد، يبرز تساؤل آخر حول المحرك الفاعل لهذا الزخم الشعبي؛ وهنا أتوقف ككاتب ومعي الشارع اليمني أمام شخصية السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله.
فرغم كونه شاباً يقارب الكثيرين في السن، إلا أنه استطاع نقل مناسبة المولد النبوي إلى هذا المستوى غير المسبوق من الحضور الجماهيري المكثف والتأثير الديني والروحي.
هذا التحول لا يمكن تفسيره بالآليات السياسية التقليدية، بل يراه الجميع والمنصفون إلى “التوفيق والتسديد الإلهي” الذي يرى رأي العين ويؤكد الانتساب في الدم المتصل بدم وعروق الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله.
هذا الارتباط الدَّموي والروحي أعاد صياغة العلاقة بين القائد والجماهير، حيث تلتقي الذاكرة الأولى لأهل اليمن (الأنصار) مع حضور متجدد يقوده سليل النبوة، مما يمنح السيد القائد مكانة خاصة في نفوس الملايين.
قد تختلف المواقف السياسية للدول أو قد تتفق، لكن مشهد الملايين في الساحات اليمنية يفرض واقعاً لا يمكن تجاوزه أو إسقاطه من حسابات القراءة التحليلية للمشهد اليمني.
فالمولد النبوي في اليمن هو إجابة عملية حية على سؤال معنى الهوية الإيمانية، ومصداقاً لقول الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله حين قال: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، ليترجم من خلالها اليمنيون أن ارتباطهم بالرسول الأعظم هو المحور الروحي والديني الذي تتلاشى أمامه وعورة الجغرافيا وتحديات الحصار والحروب، ليبقى العهد هو العهد والأنصار هم الأنصار.


