
مكة والصفاء.. المدينة والروضة
د. محمد عبد الله يحيى شرف الدين
مكة بيتُ الله الحرام هي أَولى وأجدرُ باحتضان رسالة الإسلام، فمذُ رفع نبيا الله إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام قواعدَ البيت الحرام (الكعبة) وهما يدعوان الله: {رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَیۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّیَّتِنَاۤ أُمَّةࣰ مُّسۡلِمَةࣰ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَیۡنَاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ}. [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٢٧-١٢٨]. وليس لها إلا أن تكون كذلك.
ومنذ بزوغ فجر الدعوة المحمدية (الإسلام) في مكة بيت الله الحرام لم يألُ جُهدًا عتاولةُ قريش من محاربة الإسلام وعدله والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصدقه حتى بلغت العداوةُ مبلغَها الإجرامي في التآمر على اغتياله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم فتركها وقلبُه يعتصره ألمًا وهو يقول عند وداعها: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».
نعم.. خرج منها رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وهو من هو وليس سواه هو أشرف الخلق وأفضلهم وأعظمهم على وجه البسيطة ليخلوَ مِن ثَمَّ الجوُّ لعتاولة قريش في إضفاء ألقاب على أنفسهم؛ إذ أصبح أبو جهل خادم البيت الحرام بلا منازع يذيع ذلك الصيت بين العرب وآلهتها أصنام من الحجارة والتمر.
لم يكن خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة إلا تكتيكًا مرحليًّا؛ فقد أعدَّ واستعدَّ وبنى الرجالَ، وبحلول السنة الثامنة للهجرة دخلها فاتحًا محطِّمًا الأصنامَ ومحطما كبرياء الإجرام.
فعاد البيت الحرام إلى حضن الإسلام.
ومع تقلُّب الأيام وتعاقُب الأحداث استدار الزمان وفي حين غِرَّةٍ جثم عتاولةُ آل سعود على الحرمين الشريفين فسمّوهما وسائر ما حولهما باسمهم (المملكة السعودية) فصار إرثُ أمة الإسلام إرثًا شخصيًّا وباسمهم، وقدموا من على منبَرَيهما الإسلامَ المنحرِفَ وصدّروه للعالم حتى أصبح الإسلام الإلهي غريبًا.
وجلب إلى أرض الحرمين القِيان والمغنيات وشذاذ الآفاق ومسخت الأخلاق والقيم ودنّسها اليهود والنصارى وقدم الخمر الحلال ونهبت أموال الحجاج وتاجر آل سعود متاجَرة الفجار بمواسمه المقدسة وفرضوا الإتاوات والضرائب وكم قتل من حجاج بيت الله في بيته الحرام الذي جعله الله آمنًا ومنعوا الناس عن الحج وصدوا عنه.
أما نبي الله محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقد أصبح أسيرًا محجوبًا عن أمته والبارات في مدينته المنورة.
لقد قضى النظامُ السعودي بذلك على نفسه بقول الله تعالى: {وَمَا لَهُمۡ أَلَّا یُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ یَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤءَهُۥۤۚ إِنۡ أَوۡلِیَاۤؤُهُ إلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ}.[سُورَةُ الأَنفَالِ: ٣٤].
إن من سماهم الله الأنصارَ هم أهلُ المدينة والروضة وفاتحو مكة والصفاء ومطهِّروها هم أهل اليمن الذي قال عنهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية).
هم في المِتراس المتقدم للدفاع عن مكة والكعبة والنبي وروضته والقرآن ومنهجه والإسلام ورايته، هم أولياؤه، ولن تنطلي على العالم دعاوى الزور والبهتان السعودية بأن أهل الإيمان والحكمة يستهدفون البيت الحرام.
والنظام السعودي المجرم وبفجوره لا تمنعه قيم ولا مبادئُ عن افتعال حدث أمني هنا كي يستعطفَ الآخرين ويغطِّيَ مغبةَ حصاره الظالم على ملايين البشر في اليمن وما يدَّعيه اليوم زورًا وبهتانًا يشُفُّ عن إفلاسه فقد استنفد كل الوسائل مستجديًا العالَمَ أن ينقذَه من مستنقع الدم الذي سفكه في اليمن.
واليمنيون -بمظلوميتهم- أقوى وأفتى وأفتكُ وأشدُّ بفضل الله وعونه وتوفيقه ونصره فقد وعد ووعدُه الحق وقولُه الصدق حين قال جل شأنه: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَا عَلَیۡهِم مِّن سَبِیلٍ (٤١) إِنَّمَا ٱلسَّبِیلُ عَلَى ٱلَّذِینَ یَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَیَبۡغُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ (٤٢) }.[سُورَةُ الشُّورَىٰ: ٤١-٤٢].
صدق الله العظيم.


