
دلالات وأبعاد الخروج المليوني في ذكرى المولد النبوي الشريف للعام 1448للهجرة
تقرير / عباس القاعدي
ترسم المشاهد الجماهيرية المليونية غير المسبوقة التي شهدتها العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات اليمنية في ذكرى المولد النبوي الشريف للعام 1448 للهجرة، معالم مرحلة تاريخية فارقة؛ إذ يتجاوز هذا التدفق الشعبي حدود المناسبة الشعائرية ليعيد رسم المعادلة السياسية والاستراتيجية بامتياز، ويقدم صورة عن مستوى التماسك الاجتماعي والقدرة على الحشد والتنظيم.
وتحمل تلك الحشود المليونية دلالات دينية وسياسية تتصل بالهوية والموقف من القضايا الوطنية والإقليمية، وتجسد عمق التلاحم الوطني والهوية الإيمانية، موجهة رسائل بليغة وحاسمة للداخل والإقليم والعالم تُسقط رهانات التفكيك والحصار، وتمنح القيادة تفويضاً شعبياً مطلقاً لاتخاذ كافة خيارات الردع القادمة.
رسائل تتجاوز الاحتفال:
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء، الدكتور عبد الملك عيسى، أن ما شهدته العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية في هذه المناسبة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مناسبة شعائرية تحتفل بها الحشود بحماس ديني وروحي فحسب، وإنما تحول إلى حدث سياسي واستراتيجي بامتياز، تترسخ فيه الهوية الإيمانية للشعب وتتعزز منه مشروعية المواجهة مع العدو الصهيوني وحلفائه في واشنطن ولندن.
ويوضح في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت” أن الاتساع الجغرافي لمشهد الاحتفال الذي شهدت ساحاته حشوداً مليونية غير مسبوقة في تاريخ اليمن، يعطي دلالات وأبعاداً كبيرة؛ أهمها أن اليمن تحول إلى ساحة واحدة تجسد الإيمان والحكمة في ميدان الولاء الصادق لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنطلقاً للفعل الجهادي في زمن الصمت العربي المخزي.
وبالإضافة إلى الدلالة الدينية، فالمولد النبوي بالنسبة للشعب اليمني مناسبة للتعبير عن العلاقة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ولهذا فإن الحشود تعكس قبل أي شيء آخر مخزوناً دينياً واجتماعياً متجذراً، وقدرة هذه المناسبة على جمع الناس بمختلف فئاتهم ومناطقهم حول رمز جامع يتجاوز الكثير من الانقسامات الداخلية.
ويشدد على أن المشهد اليمني يحمل إلى جانب ذلك دلالة اجتماعية وسياسية شديدة الأهمية؛ حيث يعيش اليمن منذ سنوات ظروف العدوان والحصار وضغوطاً اقتصادية ومعيشية كبيرة، ومع ذلك شهد العالم حشوداً مليونية خرجت إلى الساحات، وهذا يؤكد أن المجتمع اليمني لا يزال يحتفظ بدرجة عالية من التماسك والقدرة على التعبئة الجماعية.
ويشير إلى أن للقدرة التنظيمية والتعبوية دلالة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ إن تنظيم حشود واسعة في صنعاء ومختلف المحافظات لا يحدث بصورة عفوية كاملة، وإنما تقف وراءه قوة أمنية وتنظيمية وسلطات محلية ولجان ومؤسسات قادرة على تحريك الجمهور وتنظيمه، وهذا بحد ذاته أحد عناصر القوة في أي واقع سياسي؛ لأن القوة لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من سلاح، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على قاعدتها الاجتماعية والشعبية.
ويتطرق الدكتور عيسى إلى رسائل حشود المولد النبوي المليونية، مؤكداً أن تلك الحشود أوصلت رسالة للأعداء — وخاصة الأمريكي والإسرائيلي والسعودي — تؤكد أن سنوات الحرب والعدوان والحصار الاقتصادي لم تكسر الإرادة الشعبية، ولم تفصل القيادة في صنعاء عن قدرتها على الحشد في مختلف الساحات، نصرةً للقضايا الدينية والوطنية والسياسية.
ويضيف: «هناك رسالة أخرى إلى العدو الأمريكي والإسرائيلي تحديداً، لا سيما أن المولد هذا العام يأتي في سياق إقليمي ارتبط فيه الموقف اليمني بصورة مباشرة بفلسطين وإيران؛ فالحشود أرادت أن تقول إن الموقف من غزة وفلسطين وإيران يُقدَّم داخل المجتمع بوصفه جزءاً من الهوية الدينية والسياسية؛ لأن الخصم عندما يدرس اليمن لا ينظر فقط إلى الصاروخ أو المسيّرة، وإنما يسأل أيضاً: ما البيئة الاجتماعية التي تقف خلف هذا القرار؟ وإلى أي مدى تستطيع تحمل تبعاته؟».
ويبين عيسى أن في حشود اليمن رسالة إلى الشعوب العربية والإسلامية تؤكد أن الشعب اليمني — رغم ما يعيشه من ظروف اقتصادية صعبة — يريد أن يقدم نفسه باعتباره حاضراً في قضايا الأمة الإسلامية، وأن ارتباطه برسول الله يُراد له أن يتحول إلى موقف عالمي يؤكد التمسك بالقضايا الإسلامية العادلة ومواجهة المشروع الصهيوني، وصولاً إلى الاستقلال عن الهيمنة الخارجية.
ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي أن الرسالة الأعمق التي خرج بها الشعب اليمني تتمثل في الاتساع والاستمرارية والتزامن والقدرة على التنظيم؛ فالصورة التي أراد الشعب اليمني وقيادته الحكيمة، أن يبعث بها إلى الخارج هي أن الشعب الذي واجه أكثر من عقد من العدوان والضغوط ما يزال قادرًا على الاجتماع في ساحات المولد النبوي، وأن عناصر القوة في صنعاء تتمثل في القوة الشعبية التي لها أبعاد اجتماعية ودينية وسياسية وعسكرية.
ويلفت إلى أن اليمنيين استطاعوا أن يحولوا فعاليات المولد النبوي من مناسبة دينية إلى رسائل تاريخية لإظهار الهوية والتماسك الشعبي والإرادة السياسية، وإرسال رسالة مفادها أن الضغط الخارجي — مهما اشتد — لم ينجح ولن ينجح في تفكيك هذه البيئة الاجتماعية أو إضعاف قدرتها على الحشد ومناصرة القضايا والمحافظة على شعار الإسلام.
مناسبة استثنائية ومرحلة تاريخية فارقة:
وكون الحشود في المولد النبوي تشكل برهاناً ساطعاً على أصالة الارتباط الروحي والعقائدي للشعب اليمني بالنبي الأعظم وثباته على نهج الأنصار في نصرة الحق؛ يؤكد مدير البرامج العامة في قناة “المسيرة” الأستاذ محسن الشامي، أن المشاهد الجماهيرية المليونية غير المسبوقة التي شهدتها العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات اليمنية احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف للعام 1448 هـ، تمثل حدثاً استثنائياً يتجاوز أبعاد الاحتفال الاعتيادي ليرسم معالم مرحلة تاريخية فارقة.
ويوضح في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت” أن التدفق الشعبي الهائل يحمل في طياته أبعاداً عقائدية وسياسية واجتماعية وقيمية واستراتيجية عميقة، تحمل في طياتها رسائل بليغة للداخل والإقليم والعالم، حيث تتجلى أبرز دلالاته وأبعاده في تجسيد صادق لعظيم الشكر والامتنان لله تعالى على نعمة بعثة الرسول الأعظم، وامتثال خالص لأمره جل وعلا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وكذلك إبراز لعميق الابتهاج الشعبي والتعظيم لأعظم شعائر الله المتمثلة في شخص الرسول الكريم والرسالة الخاتمة، وتأكيد يماني راسخ على التمسك بالقيم والمبادئ الإيمانية والاقتداء السديد بالرسول الأعظم في مواجهة التحديات ومواقف الحق، بالإضافة إلى الموقف الحازم والمباشر الذي يمثل رداً عملياً بوجه كل من يسيئون إلى مقام النبي الأكرم أو يجرؤون على إحراق المصحف الشريف، وتأكيد على أن المقدسات الإسلامية خط أحمر.
أما عن أبعاد الحشود المليونية في العاصمة صنعاء والمحافظات الأخرى، فيبيّن الشامي أنها تمثلت في دعوة الأمة وتوجيه نداء لكل أبنائها لضرورة الالتفاف حول القرآن الكريم، والعودة الصادقة والعملية إلى الرسول والرسالة كمخرج وحيد لاستعادة عزتها وسيادتها.
ويشير إلى أن الشعب اليمني — بخروجه المليوني — جسد معنى التلاحم الوطني والاعتصام بحبل الله كسد منيع أمام كل محاولات التفكيك وإثارة النزاعات التي يسعى إليها الأعداء، وشكّل رسالة صارمة لجميع دعاة الفتنة وأدواتهم الاستخباراتية وشبكات التجسس بأن الجبهة الداخلية عصية على الخرق وأصلب من كل المؤامرات الشيطانية.
وينوه إلى أن الدولة في صنعاء أظهرت مستوى من الكفاءة المؤسسية والانضباط العالي في إدارة واستيعاب تلك الحشود المليونية، التي أكدت على الموقف المبدئي والتاريخي لليمن في نصرة الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية، وإسقاط كافة الرهانات الساعية لإضعاف إرادة الشعب اليمني أو تركيعه، مبيناً أن في تلك الحشود رسالة تحذيرية شديدة اللهجة للعدو السعودي، بناءً على معادلات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي — حفظه الله — التي تنص على أن استمرار الحصار والتآمر على الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية لليمنيين سينقل المعركة إلى مستويات غير مسبوقة، وأن هذا الخروج المليوني يمثل مظلة شعبية وتفويضاً مطلقاً للسيد القائد لاتخاذ أي خيارات ردع حاسمة.
تفويض شعبي ومعادلات ردع جديدة:
ومن الناحية العسكرية، يرى الخبير العسكري زين العابدين عثمان أن الشعب اليمني بخروجه المليوني للاحتفال بذكرى ميلاد النبي الأكرم محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات رسم لوحة أسطورية تاريخية، استطاع من خلالها أن يحول الاحتفال إلى طوفان بشري تعبوي زلزل أركان معسكر الأعداء بقيادة أمريكا والعدو الإسرائيلي وأدواتهما في المنطقة — وفي مقدمتها السعودية — وأفشل مخططاتهم ومشروعاتهم الهادفة إلى تركيّع الشعب اليمني وتفتيته واستباحته أرضاً وإنساناً، وفصله عن قيادته وهويته الإيمانية الراسخة.
ويضيف: «الخروج المليوني في هذه الذكرى العظيمة جسد من جديد — كما في كل عام — صلابة وعنفوان الشعب اليمني وتماسكه وصموده والتفافه الاستراتيجي حول قيادته القرآنية ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -بحفظه الله تعالى- إضافة إلى تجديد الولاء الصادق والراسخ للسيد القائد وإعلان التفويض الكامل لكل الخيارات ولكل ما يصدر عنه من موجهات في مواصلة معركة التحرير ومواجهة قوى الطاغوت أمريكا والعدو الإسرائيلي وأدواتهما كالسعودية».
ويؤكد عثمان في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت”، أنه عندما ترصد أجهزة استخبارات العدو الأمريكي والسعودي الخروج اليمني المهيب، فهي تنظر فعلياً إلى وفاة مشروعاتهم ومخططاتهم العدوانية تجاه اليمن.
ويوضح أن العدو الأمريكي وأدواته السعودية والإمارات وغيرها ظل لعقود يراهن على إضعاف الشعب اليمني عبر سياسات التفكيك والإفقار والحصار والحروب العدوانية، مشيراً إلى أن الحشود المليونية في المولد النبوي أكدت انهيار هذه الفرضية بالكامل؛ إذ أصبح العدو يقرأ اليوم معادلة جديدة: وهي أن الشعب اليمني لم يعد كثافة سكانية قابلة للتطويع والتركيع، وإنما أصبح جيشاً احتياطياً دائم الاستعداد، وقادراً في أي لحظة على التحول إلى فيالق ضاربة لملايين المقاتلين.
ويرى عثمان أن العدو الأمريكي والسعودي — خصوصاً في ظل هذه المرحلة — يدرك أن أي مواجهة مقبلة أمام هذه المعادلة الكبرى التي رسخها شعبنا اليمني لن تكون مع القوات المسلحة، وإنما مع أمة مقاتلة بأكملها، وأن مخططات التفكيك والاحتلال والتركيع لهذا الشعب أصبحت مجرد خطوات انتحارية غير قابلة للتطبيق لا في الحاضر ولا في المستقبل.
ويؤكد الخبير العسكري أن السعودية — بإشراف أمريكي — والتي ما زالت تفرض الحصار وتعتدي على شعبنا اليمني وتمارس الاحتلال لأجزاء من بلدنا منذ 12 عاماً، لن تكون في مأمن؛ فمسارات المواجهة التي بدأت فيها قواتنا المسلحة بفرض معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” ليست إلا مقدمة لمسارات وخيارات عسكرية كبرى، لافتاً إلى أن الشعب اليمني الذي خرج بثقله المليوني في ذكرى ميلاد النبي الأكرم (صلوات الله عليه وآله) أثبت جهوزيته وتفويضه الكامل للقيادة ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله تعالى- في خوض غمار هذه المعركة وكسر الحصار وقطع أذرع العدو السعودي وتحرير كامل الأراضي اليمنية المحتلة.
كما يؤكد أن ما بعد الخروج المليوني في مناسبة الذكرى العظيمة لن يكون كما قبله؛ فما ستشهده الأيام والمراحل القادمة ستكون مسارات تصعيد ستقلب الموازين بأكملها على العدو السعودي والأمريكي، وسيثبت فيها شعبنا اليمني — بعون الله تعالى وفي ظل قيادته الثورية والسياسية والعسكرية — قوته وصلابته في الصمود وفي ميادين القتال حتى تحقيق النصر والتحرير الكامل لليمن.
المسيرة نت



