
حين يُحرَق القرآن.. أين الأمة؟!
وفاء الكبسي
ليس أعظم على قلب المؤمن من أن يرى كتاب الله، ذلك النور الذي أخرج الله به البشرية من الظلمات إلى النور، يُهان علنًا، ويُستهدف جهارًا نهارًا، ثم لا يرتجُّ لذلك ضمير، ولا تنتفض له أمة، ولا يتحرك لأجله عالم يزعم الانتماء إلى هذا القرآن العظيم.
لقد بلغ طغيان أعداء الله مبلغًا ظنوا معه أن الأمة قد مات حسُّها، وخمدت غيرتها، واستكانت حتى صارت لا ترى في إحراق المصحف الشريف إلا خبرًا عابرًا يمر كما تمر سائر الأخبار؛ فلا دمعة تُذرف، ولا وقفة تُسجَّل، ولا غضبة تُعلن أن في هذه الأمة بقيةً من حياة.
وما كان العدو ليتمادى هذا التمادي، حتى بلغ به الإجرام أن يمد يده الآثمة إلى القرآن الكريم حرقًا وتدنيسًا واستهزاءً، إلا لأنه رأى صمتًا طويلًا، وسكونًا مخزيًا، وسباتًا عميقًا قد غطّى قلوب كثير من المسلمين؛ حتى أصبح الاستهداف يتكرر مرة بعد أخرى، بينما تقف الأمة وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن القرآن الذي يُحرق ليس كتابها، وكأن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ليس نبيها، وكأن الأقصى الذي يُدنَّس ليس أولى قبلتيها وثالث حرمين من حرماتها.
إن السكوت على الإساءة للمقدسات ليس حيادًا، بل خذلان ظاهر، وتفريط خطير، وإتاحة للعدو أن يتجرأ أكثر، وأن يزداد وقاحة وعدوانًا، حتى يظن أن الأمة قد رضيت الهوان، وقبلت أن تُهان مقدساتها وهي تنظر ولا تتحرك.
وما هذه الإساءات المتكررة إلا اختبارٌ إلهيٌّ صريح، هل بقي في الأمة نبض إيمان؟
وهل بقي في القلوب تعظيم لله وكتابه، واستعداد للانتصار للحق؟
فالقرآن ليس أوراقًا تُحرق، ولا حروفًا تُكتب، بل هو روح الأمة، وهويتها، وعزتها، وسر بقائها. من مسَّه بالإساءة فقد أعلن حربًا على عقيدتها ووجودها، ومن سكت عن ذلك وهو قادر على الإنكار فقد فرّط في أقدس ما يملك.
إن واجب الأمة اليوم أن تستفيق من غفلتها، وأن تعود إلى كتاب ربها عودةَ الواعي المجاهد لا عودةَ المتفرج الصامت؛ أن تغضب لله غضبةً صادقة، وتتحرك موقفًا وكلمةً ووعيًا وثباتًا، لتعلن للعالم أجمع أن القرآن ليس كتابًا مهجورًا، بل عهدًا حيًّا يسري في عروق المؤمنين، وأن المساس به مساس بكل مسلم حرٍّ على وجه الأرض.
فيا أمة القرآن.. أما آن للقلوب أن تصحو؟ أما آن للضمائر أن تنتفض؟ أما آن للأمة أن تثبت أن بينها وبين كتاب ربها ميثاقًا لا يُنقض؟
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
سيظل القرآن محفوظًا بحفظ الله، عزيزًا بعزته، عاليًا بكلمته، مهما حاول الطغاة إحراق صفحاته؛ لأن نور الله لا يُطفأ، وكتابه لا يُغلب، وأولياءه لا يُهزمون إذا صدقوا الله وثبتوا على الحق.
فكونوا من أهل القرآن؛ نصرةً وموقفًا وثباتًا، لا من الغافلين الذين يمر عليهم النداء فلا يجيبون، فيكون صمتهم شاهدًا عليهم يوم يقوم الأشهاد.



