كيف حافظ اليمنيون على علاقتهم بأعظم قائد عرفته البشرية.. وما هي رسائل الاحتفاء بذكرى مولده؟

منصور البكالي

يتحضر الشعب اليمني لاستقبال ذكرى مولد النبي الأكرم سيدنا محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، قبل المناسبة بشهرين، حيث تتزين القلوب والألسن قبل الجوامع والشوارع والمنازل والحارات والأحياء والقرى والجبال ووسائل النقل والمدارس والمؤسسات العامة والخاصة، بالمزيد من الذكر والصلاة والسلام على خير خلق الله أحمد.

وتعلق الأضواء والأقمشة الخضراء السندسية، ويتبادل الأهالي الزيارات ويقيمون الحفلات، ويقدمون الهدايا والحلويات، ومآدب الطعام المشتركة والعصائر وتبادل التهاني، وتفقد أحوال الفقراء والجيران والمحتاجين، وتقام عشرات آلاف الأمسيات والفعاليات والندوات الخطابية والإنشادية والفرائحية، وتتزين أرض اليمن وسمائها ليلها ونهارها بالفرحة البهيجة الكبرى التي لا مثيل لها مدى أيام العام كاملة، بمشاعر الأجداد الأوس والخزرج الأوائل المعبرة عن الحب والتفاعل الصادق الذي ينطلق بكل رغبة لإحياء المناسبة.

وفي ذكرى موعد مولد النور المبين، يخرج الشعب اليمني بالملايين إلى مختلف الساحات بكبارهم وصغارهم ونسائهم ورجالهم وجرحاهم ومرضاهم، وتكاد المنازل والمحال التجارية أن تكون مغلقة فارغة من سكانها، إلا من أقعده العذر، أو لم تسعفه اللحظة للفوز بشرف الحضور والمشاركة، وهذا ما ندر.

وبقدر ما لهذه المناسبة الدينية العظيمة من مكانة خاصة في قلوب شعبنا اليمني يتوارثها الأبناء عن الأجداد والآباء كابراً عن كابر، منذ دخول شعبنا اليمني في دين الله أفواجاً، فلها رسائل ودلالات سياسية وعسكرية ودينية وثقافية تدركها الشعوب الإسلامية التي تشارك شعبنا هذه الفرحة، وإن كانت بطقوس وأساليب تختلف من شعب إلى آخر ومن دولة إلى أخرى، لكنها تجتمع في تجديد التولي والبيعة لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتذكر بننعمة الله وفضله عليهم أن بعث فيهم (رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).

ولكن حين غابت الأمة عن نبيها ورسولها بفعل الهيمنة الصهيوأمريكية على المنطقة، ومجيئها بحكومات وحكام يمثلون أجندتها ومخططاتها التي كان حرف الأمة عن المسار النبوي الصحيح على رأس قائمة اهتماماتها، حيث غُيِّب في المناهج الدراسية والفعاليات والمناسبات الدينية، وحاولت تشويه صورة هذه الاحتفالات عبر تيار وهابي صنعته الاستخبارات البريطانية ونشرته في الشعوب، وكلفته وصف تلك المظاهر الفرائحية بالبدعة وغيرها من هذه التلفيقات الكاذبة.

فكان المتغير الذي أخرج الشعب اليمني من هذه الحالة السائدة في المنطقة، وكيف حافظ على هذه المناسبة هو بفضل الله عليه بأن رفض الشعب اليمني الفكر التكفيري في الكثير من المناطق والمحافظات التي ظلت متمسكة بهويتها وقيمها وتعظيم رسولها والاحتفاء بذكرى مولده، إضافة إلى إحياء المشروع القرآني على يد الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- وجاء من بعده أخوه السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -حفظه الله- الذي قاد ثورة 21 سبتمبر في 2014م، لتتسع بعدها مظاهر الفرح والابتهاج بذكرى مولد الرسول الأعظم سيدنا وشغاف قلوبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وزادت معها مظاهر الزينة في مختلف المحافظات والمناطق الحرة، وتحول هذا اليوم إلى يوم تاريخي غير مسبوق ولا مثيل له فوق الأرض للاحتفاء بصاحب هذه الذكرى العظيمة.

وتزامنت هذه المتغيرات مع تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية أثبت أمامها شعبنا اليمني مدى حبّه وارتباطه وتمسكه بالله ورسوله وكتابه في مواجهة المخاطر، ولمس ثمار ذلك في الميدان العملي وهو يُعتدى عليه ويُحاصر ويُجوع ويُقتل من قبل أكثر من 17 دولة، فكان لهذه المناسبة ولهذا الارتباط ثماره الواقعية المنعكسة في صموده وثباته وإيمانه وثقته بنصر الله والتزامه الحرفي بتنفيذ توجيهات الرسالة المحمدية التي بعثه الله بها رحمة للعالمين.

ومن عام إلى آخر تتعاظم مظاهر الاحتفاء اليمني وتتجدد ملامح عشقه الأصيل لمحبوبه محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى باتت ترعب الخصوم والأعداء، وتجسد الهوية الإيمانية العميقة والارتباط الروحي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتتجدد معها التذكرة للعالم بالرسالة المحمدية وأخلاق النبي وسلوكه.

وفي السياق، أكد السيد القائد أن حضور الشعب اليمني يعكس حبه لرسول الله في يوم مولده، ويعتبر إحياء هذه المناسبة تعبيراً عن التقدير لنعمة الله ورحمته، كما أشار إلى أن الاحتفال يمثل عمق الوعي والإيمان والولاء للنبي محمد، ويشكل رسالة قوية موجهة للكيان الصهيوني وحلفائه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته أحياء في قلوب أوس وخزرج اليوم، وقادمون لإخراج اليهود من جزيرة العرب، ونشر دين الله وتقديم رحمته للعالمين، وإنقاذ المجتمع البشري من بطش الماسونية الصهيونية الرأسمالية الإمبريالية الشيطانية المتوحشة في هذا العالم.

ومن الرسائل في هذه المناسبة الحاشدة، يؤكد اليمنيون أهمية لحمتهم الداخلية وتوحيد صفوفهم وقلوبهم في حب محمد، ومضيهم في بناء وطن للجميع، ويعتبرون أن توفر المشروع القرآني الواضح والصحيح ووجود القائد العلم من آل البيت -عليهم السلام- والرؤية القرآنية في ميدان المواجهة، نعمة من الله بها عليهم وميزهم وخصهم بها من بقية الشعوب، تلزمهم التحرك وتقديم النموذج الحي للرسالة الإلهية على الأرض، وتقيم عليهم الحجة بأن لا يتخلفوا عن أسسهم ومبادئهم في نصرة حفيد رسول الله والجهاد في سبيل الله تحت رايته، كما كانت مبادئ شعبهم وأجدادهم في نصرتهم للرسول والرسالة قبل 14 قرناً.

وأمام هذه الحالة الاستثنائية التي ينعم بها الشعب اليمني من بين شعوب الأمة، يتساءل البعض عن دلالات الخروج المليوني وكيف ستفهمه القوى المعادية مثل “أمريكا وإسرائيل والسعودية”؟ وفي هذا السياق، أشار السيد القائد في أحد خطاباته عن الذكرى إلى أهمية تاريخ المولد النبوي، مستعرضاً أحداثاً مثل حادثة أصحاب الفيل، ودور الرسول في تحقيق الحرية من خلال اتباع رسالته والتمسك بالقرآن الكريم الذي تحرك به “صلى الله عليه وآله وسلم” لتغيير المفاهيم السلبية وإعادة الاعتبار للإنسان موضحاً مكانته وحقوقه.

وفي ظل ما تعيشه الأمة اليوم من جاهلية وانحراف وبعد خطير عن مصادر الهداية ومن تكالب دول الكفر عليها، يظل التمسك بالقرآن الكريم ورسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعلام الهدى من آل البيت -عليهم السلام- هو المرجعية الأساسية للشعب اليمني ولكل شعوب الأمة.

ويعتبر الشعب اليمني أن الحشود المليونية والاحتفال بهذه المناسبة تعبير طبيعي عن حبهم لله ورسوله، وفرصة لغرس القيم الإسلامية في نفوس الأجيال والشعوب العربية والإسلامية، حيث وجه الشعب اليمني رسائل متعددة تجدد العهد بالالتزام بكتاب الله، والتحرك بحركة القرآن الكريم التي تحرك بها رسول الله اهتداءً واقتداءً وتعظيماً وتوقيراً لنيل تأييد الله ونصرة وليكونوا من أولياء الله، وليستحقوا نصر الله وعونه وهم في ميدان المواجهة للأعداء.

 

كما هي رسالة أخرى للعالم الإسلامي وللأعداء تقول بالفم الملآن إن شعب القرآن قد عرف الطريق ومصادر الانتصار، مؤكدة أن رسالة تلك الحشود تدل على إعلان التولي لرسول الله بعد التولي لله تبارك وتعالى، والتولي لعلم الهدى حفيده سيدي ومولاي عبد الملك بدرالدين الحوثي -حفظه الله- واستفتاءً شعبياً للجهاد تحت رايته والتسليم المطلق له.

 

كما هي مصداق لقول رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-: “إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن”، وقوله: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، ودليل على تنامي الوعي القرآني وأن شعبنا هو معدن الإيمان الحقيقي الذي جاء به المصطفى، ومنه تُنقذ الأمة ويُعاد كتابة التاريخ، بعد أن استعاد الشعب اليمني علاقته بالله ورسوله والقرآن الكريم في وقت تعزز الحكومات العربية العميلـة الارتباط والتبعية لأعداء الإسلام اليهود الصهاينة والأمريكان والتطبيع معهم.

 

وبأن الخروج المشرف والمليوني يدل على ثبات الشعب اليمني في تمسكه بقضايا أمته الكبرى، وأن التمسك أكثر بالنبي محمد هو تعبير صريح عن رفض كل أشكال تشويه الإسلام من التعدي على قدسية رسالة رسول الله والقرآن الكريم، وإدانة الإساءات المتكررة له، وأن يقدموا النموذج الرائع والراقي والقوي عن الرسول والرسالة، وأن كل محاولات الأعداء في ثني الشعب اليمني وحرفه عن مبادئه وأخلابه وقيمه الإيمانية التي شهد له بها النبي “صلى الله عليه وآله وسلم” قد فشلت جميعها على اختلاف أشكالها العسكرية والدينية والثقافية والسياسية، وأن الإيمان والحكمة في اليمن راسخان مجدداً، ولا تزيد اليمنيين إلا ثباتاً أكثر على دينهم ومبادئهم.

 

والخروج المليوني منذ أكثر من عقد هو أكبر استفتاء على أن الشعب اليمني الذي خرج بهذه الحشود الهائلة متمسك بكتاب الله ورسوله وبالقضية المركزية فلسطين ونصرة المستضعفين في كل أصقاع العالم، وأن الوعي الشعبي في حالة ثورة مستمرة ضد أعداء الله ورسوله.

 

كما هي رسالة لكل العالم وشعوب الأمة العربية والإسلامية بأن الشعب اليمني يعرف معنى الاصطفاف خلف الرسول الأعظم وإعلاء ذكره واللجوء إلى الله ورسوله في كل الأحوال، ناهيك عن الحاجة الملحة إليه في مثل هذه الظروف والأوضاع التي تمر بها البلاد والأمة جمعاء، ويمثل استجلاباً لكل عناصر القوة في ميدان المواجهة مع الأعداء.

 

وتتنوع الرسائل الكثيرة التي يصدرها اليمنيون في ذكرى المولد الشريف إلى العالم، يفهمها العدو جيداً، وبموجبها يعيد تقييم ومراجعة سياساته تجاه اليمن ومقدسات الأمة، وأن الشعب الذي لن يفرط بهويته الدينية والإيمانية ولا بأرضه وسيادته واستقلاله، وهو على استعداد أن يقدم كل التضحيات وأغلاها في سبيل ذلك، يمضي إلى النصر بثقة عالية بالله ووعده، ومعرفة واسعة راسخة بسننه وآياته.

 

وأمام هذه الحشود، يدرك الأعداء الأمريكي والإسرائيلي ومن خلفهم السعودي الأرعن أن فشل خططهم ومؤامراتهم التي حاولت منذ 2004م استهداف المشروع القرآني والنيل من الشعب اليمني والرسالة المحمدية باءت بالفشل الذريع، حيث لم تؤثر الحروب المتتالية والغارات والحصار على عزم ووهج وإرادة شعب الإيمان والحكمة، وزادته ثباتاً ويقيناً في ميدان المواجهة، وحددت بوصلته صوب أئمة الكفر وإعداد العدة لمواجهتهم من منطلق التسليم لتوجيهات الله ورسوله، فأثمرت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وجيشاً يمنياً مدرباً ومؤهلاً بثقافة القرآن ، ومتسلحاً بسلاح الإيمان والحديد ، وحب الشهادة في سبيل الله، وذو خبرة ميدانية تزيد عن عقدين.

 

وهي صفعة للمنافقين والأنظمة العربية والإسلامية العميلـة تقول لهم: ها هو شعب الإيمان والحكمة المتمسك بكتاب الله القرآن الكريم وبنبيه وقائده سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأعلام الهدى من آل البيت -عليهم السلام- يزداد من يوم إلى آخر ومن عام إلى آخر قوة إلى قوة، ويهزم الأعداء في البر والبحر والجو، وماضٍ نحو معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، ولن تنتظر شعوبكم ما أنتم عليه إلى ما لا نهاية، وأنه لا بد من مراجعة الحسابات أو الانتظار للطوفان حتى يجرف عروشكم، كما جرف عروش الطواغيت العملاء في اليمن من قبلكم.

فهذه جزء من رسائل شعب يعشق نبي الله سيدنا محمد “صلى الله عليه وعلى آله وسلم” ويأتمر بأمره وينقاد لتوجيهاته، ويسمعه ويعظمه ويتولاه، ويوقره، ويفرح ويَبتهج بقدوم مولده، وينشغل بذكره ومناجاته في كل وقت وحين، ويحيي رسالته السماوية في نشر قيم الرحمة والعدل بين عباد الله، ومواجهة أعداء الله بقوة وبأس، والعاقبة للمتقين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى