بعد إسقاط «F-15».. ما الذي تبقى في جعبة العدو السعودي للتصعيد في اليمن؟

عمران نت – تقارير – 5 ربيع الآخر 1448هـ

تقرير / محمد ناصر حتروش

تتهاوى قوات العدو السعودي وأدواته التحشيدية في اليمن بشكّلٍ متسارع وغير متوقع، بفعل الجهوزية العالية للقوات المسلحة وقدراتها القتالية الدفاعية والهجومية المذهلة التي بنتها على مدى عشرة أعوام، استجابةً للضرورة الملحّة التي فرضتها الحاجة إلى التصدي للتحالف العدواني على اليمن.

وتعود القدرات الدفاعية اليمنية، التي بُنيت من الصفر ووحّدات الطيران المسيّر والقوة الصاروخية، إلى ثمرة الجهد المتواصل في بناء القدرات العسكرية لليمن، والتي تحققت بفضل الله تعالى وجهود المخلصين المجاهدين؛ فبعد أن ظلّت سماء اليمن عرضةً لطائرات العدو السعودي وحلفائه يستبيحونها متى شاءوا، أثبتت الدفاعات الجوية اليمنية، محلية الصنع، قدرتها العالية على حماية سماء اليمن.

وتجلّى ذلك أثناء المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في جولتين متتاليتين خلال معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، حيث تحدثت آنذاك وسائل إعلام أمريكية وقيادات عسكرية غربية عن نجاح الدفاعات الجوية اليمنية، التي أصبحت تشكل خطرًا على طائرات “إف-35” والطائرات الشبحية الأمريكية، وهي من أحدث الأسلحة التي يتباهى بها الأمريكيون.

ويكشف إسقاط الطائرة الحربية السعودية في أجواء محافظة مأرب زيف الرواية التي يسعى العدو السعودي إلى تسويقها بشأن عدم تدخله في التصعيد الجاري، بعدما دأبت ترسانته الإعلامية على الترويج بأن الطائرات التي تنفذ الغارات على اليمن تابعة لأدواته التحشيدية ولا تمتلك الرياض صلة بها.

وفي السياق يعتبر رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبد السلام إسقاط القوات المسلحة اليمنية طائرة حربية سعودية من نوع «F-15» في أجواء مأرب ضربة موجعة للعدو السعودي وفضيحة تكشف زيف ادعاءاته بشأن عدم اعتدائه على اليمن، لافتًا إلى أن الطائرة نفسها جاءت لتدحض الرواية السعودية أمام الإقليم والعالم.

ويرى أن العملية تمثل رسالة تنبيه من مغبة الوقوع ضحية للدعاية السعودية، خصوصًا مع حجم الافتراءات التي يروجها النظام السعودي، مؤكدًا أن العدوان على اليمن ليس بحاجة إلى إثبات.

ويربط العملية بتنامي القدرات الجوية اليمنية وتعزيز حماية السيادة الوطنية، مشددًا على أن أجواء اليمن لن تبقى مستباحة، وأن خسائر العدو مرشحة للتضاعف؛ وموجها رسالة للطيارين السعوديين والمستجّلبين، ومحذرًا من أن إقلاعهم من قواعدهم لا يعني عودتهم إليها، وخاتمًا تصريحه بتحميل النظام السعودي مسؤولية إطالة أسر طيارين سعوديين وعدم العمل على إطلاقهما.

بدوره عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح: “لا يستبعد أن يخرج، عقب إسقاط الطائرة الحربية السعودية المعادية في أجواء محافظة مأرب، مشايخ وسياسيون وإعلاميون منتفعون من المال السعودي لإدانة العملية”، مضيفًا أنه “كما سقطت كذبة أن الطيران ليس سعوديًا، حتمًا ستسقط كذبة استهداف مكة.. هو الله، لكنكم لا تعتبرون”.

وفي تغريده له على منصة أكس يؤكد الفرح أن من روّجوا للرواية السعودية بشأن هوية الطيران الذي قصف اليمنيين ومطار صنعاء، هم أنفسهم من يتولون اليوم تسويق كذبة استهداف اليمنيين للكعبة، في محاولة جديدة لتضليل الرأي العام وتبرير التصعيد. ولفت الفرح إلى أن من انخرطوا في الترويج للرواية الأولى لم يتعلموا من انكشافها، ليعيدوا إنتاج الكذبة ذاتها بصيغة جديدة، مؤكدًا أن الوقائع ستكشف زيف هذه الادعاءات كما كشفت سابقتها، وأن الأيام المقبلة ستضع مروّجيها أمام الحقيقة.

ومع إسقاط طائرة “إف-15 التابعة للعدو السعودي في سماء محافظة مأرب، يبرز السؤال الجوهري حول دوافع العدو السعودي للتصعيد في اليمن، رغم إدراكه أن الجيش اليمني يمتلك من القدرات ما يجعل كلفة التصعيد عليه باهظة.

وما جدوى هذا التصعيد أيضًا وقد تهاوت طائرات العدو السعودي الحربية؟ وما الذي تبقى له من أوراق عسكرية يمكن استخدامها لتحقيق أهدافه العدوانية في اليمن؟

وحول هذه الجزئية يضع الناشط السياسي أحمد المؤيد التطور الذي حققته القوات المسلحة اليمنية في إطار مسار متدرج بدأ منذ عام 2015، وقام على تطوير القدرات العسكرية والاعتماد على الذات في امتلاك القوة، مشيرًا إلى أن اليمن انتقل من أسلحة محدودة وبسيطة إلى منظومة متنوعة تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ بمختلف أنواعها، وصولًا إلى الدفاعات الجوية

وفي حديثه لقناة “المسيرة” يؤكد المؤيد أن هذا التطور لم يكن وليد اللحظة، وإنما ثمرة بحوث علمية وتطبيقات ميدانية وجهود خبراء في الهندسة والعلوم العسكرية، لافتًا إلى أن إسقاط طائرات حديثة وتهديد أخرى وإجبارها على مغادرة الأجواء اليمنية يعكس مستوى ما وصلت إليه هذه القدرات.

ويتحدث المؤيد عن تطور دقة المعلومات التي تعلنها القوات المسلحة اليمنية، معتبرًا أن تحديد نوع الطائرة ومكان انطلاقها وتوقيت تحركها ومهمتها أسهم في ترسيخ البصمة الذهبية في دقة المعلومات، وجعل الحقيقة رأس مال للقوات المسلحة والدولة والقيادة والشعب.

ويرى أن رواية العدو السعودي بشأن دوره في اليمن انهارت أمام الوقائع الميدانية، مشددا على أن القوات الجوية التابعة للعدو السعودي باتت تواجه استنزافًا متواصلًا، سواء بإسقاط الطائرات أو إجبارها على المغادرة، أو باستهداف القواعد والحظائر والمدرجات ومخازن الذخيرة وقطع الغيار، ويعزو المأزق السعودي إلى غياب الاستراتيجية والحصافة السياسية، معتبرًا أن الرياض دخلت الحرب برواية غير صحيحة، ثم بنت عليها تحالفًا سرعان ما تفكك، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام الحاجة إلى استجداء تحالفات ودعم خارجي.

ووفقاً للمؤيد؛ فإن اليمن يتحرك ضمن مشروع واضح ومتدرج، بينما تواجه قوات العدو السعودي نتائج طبيعية لمسار غياب الإستراتيجية، والاستبداد في القرار، والاعتماد على القوة بدل السياسة، معتبرًا أن ما يحدث سيكون “درسًا من دروس التاريخ”.

عقد من العدوان السعودي على اليمن خدمة للكيان الصهيوني

وفيما يتخذ العدو السعودي من الشرعية الزائفة غطاء لعدوانه الفاشل على اليمن منذ أكثر من عشرة أعوام يرى متابعون أن الهدف الأسمى من التكالب العالمي على اليمن هو حماية الكيان الصهيوني وذلك لأن ثورة الحادي وعشرين من سبتمبر تشكل خطراً كبير على وجود الكيان وحليفه الأمريكي في المنطقة.

وحول هذه الجزئية يقول الناشط السياسي اللبناني على حمية: إن “الحرب التي شنتها السعودية ودول الخليج على اليمن منذ عام 2015م، لم تكن من أجل الشعب الحجازي أو شعوب الخليج، وإنما جاءت في إطار إملاءات أمريكية لحماية الكيان الإسرائيلي”، معتبرًا أن الحرب على اليمن ما تزال مرتبطة بمحاولات القضاء على القضية الفلسطينية وإضعاف دول المنطقة.

وفي حديثه لقناة “المسيرة” يؤكد حمية أن السعودية والإمارات لعبتا دورًا في إشعال الفتن داخل الدول العربية، وصولًا إلى تأسيس مشاريع “الفوضى الخلاقة” و”الشرق الأوسط الجديد”، لافتًا إلى أن محور المقاومة يتعزز يوميًا بفعل انتصارات اليمن التي تجاوزت كل التوقعات.

ويلفت إلى أن إسقاط طائرة “إف-15” لا يتعلق بالطائرة ذاتها بقدر ما يتعلق بكونه سلاحًا يمنيًا محلي الصنع تمكن من إسقاط طائرة سعودية أمريكية الصنع، مؤكداً أن ذلك يعكس تطور الصناعات والقدرات العسكرية اليمنية، خصوصًا في مجالات الصواريخ والرصد والتتبع والدفاع الجوي.

ويشير إلى أن القدرات اليمنية سبق أن تعاملت مع طائرات متطورة، مستشهدًا بما تحدث عنه من إسقاط طائرات “إف-18” خلال الاعتداءات الأمريكية البريطانية على اليمن، وإسقاط أو التعامل مع طائرات “إف-35″ و”لونغ وينغ” وغيرها، معتبرًا أن القدرة الاستخباراتية اليمنية تجاوزت التوقعات.

وعن مشاهد إصابة الطائرة، يقول حمية:”إن إصابتها من المقدمة، وفق ما ظهر في مقاطع الفيديو، تمثل أمرًا نادرًا في هذا النوع من العمليات”، مرجحًا أن الصاروخ لم يعتمد فقط على التتبع الحراري، وإنما سبقه رصد وتحديد للإحداثيات واكتساب للهدف عبر رادارات متطورة.

ويشدّد على أن سرعة الصاروخ ودقة الإصابة وموقعها على الطائرة لم تمنح الطيار وقتًا كافيًا للقفز منها أو التعامل مع التهديد، معتبرًا أن هذه المعطيات تجسد مستوى التطور الذي بلغته الصناعات العسكرية اليمنية، إلى جانب قدرة المقاتل اليمني على استخدام الأدوات المتاحة بكفاءة.

ويرى حمية أن ما ظهر في المشاهد يكشف عن تطور منظومة متكاملة تبدأ بالرصد والتتبع، ثم الاكتساب فالرماية والإصابة، موضحًا أن اليمن بات، وفق تقديره، يعرف مسارات الطائرات والممرات الجوية التي تسلكها فوق أجوائه، بما يتيح له متابعتها والتعامل معها في الوقت المناسب.

وخلص إلى أن التطور الذي أظهرته العملية يستدعي دراسة متأنية للقدرات العسكرية اليمنية، خصوصًا في ظل انتقال الصناعات المحلية إلى مستوى متقدم، بالتوازي مع تطور منظومات الرصد والتتبع وسرعة الاستجابة، وهو ما يراه عاملًا أساسيًا في تفسير دقة الإصابة وعدم منح الطائرة وطاقمها وقتًا كافيًا للتعامل مع الصاروخ.

“F-15” في مرمى الدفاعات الجوية اليمنية

وتبرز أهمية إسقاط طائرة “F-15” في توقيته الذي تزامن مع بلوغ التصعيد العسكري للعدو السعودي ذروته، بما يجعل المضي في هذا التصعيد محفوفًا باحتمالات خسارة المزيد من الطائرات الحربية والتجسسية بمختلف أنواعها. ويأتي ذلك بالتوازي مع مسار متواصل لتطوير قدرات الدفاع الجوي للقوات المسلحة اليمنية، التي تعمل على مواكبة طبيعة التحديات الراهنة ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع مختلف التهديدات الجوية.

وحول هذا الشأن يرى الخبير في الشؤون العسكرية العميد زكريا الشرعبي، مدير دائرة المعلومات في دائرة التوجيه المعنوي، أن إسقاط الطائرة السعودية من طراز “إف-15” يمثل تتويجًا للتطور النوعي الذي بلغته قدرات الدفاع الجوي للقوات المسلحة اليمنية، باعتبارها من الطائرات المتقدمة التي يمتلكها النظام السعودي.

ويشير إلى أن السعودية أبرمت أواخر عام 2011 صفقة مع الولايات المتحدة بقيمة 115 مليار دولار، تضمنت شراء 84 طائرة “إف-15 إس إيه” وتطوير أسطولها من “إف-15 إيه”، لافتًا إلى ما تتمتع به هذه الطائرات من قدرات عالية في المناورة والحرب الإلكترونية.

ويربط هذا التطور بتراكم القدرات والخبرات اليمنية خلال السنوات الماضية، خصوصًا في مواجهة القوات الأمريكية والإسرائيلية، مستشهدًا بالتعامل مع طائرات “إف-35″ و”إف-16” و”إم كيو-9″، معتبرًا أن العملية الأخيرة تشكل منعطفًا في مسار المعركة وتضرب عنصر التفوق الجوي السعودي.

ويوضح الشرعبي أن القوات المسلحة اليمنية تركز على حلقات الحرب الأساسية، وفي مقدمتها القوة العسكرية والموارد، مؤكدًا أن استهداف الموارد النفطية لا يحمل قيمة تكتيكية فحسب، بل يطال عصب الاقتصاد السعودي وينقل الضغط إلى العمق.

ويحذّر من أن استمرار التصعيد والحصار سيقابل بتصعيد يراعي مستوى العدوان، مشيرًا إلى امتلاك القوات المسلحة بنكًا واسعًا من الأهداف. ويخلص الشرعبي إلى أن استمرار السعودية في المكابرة سيقود إلى مزيد من الخسائر، وقد ينعكس على استقرارها السياسي والاقتصادي، المرتبط بدرجة كبيرة بعائدات النفط.

بدوره يصف الخبير العسكري العقيد أكرم سيروي إسقاط طائرة من طراز “إف-15” بأنه مشهد مختلف كليًا، مؤكدًا أن العملية لا تختزل في مجرد إطلاق صاروخ، وإنما تقوم على منظومة مركبة تبدأ برصد الهدف واكتشافه، ثم تحليل البيانات والمعلومات ونقلها إلى منصة الإطلاق، وصولًا إلى إطلاق الصاروخ وإصابة الهدف.

ويعتبر أن نجاح هذه العملية يعكس امتلاك قدرات عسكرية وتقنية بمستوى عالٍ، سواء في صناعة الصواريخ أو عمليات الرصد وتحليل المعلومات، لافتًا إلى أن الصاروخ المستخدم، بحسب ما ظهر من مشاهد الإصابة، يتمتع بسرعة فائقة، مرجحًا أن تتجاوز سرعته أربعة أضعاف سرعة الصوت، ما يجعله، وفق تقديره، صاروخًا حديثًا ومتطورًا.

ووفقاً لـ “سيروي”؛ فأن الأهم في العملية هو كون الصاروخ محلي الصنع، وليس من منظومات مستوردة كـ “باتريوت” الأمريكية أو صواريخ روسية أو صينية، معتبرًا أن ذلك يعني أن المعركة لا تعتمد على مخزون محدود من الصواريخ يمكن أن ينفد، وإنما على قدرة صناعية تتيح إنتاج المزيد منها.

ويرى أن هذه المعطيات تكشف بلوغ القدرات التكنولوجية والهندسية اليمنية مراحل متقدمة في صناعة الصواريخ بصفات ومميزات متطورة، وتؤسس، بحسب وصفه، لمرحلة جديدة في مسار الصناعات العسكرية اليمنية، بالتوازي مع تطوير قدرات حماية الأجواء ومنع الطائرات السعودية أو الأمريكية أو الإسرائيلية من التحليق فيها، بما يعزز قدرة القوات على حماية مواقعها ومنع تحويل الأجواء اليمنية إلى ساحة مفتوحة أمام الطائرات المعادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى