محاضرة السيد القائد الثالثة من قصة موسى إلى واقع الأمة.. دروس في مواجهة الطغيان وتمكين المستضعفين

أسماء الجرادي
اليوم في محاضرته الرمضانية الثالثة، استكمل السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي دروسه المستفادة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، مستنيراً بآيات سورة القصص.

المحاضرة كانت تحليلاً يربط الماضي بالحاضر، ويقدم رؤى قرآنية لمواجهة التحديات الراهنة التي تواجه الأمة الإسلامية، مؤكداً أن ما يُقدم هو جزء يسير من هدى الله الواسع.

 

القرآن: مصدر الحق واليقين في زمن الشبهات:

شدد السيد القائد على أن قول الله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (القصص: 3)، يؤكد أن مصدر الكلام إلهي، ويثبت أن القصة حقيقية وخالية من أي خرافة، وتهدف إلى تعزيز إيمان المؤمنين.

وهذه الأنباء القرآنية هي دلائل نبوة تزيد المؤمنين ثباتاً وبصيرة ووعياً ويقيناً بأن الله غالب على أمره. وهي رسالة واضحة بأن الأعداء مهما بلغت قوتهم وضغوطهم، لا يجب أن تدفع المؤمنين للتراجع أو الضعف، فالله هو صانع المتغيرات العجيبة.

 

موسى رمز الإحسان وفرعون قمة الطغيان.. نموذجان متناقضان:

قدم السيد القائد نموذجين متناقضين يمثلان صراع الحق والباطل الأزلي. فموسى عليه السلام يجسد الإحسان والهدى والثقة المطلقة بالله، والسعي الدؤوب لإنقاذ المستضعفين ومواجهة الطغيان والاستكبار، متحملًا أعباء الرسالة في ظروف بالغة التعقيد.

وفي المقابل، يمثل فرعون قمة الطغيان، بما امتلكه من قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وسيطرة مستحكمة على شعبه. فوصل به الاستكبار إلى ادعاء الربوبية والألوهية، وتوجيه طغيانه نحو حياة الناس، ليصبح نموذجاً لأبشع صور الإجرام.

 

سياسات الطاغوت المعاصرة: استغلال المجتمع وإفساده:

ربط السيد القائد سياسات فرعون بسياسات الطاغوت المستكبر في زماننا، مشيراً إلى استخدام سياسة “فرّق تسد” كأداة رئيسية. ففرعون استغل جميع فئات المجتمع، ومارس الظلم والقتل وذبح أبناء المستضعفين لترسيخ القهر والسيطرة والإذلال. كما استغل النساء بهدف الخدمة والفساد وامتهان الكرامة، وهو ما يتكرر اليوم باستهداف الرجال والنساء لتمييع المجتمع.

وأكد السيد القائد، أن الطغاة يستخدمون فساد المجتمع وسيلة للسيطرة عليه، بينما هدى الله يرتقي بالمجتمع كله ويمنح أدواراً مهمة حتى للنساء في إطار الحق.

 

سنة الله في نصرة المستضعفين:

توقف السيد القائد مطولاً عند الآية الكريمة: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: 5). موضحاً أن هذه المنة الإلهية تعني الخلاص من الاستعباد والظلم والقهر، والانتقال إلى الكرامة والعزة والحرية والتحرك وفق تعاليم الله. هذه سنة إلهية ثابتة ومستمرة، فالله يريد خلاص المستضعفين ورحمتهم، ونقلهم إلى مرحلة مواجهة الطغاة وأداء دور مقدس.

وأشار إلى أن درس موسى وفرعون يبين حجم الاستضعاف الذي عاناه بنو إسرائيل، وحجم الطغيان الرهيب الذي استحكم عليهم، وكيف أنهم وصلوا إلى درجة العجز التام. في المقابل، أظهرت القصة كيف أن إرادة الله صنعت المتغيرات.

ودعا السيد القائد إلى وعي واقعنا المحلي والعالمي، مؤكداً أن من سنن الله إنقاذ المستضعفين وعدم ترك المجال للظالمين للتحكم بالناس. لكن هذا يتطلب من المستضعفين أن يكونوا واعين وحريصين على الخروج من وضعهم.

وفي إشارة إلى الواقع المعاصر، ذكر أن اليهود اليوم، برغم سيطرتهم على الأمة الإسلامية وحكوماتها، يخشون الشعوب المستضعفة، ولذلك يستخدمون وسيلة إفساد الشعوب وإبعادهم عن الله وعن أسباب الخلاص والفرج، حتى يكونوا في وضع التسليط الإلهي عليهم.

 

أصناف المستضعفين: دعوة للوعي والتحرك:

صنف السيد القائد المستضعفين في القرآن الكريم إلى ثلاثة أصناف:

– الواعون: وهم من يعون ظروفهم وواقعهم، ويرفضون الظلم، ولديهم اتجاه إلى الله لتغيير ما هم فيه. وقد استشهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75). هؤلاء هم الجديرون برعاية الله ورحمته.

– المستسلمون (غير الواعين): وهم الذين لا يعون واقعهم ولا يتوقون للتغيير، وفي حالة استسلام وجمود. وقد ذكرهم الله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أرض اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97). فهم لم يمتلكوا إرادة التغيير ولا أسباب الفرج.

– الموالون للطغاة: وهم المتبعون للطغاة والمستكبرين والموالون لهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى حالهم بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 129).

وعد الله للمؤمنين.. من الاستضعاف إلى الريادة:

 

اختتم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي محاضرته بالتأكيد على أن سنة الله لا تقتصر على تخليص المستضعفين من الظلم، إنما تتعدى ذلك إلى رفع مقامهم ونقلهم إلى مرحلة أعلى ووضع عظيم، ليصبحوا أمة قوية ذات قيادة منها، ولها تأثير في الساحة. هذه حكمة الله وإرادته، وهي تفتح أملاً كبيراً للمستضعفين.

 

وذكر أن هذه النقلة من الاستضعاف إلى الإرادة والريادة حصلت للمسلمين حتى مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، حينما أتى الوعد بالنصر.

 

واستشهد بقصة الخندق وكيف سخر المنافقون من بشارة الله بالنصر بقولهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب: 12). مؤكداً أن التعبير القرآني يؤكد سنة الله في الأرض: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 6).

 

لقد كانت محاضرة السيد القائد دعوة صريحة لليقظة والوعي، وربطاً محكماً بين القصص القرآني الخالد والواقع المعاش، مقدمة خارطة طريق للمستضعفين نحو التحرر والتمكين، ومحذرة من مغبة الاستسلام أو موالاة الطغاة.

المسيرة نت

مقالات ذات صلة