الحشود المليونية في ذكرى المولد النبوي تخالف كل التوقعات

بشير ربيع الصانع

كان من الممكن أن يتوقع كثيرون حضورًا كبيرًا، وأن تُرسم تقديرات أولية لحجم المشاركة، وأن تُبنى عليها حسابات وتوقعات، لكن ما حدث هذا العام تجاوز، بحسب ما ظهر في الساحات والمشاهد الميدانية، كثيرًا من تلك التقديرات.

لم تأتِ المفاجأة من امتلاء ساحة واحدة؛ وإنما في اتساع المشهد وتعدده وتزامنه، وفي الجموع التي تحركت من المدن والمديريات والقرى باتجاه ساحات إحياء المولد النبوي الشريف.

كان المشهد أكبر من أن يُختزل في رقم.

فكلما امتلأت مساحة، ظهرت في الصورة مساحة أخرى؛ وكلما ظُن أن الحضور بلغ ذروته، واصلت الوفود وصولها، وفي صنعاء، كما في محافظات أخرى، تحولت الساحات إلى نقاط التقاء لموجات بشرية متتابعة.

وهنا حدثت المفارقة.

التوقعات شيء، وما رأته العيون شيء آخر.

المشهد فرض نفسه على الجميع، وأعاد طرح سؤال أكبر: كيف استطاعت هذه المناسبة أن تستقطب هذا الحجم من الحضور في ظل كل الظروف التي مرت بها البلاد؟

المفاجأة لم تكن في العدد وحده

الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع وحدها أن تشرح ما جرى.

هناك معنى آخر في أن يأتي الناس من أماكنهم، وأن تتحرك وفود من مناطق بعيدة، وأن تتقاطع طرق المحافظات مع الساحات، وأن تتحول المناسبة إلى موعد ينتظره الناس ويستعدون له قبل حلوله.

المشهد يقول إن وراء الحضور قناعة اجتماعية ودينية واسعة بالمشاركة في المناسبة، وإن المولد النبوي الشريف احتفظ بمكانته في الوجدان الشعبي لدى قطاعات كبيرة من اليمنيين.

ولهذا فإن الصورة الأهم ليست صورة الساحة المكتظة فقط؛ إنها صورة القرى والمديريات التي سبقتها إلى الساحة.

فالساحة لا تخلق الحشود.

الحشود هي التي تصنع الساحة، ولهذا

كانت الرسالة أثقل من أن تُهمل.

أما الذين بنوا حساباتهم على افتراض أن صنعاء ستسقط، أو أن الحضور الشعبي سيتراجع، فقد وجدوا أمامهم مشهدًا مختلفًا عما راهنوا عليه.

وهنا يمكن وصف المشهد بأنه زلزال سياسي ومعنوي في حسابات خصوم صنعاء، لا بمعنى زلزال مادي، وإنما لأن الصورة الجماهيرية جاءت لتصطدم بتوقعات ورهانات كانت تراهن على الانكماش والتراجع، فالرسالة لم تكن موجهة إلى طرف بعينه بقدر ما كانت تقول لكل من كان يتابع من الخارج:

لا تكتبوا مستقبل صنعاء من خلال أمنياتكم.. انظروا إلى ما يحدث في ساحاتها.

قد يختلف الناس في تفسير المشهد ودلالاته السياسية، لكن تجاهله ليس قراءة جادة.

من يراقب اليمن من بعيد رأى صورة مختلفة، ففي السنوات الماضية، كثرت القراءات التي حاولت تفسير ما يجري في صنعاء واليمن من خلال الخرائط السياسية والعسكرية والاقتصادية وحدها.

لكن المناسبات الجماهيرية الكبرى تقدم نوعًا آخر من المعلومات.. إنها تكشف المزاج الشعبي في لحظة معينة، وتكشف قدرة المجتمع على الحشد والتنظيم، وتكشف أيضًا أن هناك قضايا ورموزًا دينية وثقافية ما زالت قادرة على جمع أعداد كبيرة من الناس.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن مشهد هذا العام يستحق أن يقرأه الإعلام العربي والدولي بعيدًا عن العناوين الجاهزة.

المولد النبوي قلب المشهد، ووراء كل هذه الصورة اسم واحد كان حاضرًا في وجدان المشاركين، هو الرسول الأكرم محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الحشود لم تأتِ إلى الساحات من أجل رقم في نشرة إخبارية، ولا من أجل أن تُلتقط لها الصور فقط؛ وإنما جاءت لإحياء مناسبة ترى فيها تعبيرًا عن محبتها وارتباطها بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبالرسالة التي جاء بها.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المشهد.

فبعد قرون طويلة من دخول الإسلام إلى اليمن، ما يزال اسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حاضرًا بقوة في المناسبات والذاكرة الدينية والاجتماعية.

ومن هنا يصبح خروج الناس في المولد جزءًا من علاقة أعمق من يوم واحد، والصورة التي وصلت إلى العالم لم تكن بحاجة إلى الكثير من الشرح، فصورة ساحة ممتلئة تستطيع أن تتحدث بلغتها، وصورة أخرى لوفود قادمة من المحافظات تضيف إليها.

صورة لمدينة وقد أضاءت شوارعها ومنازلها ومحلاتها ومؤسساتها تزيد المشهد وضوحًا، وصور الفعاليات المحلية التي سبقت المناسبة تكشف أن ما حدث في الساحات لم يكن وليد ساعات قليلة.

وعندما اجتمعت هذه الصور في الفضاء الإعلامي، ظهرت حكاية أكبر، شعب يستعد، ثم يتحرك، ثم يجتمع، ثم يترك خلفه آلاف الصور التي تعيد رسم المشهد أمام العالم.

ولهذا كان هذا العام مختلفًا، فحجم الحضور، واتساع الفعاليات، وتعدد الساحات، واستمرار التوافد، جعلت المناسبة تبدو أكبر من التقديرات التي سبقتها.

لقد خرج المشهد من حدود التوقع إلى مساحة المفاجأة، ومن الحسابات إلى الواقع، ومن السؤال: «كم سيحضر؟»

إلى سؤال آخر: «كيف أمكن لهذا العدد وهذا الامتداد أن يحدث رغم كل الرهانات على عكسه؟»

ولعل أقوى ما في المشهد أنه لم يحتج إلى أن يقول: لقد نجحنا، فالصورة نفسها كانت تقول ذلك، والصور، حين تكون بهذا الحجم، لا تحتاج إلى مترجم.

الحضور كان واسعًا، والفعاليات كانت متعددة، والتوافد كان كبيرًا، والصورة تجاوزت توقعات الكثير من المتابعين، وهذا وحده حدث يستحق التوقف عنده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى