
اليمن يكتسي حلته المحمدية.. وشعبٌ يحتفي بأشرف خلق الله
عبدالله علي هاشم الذارحي
على مدى أكثر من شهر، اكتسى اليمن حلته السندسية الخضراء، وتعطرت أجواؤه بالصلاة والسلام على رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- في مشهدٍ شعبي واسع لا يمكن اختزاله في مظاهر احتفالية عابرة، لأنه في جوهره تعبير عن علاقة إيمانية عميقة بين شعبٍ عُرف منذ فجر الإسلام بحبه للنبي الكريم، وبين مناسبة تستحضر مولد خاتم الأنبياء والمرسلين.
فمنذ وقتٍ مبكر، بدأ الشعب اليمني وقيادته الاستعداد لهذه المناسبة، وتوالت اللقاءات الموسعة والفعاليات الخطابية والشعرية، والمسيرات الطلابية، والأنشطة التربوية والشعبية، والأمسيات الثقافية والتوعوية، والندوات والوقفات والمسيرات الضوئية واللقاءات العلمائية، لتشمل المدن والأرياف، والمؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية، في لوحة شعبية متكاملة عنوانها: محمد رسول الله.
وهنا تكمن أهمية المولد النبوي في الوعي اليمني؛ فالمولد ليس مجرد استذكار تاريخي ليوم وُلد فيه النبي -صلى الله عليه وآله- وإنما مناسبة لإحياء سيرته، واستحضار أخلاقه، وتجديد الاقتداء به، وربط الأجيال برسالته ومبادئه وقيمه.
قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وهي آية تختصر جانبًا مهمًا من شخصية الأمة التي أرادها الإسلام: عزةٌ في مواجهة العدوان والاستكبار، ورحمةٌ وتكافلٌ وتراحمٌ بين أبناء المجتمع.
ولذلك لم تقتصر مظاهر الاحتفاء على الأعلام والإنارة والفعاليات، بل اقترنت بالمبادرات الاجتماعية ومشاريع الإحسان والتكافل.
فقد دشنت الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد برنامج مشاريع «وتعاونوا على البر والتقوى» بقيمة أربعة مليارات ريال للعام 1448هـ، كما أطلقت هيئة الزكاة، بمناسبة المولد النبوي، مشاريع الإحسان بقيمة أربعة عشر مليار ريال، في صورة تعكس أن الاحتفاء برسول الله لا ينفصل عن الإحسان إلى الناس وخدمة المجتمع.
كما شهدت المحافظات مهرجانات وفعاليات احتفالية متعددة، واختُتم مهرجان الرسول الأعظم للثقافة والإبداع في دورته الثالثة عشرة، بما يؤكد أن المناسبة أصبحت مساحة لإبراز الطاقات الثقافية والإبداعية والفكرية، إلى جانب بعدها الديني والروحي.
إن هذه المظاهر وغيرها تقول شيئًا واحدًا: إنّ حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ثقافة متجذرة في وجدان المجتمع، تتحول في كل عام إلى عملٍ ووعيٍ وتكافلٍ وحضورٍ شعبي واسع.
وحين تكتظ غدًا الساحات بالرايات الخضراء، وتتعالى الصلاة والسلام على رسول الله وآله؛ فإن المشهد لا يعبر فقط عن الفرح بمولده، لكنه يعبر أيضًا عن تجديد العهد بالاقتداء به والتمسك برسالته، في زمنٍ تتعرض فيه الأمة لمحاولات متواصلة لسلخها عن هويتها وقيمها وتاريخها.
ومن هنا تأتي خصوصية الاحتفال اليمني بالمولد النبوي الشريف؛ فاليمن الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية”، يرى في هذه المناسبة فرصة لتجديد هويته الإيمانية واستحضار مسؤوليته تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها مواجهة الظلم والعدوان ونصرة المستضعفين.
واليوم، وقد اكتملت الاستعدادات في الساحات المركزية بمختلف المحافظات، تتجه الأنظار إلى يوم المولد النبوي الشريف، حيث يستعد أبناء الشعب اليمني للخروج في حشودٍ شعبية واسعة، ابتهاجًا بذكرى مولد خاتم الأنبياء، وتجديدًا للعهد برسالته وقيمه ومبادئه.
إن الحشود المحمدية التي ستلتقي غدًا في العاصمة صنعاء، في ميدان السبعين، وفي بقية الساحات بالمحافظات، وستستمع لكلمة السيد القائد الحكيم، ليست مجرد أعداد تتجمع في مكان واحد؛ إنها رسالة شعبية تقول إن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- حاضر في وجدان هذا الشعب، وإن محبته ليست مناسبة تنتهي بانتهاء يوم الاحتفال، وإنما منهج حياة واقتداء وسلوك.
وهكذا يستقبل شعب يمن الإيمان والحكمة مولد نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: بالصلاة والسلام، بالفرح، بالثقافة، بالإحسان، بالتكافل، وبالحضور الشعبي الواسع؛ مؤكدًا أن أعظم ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولده ليس مجرد الاحتفال به، وإنما أن نجعل من سيرته نورًا في حياتنا، ومن أخلاقه سلوكًا في واقعنا، ومن رسالته عهدًا لا نحيد عنه.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد وآله، يوم وُلد، ويوم أُرسل، ويوم أضاء برسالته طريق البشرية، ويوم نلقاه وهو عنا راضٍ.
وظهر غد الثلاثاء، الثاني عشر من ربيع الأول 1448هـ، الموافق 25 أغسطس 2026م، سيكون اليمن على موعد مع مشهدٍ مليوني محمدي كبير، عنوانه الفرح برسول الله، وتجديد الاقتداء به، وإظهار الحب والوفاء لنبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم.



