التحاق 25 مليون إيراني بخنادق التعبئة.. طوفان بشري يُغرق حسابات أمريكا ويوسّع شروخها

تقرير / نوح جلّاس

بالتوازي مع اصطفاف شعبي يومي يعزز صلابة الجبهة الإيرانية، أعلنت وكالة فارس عن التحاق أكثر من 25 مليون إيراني بالتعبئة العامة دفاعاً عن حياض بلادهم، في خطوةٍ استراتيجية تترجم مستوى غير مسبوق من التماسك الوطني والاستعداد الشعبي لمواجهة المؤامرات الصهيوأمريكية، وتؤكد للعالم أجمع أن إيران تخوض معركتها بعمق شعبي متجذر يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

 

 

هذا التطور الأسطوري يكمل عظمة المشهد الداخلي الإيراني الذي يشهد زخماً متصاعداً من المسيرات الشعبية الحاشدة التي تضيق بها الميادين في مختلف المدن، حيث تتدفق الحشود البشرية يومياً كالأمواج العاتية في تعبير واضح عن الالتفاف الشعبي المطلق حول خيار الصمود والمواجهة، في صورةٍ ملحمية تجدد التأكيد على وحدة الموقف المصيري بين الشعب ودولته وقيادته، وترسّخ الحقيقة للجميع بأن المعركة بالنسبة للإيرانيين هي معركة وجود ومبادئ مقدسة وسيادة لا تقبل المساومة أو الانكسار.

 

ومن قلب هذا المشهد التاريخي، يبرز رقم الـ25 مليون مقاتل ومتطوع كمؤشر استثنائي وصاعق على حجم التعبئة، فهذا العدد الضخم ودلالته العميقة يشيران إلى إرادة جمعية واعية، واستعداد شامل وفولاذي يمتد من الجبهة العسكرية إلى الجبهة الشعبية، في وقت تتكامل فيه أدوات القوة الصلبة مع قوة الإرادة والوعي والبصيرة.

 

وفي هذا السباق التاريخي، تبدو إيران اليوم أكثر قدرة على الصمود الأسطوري، مستندة إلى قاعدة شعبية واسعة وعريضة تعتبر المواجهة دفاعاً مقدساً عن الهوية المناهضة للاستكبار الصهيوأمريكي، وذوداً عن السيادة والكرامة.

 

كما أن هذا الزخم الشعبي الإيراني الهادر يوجه رسالة مدوية ومباشرة إلى الخارج مفادها أن أي رهان مقامر على إضعاف الداخل أو محاولة تفكيك الجبهة الداخلية هو رهان خاسر ومنتحر، وأن كل محاولات الضغط البائسة، سواء عبر العقوبات الظالمة والحصار الجائر أو التهديدات العسكرية الجوفاء، تصطدم دوماً بجدار صلب من الإرادة الوطنية الصلبة التي لا تلين.

 

وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من المعركة، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية أمام صورة مأساوية ومعاكسة تماماً، حيث تتعمق التصدعات والشقوق على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكل غير مسبوق.

 

ومع تصاعد كلفة المواجهة المريرة وتداعياتها الكارثية على الأسواق الأمريكية، يتزايد السخط الشعبي الغاضب داخل أمريكا، مدفوعاً بارتفاع الأسعار الجنوني، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، ما يضع الإدارة الأمريكية المتخبطة تحت ضغط داخلي متنامٍ يهدد استقرارها.

 

المؤشرات القادمة من داخل الولايات المتحدة تشير إلى تفاقم أزمة ثقة متجذرة ومتزايدة بين الشارع المكلوم وصانع القرار المرتهن، حيث تتصاعد حدة الانتقادات اللاذعة لسياسات الإدارة الفاشلة، ويبرز التساؤل الوجودي حول جدوى الانخراط في صراعات مكلفة وعبثية من أجل الغير “الإسرائيلي”، في وقت يواجه فيه المواطن الأمريكي أعباء اقتصادية متفاقمة تخنق حياته اليومية.

هذا التباين الحاد والجوهري بين جبهة إيرانية متماسكة كالبنيان المرصوص وأخرى أمريكية مثقلة بالأزمات والانهيارات، يكشف تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع الوجودي؛ حيث المعركة باتت محكومة بقدرة المجتمعات على التحمل والاستمرار وعمق النفس الطويل، لا بميزان السلاح والعتاد.

 

وبهذه المعطيات، فإن هذا المشهد الملحمي يرسم لوحة متكاملة لمعركة تتواجه فيها إرادتان لا تلتقيان: إرادة شعبية إيرانية تتصاعد وتترسخ في ميدان الشرف، وإرادة أمريكية تتآكل وتتهاوى تحت وطأة الأزمات الداخلية المتلاحقة.

 

وبين هذا وذاك، يبدو جلياً أن معادلة القوة في العصر الحديث باتت تُقاس بما تملكه من شعوب أبية قادرة على الصمود والتحدي، وهو ما تفقده أمريكا، وتجسده اليوم إيران في واحدة من أبرز وأعظم صور التلاحم الوطني في تاريخها المعاصر.

مقالات ذات صلة