تصعيد أم تسوية؟ الرياض أمام مفترق طرق وصنعاء تلوّح بفتح ملفات العدوان والسيادة

علي ظافر

في خطاب التهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، بعث القائم بأعمال رئيس الوزراء العلامة محمد مفتاح برسائل مهمة في اتجاهات عدة داخلية وخارجية، كان أبرزها تجديده حث الرياض وحكامها على “السير في خط خفض التصعيد وصولاً إلى إنهاء العدوان والحصار وتنفيذ خارطة الطريق والإفراج عن مرتبات الموظفين وحقوق الشعب”.

وفيما ذكَّر النظام السعودي بمسؤوليته عن “نتائج وفظائع عدوانه وحصاره طوال أكثر من عقد من الزمن”، تعهد للشعب بأن “نهاية المعاناة قريبة”، مؤكداً أن معاناة الشعب المستمرة هي “نتيجة طول الحصار ومماطلة المعتدين في تنفيذ استحقاقات السلام”.

 

خلفيات الموقف

هذه الرسائل تأتي في ظل مساعي السعودية لفرض أمر واقع جديد داخل المحافظات النفطية اليمنية المحتلة، وتحديداً حضرموت وشبوة والمهرة، بتفريخ الميليشيات وعسكرة الشريط الصحراوي بتلك المجاميع الميليشاوية، وبعد ساعات من تغول السعودية بتقديم منفذها البري المحاذي لمحافظة حضرموت إلى عمق الأراضي اليمنية.

 

وفي أعقاب إعادة السعودية تدوير مرتزقتها غير المتجانسين ضمن تشكيلة “حكومة الفضيحة” في فنادق الرياض الذين تتلخص مهمتهم في بيع السيادة مقابل المال وتوفير غطاء للنزعة التوسعية والأطماع التاريخية للجارة الجائرة على حساب اليمن وسيادته ومستقبله وأمنه ومصالح شعبه، وهذه مؤشرات سلبية جداً ولا علاقة لها بالسلام ومتطلباته وتبعث رسائل سلبية باتجاه صنعاء بأن “خارطة الطريق” التي تنص على انسحاب قوات الاحتلال السعودي من اليمن باتت خلف ظهر النظام السعودي، وخصوصاً أن الأخير لا يزال يعتمد المراوحة والمماطلة من دون حسم في الملفات الإنسانية التي تتصدر “خارطة الطريق”، ومنها ملف الأسرى، إذ لا تزال المفاوضات حوله جارية في مسقط حتى كتابة هذا المقال من تقدم أو أفق واضح نتيجة غياب الجدية لدى السعودية والأطراف اليمنية التابعة لها.

 

فيما لا يزال مطار صنعاء معطلاً كلياً بسبب رفض الرياض ومرتزقتها إعادة طيران اليمنية أو أي شركات طيران أخرى استئناف الرحلات منه وإليه، فضلاً عن المساعي والتوجهات الخارجية لفرض قيود وترتيبات مريبة حيال موانئ الحديدة، مصحوبة بحرب إنسانية واقتصادية شرسة تبدو الأمم المتحدة طرفاً فيها وفقاً لما طرح مبعوثها خلال إحاطته الأخيرة في مجلس الأمن بمحاولة القفز على الاستحقاقات الإنسانية وتقديم طروحات عن “الحل السياسي” مع عمله أنه آخر بند وآخر نقطة في “خارطة طريق” اطلع عليها وكان ربما شريكاً في صياغتها.

 

الخلفيات السابقة قد تلخص الأسباب الجوهرية التي دفعت صنعاء إلى أن تبعث رسائل النصح والتحذير في آن معاً من مغبة استمرار النظام السعودي في هذا النهج والسلوك.

 

السعودية: رهانات “خاطئة” وسوء تقدير

 

في المقابل، ليس معلوماً بعد ما إذا كانت الرياض ستغادر مربع المراوحة، وليس معلوماً ما إذا كان هناك مفاوضات أو اتصالات تدفع نحو تحريك الجمود في هذه الملفات، لكن المعلوم أن هذا السلوك السعودي مستمر منذ قرابة أربع سنوات (من سريان اتفاق وقف اطلاق النار في 2022) إلى اليوم، ما يعكس رهاناً سعودياً ربما على نظرية “إسقاط صنعاء من الداخل” بالاستفادة من اللعب على ورقة الوقت والتسويف وإبقاء ورقة الحصار لتأليب الشعب على حكومة صنعاء.

