الخطاب الثالث ومعادلات السيد عبدالملك الحوثي لنصرة غزة..الموقف العظيم يتكرس بالمفاجآت “الحلقة الأخيرة”

عبدالرحمن الأهنومي

خطابٌ فُصْل يعزز نصرة الشعب اليمني لغزة ويرسخ منطلقاته

 

جاء الخطاب الثالث لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، ليعزز الموقف اليمني في نصرة غزة، ويرسخ جذوره ومنطلقاته الإيمانية والأخلاقية والإنسانية، ويكرس صوابيته ومشروعيته بشكل محكم من خلال حشد الحقائق والشواهد التي أبلغ في تكريسها الخطاب حول حقيقة الحرب الإجرامية على غزة، والوحشية المفرطة التي تكشف توحش العدو الصهيوني وعدائيته الشديدة للأمة، وحشد الحقائق والشواهد التي تعري الإجرام الأمريكي والنفاق الغربي والاحتشاد غير المسبوق لتدعيم هذا الإجرام من ناحية، ومن ناحية أخرى إبراز مظلومية الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته التي تواجه خذلانا عربيا وإسلاميا غير مسبوق.

 

ومن المنطلق الإيماني، فإن موقف الشعب اليمني في نصرة غزة هو جهاد مقدس وموقف حق مشروع وصحيح وهو مسؤولية أمام الله، لأنه دفاع عن شعب عربي مسلم يتعرض للظلم والطغيان، ولأنه كذلك يأتي لمواجهة حرب يشنها أعداء الأمة الصهاينة وأدواتهم المحتشدة عن بكرة أبيها، وذلك جهاد واجب على المسلمين أجمع، كما أنه ترجمة لشعار الصرخة في وجه المستكبرين والتي رددها السيد حفظه الله في الخطاب، ليعيد التأكيد على هذا البعد القرآني في الموقف، بعد أن صرخ بها في الخطاب الثاني 14 نوفمبر، ليكرس هذا الموقف اليماني بعمقه الإيماني والقرآني وبجذوره العملية.

 

ومن المنطلق الأخلاقي والإنساني فإن موقف الشعب اليمني ينسجم جملة وتفصيلا مع كل القيم والأخلاق الإنسانية التي تؤمن بها البشرية، لأنه دفاع عن مظلومين يتعرضون لأبشع الحروب وأشدها فتكا وقتلا وإبادة، وموقف اليمن في نصرة غزة يجسد معنى التضامن الإنساني والأخلاقي بين الأمم وشعوب البشرية، وليس الموقف الأمريكي والغربي الذي يعد عارا في جبين الإنسانية وشنارا في وجهها.

 

وكرّس السيد القائد حفظه الله هذا الموقف بأنه تجسيد لأصالة الشعب اليمني وإيمانه العميق بالقضية الفلسطينية، وأكد أنه يحظى بإجماع كل الشعب اليمني ولا يعبر عن فئة أو مكون معين، بل يجسد إرادة كل الشعب اليمني، ولهذا وذاك أكد السيد القائد -حفظه الله – أن هذا الموقف لا تراجع عنه مهما كانت التهديدات الأمريكية ولن يتأثر بالأحلاف الحربية، وأن أي حماقات أمريكية ضد اليمن سيواجهها كل الشعب اليمني في كل المناطق.

 

وفي سياق مقاربته للوحشية الصهيونية اليهودية – كعقيدة متأصلة العداء الشديد ضد الأمة – قدّم جرائم الصهاينة في غزة كمفاعيل إجرامية لتلك العقيدة العدائية، وقدم الإجرام الأمريكي المتمادي في دعم ومساندة الصهاينة في حرب الإبادة على غزة في سياق تحرك اللوبي الصهيوني من خلال كل أدواته «الكيان وأمريكا والدول الغربية»، ومع ما شهدناه من موقف عربي وإسلامي سلبي ومتواطئ في بعضه، قدم الموقف اليمني العظيم والمبارك، وأوضح شموليته الحركية، ومفاعيله الميدانية في نصرة غزة حينما أشار إلى أن الإسرائيلي يصيح تحت تأثير العمليات البحرية إلى جانب الأمريكي الذي يصيح على نحو غير مسبوق.

 

وبالحديث عن مستويات الموقف اليمني وشموليته في نصرة غزة، تحدث السيد القائد حفظه الله أولا حول التحرك على المستوى الشعبي بالمظاهرات والمسيرات التي تصدرت العالم، والتي تستمر دون كلل أو ملل ولا وهن، ليتعزز ذلك بالمظاهرة الكبرى التي خرجت بميدان السبعين يوم الجمعة عقب الخطاب بيومين، والتي تصدرت العالم، قبل ذلك شهدت اليمن أكثر من 23 مظاهرة جماهيرية بعضها مليونية في صنعاء وحدها، وأضعاف ذلك في المحافظات التي تحتشد كل أسبوع، على مدى ثمانين يوما نصرة لغزة، علاوة على التحركات الشعبية بالتبرعات والتعبئة وغيرها.

 

أما على المستوى العسكري فقد تصدر في خطواته العسكرية حينما أعلن الحرب المباشرة على العدو الصهيوني وشن ضربات صاروخية وبالطائرات المسيّرة على أهداف في كيان العدو الصهيوني، وفرض حصارا بحريا مطبقا في البحر الأحمر وباب المندب على الكيان الصهيوني، وبالإضافة إلى أن هذا الموقف العسكري لم تقم به دولة عربية لنصرة غزة اليوم، فهو أيضا تحرك لم تقم به دولة عربية أو إسلامية من قبل ومنذ احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين.

 

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عمق ارتباط الشعب اليمني بفلسطين، وعلى النقلة التي أحدثها المشروع القرآني في واقعه وصولا إلى هذا المستوى من الوعي والإيمان والانطلاق العملي في سبيل الله، ووصولا إلى النقلة في الجانب العسكري والتي حققها الشعب اليمني بفضل الله ثم بالقيمة الجهادية التي كرسها المشروع القرآني، حتى وصلت إلى مستوى إعلان الحرب والحصار على العدو الصهيوني، وإلى مستوى إغلاق باب المندب والبحر الأحمر، وإلى مستوى ردع أمريكا وكل أحلاف الصهيونية، وكل ذلك ما كان ليتحقق إلا بفضل الله وبالروحية الجهادية التي يحملها الشعب اليمني، وبفضل القائد العظيم السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله.

 

وإذا كان هذا الموقف العظيم – بكل مستوياته الشعبية والعسكرية والإعلامية والسياسية أيضا – قد ذهب إلى أبعد مدى في الفعل والتحرك والعمل لنصرة غزة، فإنه يحظى بإجماع يمني كامل، بل ويحظى بإجماع عربي وإسلامي حيث باتت الجماهير العربية والإسلامية في كل العالم تهتف وتؤيد موقف الشعب اليمني وتباركه، وباتت كل الخطوات العسكرية والشعبية والسياسية تتصدر لدى هذه الشعوب والتي باتت تعتبره نموذجا يجب أن تكون عليه كل الدول العربية والإسلامية وشعوبها، وتعتبره القدوة لما يجب أن يكون عليه الجميع في مواجهة العدو الصهيوني وراعيته أمريكا وأحلافها.

 

السيد القائد في خطابه الثالث، دعا شعوب الأمة ودولها إلى مراجعة حسابها وأن تتخذ المواقف التي تجب عليها في هذه المعركة، وهذه الدعوة لم يوجهها في الخطابين السابقين، لأن الخطاب الثالث جاء بعدما تكرس موقف الشعب اليمني في نصرة غزة بمفاعيل ميدانية وازنة وحاسمة، حيث أحدث اهتزازات وتداعيات اقتصادية وعسكرية على كيان العدو الصهيوني، وكسر الغطرسة الأمريكية وقوض حالة الرهبة التي تفرضها أمريكا، وبعدما أظهر ضعف العدو الصهيوني الذي ذهب ليشكو إلى مجلس الأمن ثلاث مرات مما يتعرض له من اليمن، وهي المرة الأولى في تاريخه التي يتقدم فيها بشكاويه إلى مجلس الأمن، وبعد أن استنجد بأمريكا مرارا وتكرارا وعجزت عن فعل شيء يحميه من الموقف اليمني، وبعد أن شاهدت الشعوب العربية والإسلامية قوة الموقف اليمني ومفاعيله، وجّه السيد القائد حفظه الله دعوته لها بمراجعة الحسابات وتبني الموقف الصحيح، وقد كرس أمامها معنى الموقف الصحيح ومفاعيله وأهميته، ولم تكن دعوته مجرد دعوة لموقف صحيح لم يتعرف عليه أو على نموذج أحد!

 

ومن نافلة القول، أن الشعب اليمني اليوم بات رقماً صعباً أمام الأعداء بكل أحلافهم، وبات يقدم النموذج العملي لقوة الإسلام كدين عزة وكرامة وسيادة وليس دين استسلام وخنوع، كما قدمه المدعون من الجماعات التي سمت نفسها بالإسلامية وقدمت مواقف ضعيفة وخانعة ومهزومة، وفي هذه الهجمة الشرسة والحاسمة التي تتعرض لها غزة وفلسطين وتحتشد فيها أمريكا والغرب والصهاينة بشكل غير مسبوق، وحينما انتكس الجميع وخنعوا وتواطأوا «عربا ومسلمين»، ظهر اليمن وقائده – حفظه الله – بهذا الموقف العظيم والمبارك والفاعل والقوي والمؤثر والكاسر للهيمنة الأمريكية ولقواعد الجغرافيا ولكل المعادلات التي اعتقدها الناس، واقع أذعنوا له واستسلموا واعتبروه من الحقائق المُسلّم بها، وهذا الفضل من الله يعمق صوابية المشروع القرآني، ويجعل الناس جميعا أمام شعب وجيش ودولة كنموذج صنعتها ثقافة القرآن الكريم، وأمام قيادة عظيمة لم تصنعها برامج الانتخابات ولا الجيوش العسكرية ولا الأحزاب، بل صنعتها برامج القرآن الكريم والارتباط الوثيق بكتاب الله، ومؤهلاتها قرآنية إيمانية يمكن أن تعود إليها الأمة لتنتصر وتستعيد سيادتها.

 

وأخيرا..لم يقم السيد القائد حفظه الله بإغلاق البحر الأحمر وباب المندب طيلة العدوان على اليمن رغم ما كان فيه من جرائم وحصار وتجويع، لكنه ذهب إلى إغلاق البحر الأحمر وباب المندب نصرة لغزة وفلسطين، واستخدم أخطر وأكبر المعادلات، وهو أمر يشير إلى عمق الإيمان بالقضية الفلسطينية، وعمق إيمانه بالواجب والمسؤولية في نصرة فلسطين، ولهذا الموقف سند شعبي بإجماع يماني كامل، ولهذا الموقف ثمرته وآثاره المباركة، إن شاء الله..والله غالب على أمره.

 

 

مقالات ذات صلة