 

هذا ما توحي به المعطيات والمؤشرات والسلوك الميداني، وتشي به طروحات وأحلام المقربين من دوائر صنع القرار السعودي تحديداً بحديثهم أن “الحصار هو الأكثر تأثيراً على الموارد ومصادر تمويل حكومة صنعاء مقارنة بالسنوات الماضية”.

 

يحاول أصحاب هذه الرهان أن يؤطروا الحصار في دائرة أنصار الله، فيما الحقيقة تؤكد أن أهل العدوان يحرصون على استمرار الحصار بهدف الضغط على الشعب اليمني اقتصادياً وانسانياً أملاً في تثويرهم ضد الدولة في صنعاء، وهذه يعكس جوهر استراتيجية أميركية إسرائيلية سعودية مشتركة، ويعكس رهاناً مشتركاً سيفشل أمام وعي الشعب كما فشلت رهانات الأعداء في إيران.

 

وهنا لا نستبعد فرضية التنسيق المشترك في هذا المسار. لماذا؟ الأمر لا يحتاج إلى كثير من التأويل والتحليل، فهناك أدلة تدعم هذه الفرضية، أبرزها أن الرياض خلال “مرحلة خفض التصعيد” انخرطت في عمليات استخباراتية قذرة من خلال تشكيل غرفة عمليات استخباراتية أميركية مشتركة لتحريك خلايا تجسسية داخل المحافظات اليمنية الحرة وفي غمرة طوفان الأقصى لخدمة أميركا وكيان العدو الإسرائيلي، كل ذلك رغم إعلانها النأي بنفسها عسكرياً خلال تلك الجولات العدوانية.

صحيح أنها لم تظهر كشريكة مباشرة في العدوان لمحاولة منع عمليات الإسناد اليمنية لغزة، وأن هدير الطائرات السعودية ودوي صواريخها وقنابلها هدأت في المدن والأحياء السكنية داخل المحافظات اليمنية الحرة خلال مرحلة خفض التصعيد منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022 إلى اليوم، لكن نيران الحرب الباردة والناعمة لم تهدأ اقتصادياً وإنسانياً وأمنياً، وإن شهدت انخفاضاً نسبياً في بعض الأحيان سرعان ما تعود في كثير من الأحيان طيلة المرحلة الماضية، وبما يتعارض كلياً مع فكرة “خفض التصعيد” واتفاق وقف إطلاق النار، وما تلاه من إعلانات وتفاهمات كانت خلاصة اتصالات ومفاوضات مكثفة ومعمقة بين صنعاء والرياض برعاية عمانية وأممية.

 

وما زلنا نتذكر جميعاً تلك الزيارات المتبادلة بين البلدين، وفد سعودي برئاسة السفير غير المقيم في اليمن محمد آل جابر إلى صنعاء أكثر من مرة، ووفد يمني برئاسة محمد عبد السلام زار السعودية، والتقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. وكان المعول والمأمول حينها أن يصل ذلك المسار الدبلوماسي إلى خواتيم مرضية وإيجابية لكلا البلدين، وأن تترجم فعلياً على الأرض. وللحقيقة كانت صنعاء ووفدها المفاوض، ولا تزال، جادة في إحلال السلام العادل والمشرف وإرسائه وتقديم تطمينات لاحتواء مخاوف النظام السعودي المتضخمة والمتوهمة والمُصنَّعة داخل معامل الدعاية الأميركية الإسرائيلية، لكن الأحداث والمستجدات طيلة الفترة الماضية وإلى اليوم أثبتت عدم جدية الرياض، وأكدت أن مسؤولي ودبلوماسي النظام السعودي يقولون على طاولة المفاوضات وفي الغرف المغلقة شيئاً، ويفعلون على أرض الواقع شيئاً مختلفاً تماماً.

 

والأغرب من ذلك أن النظام السعودي يصر على “تقمص دور الوسيط” رغم أنه من تزعم العدوان العسكري على اليمن، وألقى مع الدول التي جلبها إلى تحالفه المشؤوم آلاف أو عشرات آلاف الأطنان من الصواريخ والقنابل على رؤوس اليمنيين من دون تمييز ربما بأكثر مما ألقاه العدو الإسرائيلي على غزة خلال العامين الماضيين، ونشر روائح الموت والقتل في كل المحافظات اليمنية، وتسبب باستشهاد عشرات آلاف اليمنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير عشرات آلاف المنازل والمنشآت والبنى التحتية، وأعلن الحصار الشامل اللاإنساني على اليمن، وأعلن نقل وظائف البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى محافظة عدن، ونفذ أشكال الحرب الاقتصادية المهندسة بريطانياً وأميركياً، واستحوذ على موارد البلاد السيادية وورد ما قيمته 65 مليار دولار من عائدات النفط والغاز إلى مصارفه الخاصة وفق تقديرات بعض خبراء الاقتصاد اليمنيين، وتسبب بتوقف مرتبات الموظفين، والدفع باليمن واليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً إلى أسوأ درجات ومستويات الفقر والحرمان، ومزق النسيج الاجتماعي اليمني، الجغرافيا والسيادة اليمنية كل ممزق.

 

ولا يزال النظام السعودي يواصل فصول ذلك التقسيم والتمزيق في المحافظات الجنوبية والشرقية من أرض اليمن الحبيب، ويواصل نزوعه التوسعي الاحتلالي داخل السيادة اليمنية في حضرموت، وآخرها نقل المنفذ البري السعودي إلى عمق الأراضي اليمنية في مديرية العبر من محافظة حضرموت تمهيداً لاستجلاب شركات تنقيب نفطية لشفط ما تبقى في عروق اليمن من النفط ضمن مربع استراتيجي يربط بين المحافظات النفطية، حضرموت وشبوة ومأرب، ليس لتحقيق رفاه اليمنيين في المحافظات المحتلة الذين يعيشون فصول البؤس والحرمان والمعاناة والفقر أكثر من غيرهم، إنما لتنويع مصادر الدخل السعودي على حساب السيادة والثروة اليمنية، بعدما فشل النظام السعودي الحالم في تمويل عدد كبير من مشاريع رؤية بن سلمان 2030.

 

أمام هذه الوقائع، والسلوك العدواني السعودي، وفي ظل الواقع الصعب الذي يعيشه اليمنيون قاطبة في الشمال والجنوب والوسط والشرق والغرب، كان على صنعاء من منطلق المسؤولية الدينية والإنسانية والأخلاقية والوطنية أن تقول للرياض: كفى!

وأن تحرك العجلة من جديد بعد “تجميد سعودي سياسي” لكل الملفات والاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية طيلة السنوات الماضية، والتغول أكثر في السيادة مؤخراً بدلاً من سحب قواتها المحتلة، ومعالجةِ ملفاتِ حروبٍ يدُ السعوديةِ فيها من أوكت وفوهُا من نفخ بدفع وتحريض أميركي وإسرائيلي كان منذ البداية ولا يزال مستمراً إلى اليوم لتوريطها وإحباط أي مسار للحل والتهدئة ومحاولة دفع نظام الرياض إلى عدوان جديد بالوكالة عن واشنطن وتل أبيب ولندن بدافع الانتقام من اليمن على خلفية موقفه الإنساني والأخلاقي والديني مع فلسطين وغزة ولبنان خلال معركة طوفان الأقصى.

 

أي مسار ستسلكه الرياض؟ وما خيارات صنعاء؟ لن نستبق الأمور، فالمرحلة المقبلة ستتكفل بالإجابة. وسواء استجاب النظام السعودي لدعوات السلام أم اندفع للتصعيد أم استمر في المراوغة والمماطلة، فإنه طال الوقت أم قصر ملزم بمعالجة ملفات عدوان تصدر دفة قيادته، بدءاً بالملفات الإنسانية وإعادة أموال الشعب المنهوبة ودفع فاتورة إعادة إعمار ما دمره العدوان وجبر الضرر وسحب آخر جندي سعودي محتل من اليمن.

 

مقالات ذات صلة