
المولد النبوي عربيًا.. طقوس متعددة واليمن في الصدارة
تقرير/ محمد ناصر حتروش
تتسابق غالبية الدول العربية في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، مع حلول شهر ربيع الأول، الذي يشهد فعاليات وبرامج متنوعة تعبيرًا عن عظمة المناسبة وقداستها، امتثالًا لقوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، وقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).
وتتعدد مظاهر الاحتفاء بالمولد النبوي من بلد إلى آخر، فيما تتصدر اليمن المشهد عالميًا، وليس عربيًا فحسب، من حيث حجم الاحتفاء بالمناسبة، حيث يحتشد ملايين اليمنيين في أكثر من 500 ساحة مركزية وفرعية، موزعة بين العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات، لإحياء المناسبة الكبرى في 12 ربيع الأول، التي تمثل تتويجًا لسلسلة من الفعاليات والبرامج والأنشطة والمبادرات التي تبدأ مع مطلع شهر ربيع الأول وتستمر حتى يوم المولد النبوي الشريف.
يتصدر ميدان السبعين المشهد، بوصفه الساحة المركزية الأكبر، فيما تتواصل فيه أعمال التجهيز استعدادًا ليوم المناسبة الكبرى. وبين ساحاته، تتكامل الاستعدادات بإنشاء مستشفيات ميدانية تضم الطوارئ والعناية المركزة وبنك الدم وغرف العمليات، إلى جانب منظومات متطورة للبث والصوت والإضاءة.
وفي مختلف الساحات، تزهو الشتلات والزهور والمساحات الخضراء، بينما تفتح شاشات LED وشبكات البث المباشر نوافذ واسعة لنقل الفعاليات. وتمتد أضواء المناسبة إلى المباني والسيارات والسلاسل الجبلية ومآذن المساجد، لترسم مشهدًا يحتفي بربيع النور في عموم المحافظات.
وتحضر فلسطين في قلب الفعاليات، بوصفها قضية دينية يجمع عليها المسلمون، ليجدد اليمنيون تمسكهم بها، وترتفع رسائل الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني. وإلى جانب الاحتفاء، تمتد يد الإحسان عبر الإفراج عن المعسرين، وتوزيع السلال الغذائية، وإقامة الموائد المجانية، وتقديم التخفيضات الطبية، في صور تستلهم جانبًا من سيرة وسلوك الرسول الأكرم محمد، صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.
أما الموروث الشعبي، فيحجز مكانه في تفاصيل المناسبة، مع انعقاد الأمسيات والزفات وكذا قراءة المولد المحمدي في المساجد وحضور قهوة القشر والكعك والجعالة اليمنية، لتلتقي في المشهد روح المناسبة بخصوصية الموروث اليمني
المولد النبوي في مصر.. احتفاء ديني وموروث شعبي متجذر
وتتميز مصر في إحياء المولد النبوي الشريف بمزيج من الاحتفاء الديني الرسمي والمظاهر الشعبية ذات الجذور الفاطمية، بما يمنح المناسبة حضورًا واسعًا في المجتمع المصري.
وتتزامن الفعاليات مع مبادرات رقمية وإعلامية يطلقها الأزهر الشريف، من بينها “أزهر بودكاست” وحملة “وُلِدَ الهُدى”، إلى جانب أسابيع ثقافية تنظمها وزارة الأوقاف في مساجد آل البيت والمساجد الكبرى، تتناول السيرة والحديث والدلائل النبوية.
وفي حين تجدّد دار الإفتاء والأزهر التأكيد على مشروعية الاحتفال بالمولد وشراء الحلوى والتهادي بها، تشهد الأسواق المصرية انتشار شوادر الحلوى والعروس والحصان، فيما تحافظ ورش الأحياء التاريخية على صناعة القوالب التقليدية.
وتتواصل مظاهر الاحتفاء عبر الموكب الصوفي في القاهرة التاريخية، والليالي الإنشادية والمدائح النبوية، إلى جانب سرادقات “طعام المولد” التي تقدم الأطعمة والمشروبات للمارة، بما يعكس البعد الاجتماعي والتكافلي للمناسبة.
المولد في المغرب.. روحانيةٌ وتراث
يحضر المولد النبوي الشريف في المغرب بطابع ديني ورسمي وتراثي، تنسجم فيه المجالس العلمية والطقوس الدينية مع العادات الشعبية والمظاهر الاجتماعية المتوارثة.
ويترأس العاهل المغربي، بصفته الحاكم حفلًا دينيًا رسميًا يتخلله ختم القراءات الجماعية للقرآن الكريم وإنشاد الهمزية والبردة، فيما تشهد المساجد والزوايا خلال ربيع الأول مجالس لقراءة “الشفا” و”دلائل الخيرات”، فترافق المناسبة أنشطة اجتماعية عدة بينها العفو الملكي والمكرمات للكتاتيب القرآنية ودور الأيتام.
ويعد موكب الشموع بمدينة سلا كأحد أبرز المظاهر التراثية، حيث تنطلق مسيرة عشية المولد تحمل خلالها شموع ضخمة مزخرفة، بمشاركة الفرق الشعبية والعيساوية والكناوية، لتستقبل الزوايا الصوفية آلاف الزوار لإقامة مجالس الذكر وإنشاد المدائح النبوية.
وتحافظ الأسر المغربية على عاداتها الغذائية والاجتماعية، بإعداد الكسكس والثريد والعصيدة، وزيارة الأقارب وارتداء الأزياء التقليدية وتبادل التهاني.
“الطمينة”.. مذاق المولد في الجزائر
وتحضر “الطمينة” بوصفها من أبرز الأطباق المرتبطة بصباح المولد، وهي حلوى تُعد من السميد المحمص والعسل والزبادي، وتُزين بالقرفة واللوز، وتحافظ على حضورها ضمن العادات الغذائية المتوارثة للمناسبة.
وتجتمع العائلات الجزائرية في ليلة المولد حول أطباق تقليدية تختلف من منطقة إلى أخرى، فتبرز الرشتة بالدجاج في العاصمة والوسط، والثريد في الشرق، فيما يحضر الكسكسي باللحم في مناطق الغرب والجنوب.
ويمتد الاحتفاء بالمولد إلى المبادرات الاجتماعية، حيث تُنظم حملات للختان الجماعي للأطفال، ولا سيما الأيتام وأبناء الأسر محدودة الدخل، بالتزامن مع توزيع الملابس الجديدة والمساعدات المالية على الأسر المحتاجة وذلك اقتداء ببعض من سيرة الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.
المولد السوداني.. مواكب صوفية وموائد مفتوحة
ويمتاز السودان بطابع صوفي مميز وموروث شعبي أصيل في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، حيث تشكل “ساحة المولد” في أم درمان، بجوار مسجد الخليفة عبد الله التعايشي، إلى جانب ساحات المدن الأخرى، مركزًا رئيسيًا للفعاليات التي ترافق المناسبة.
وتنطلق مع بداية شهر ربيع الأول فعاليات “الزفّة”، وهي موكب احتفالي حاشد يتقدمه رجال الشرطة والفرسان، تليه الطرق الصوفية، وفي مقدمتها الختمية والقادرية والسمانية والبرهانية، حاملة أعلامها وبيارقها الملونة، على وقع “النقاطين” والطارات، وصولًا إلى الساحات العامة.
وتقام في تلك الساحات عشرات السرادقات والمقامات المؤقتة الخاصة بالطرق الصوفية، لتتحول على مدى 12 ليلة إلى منابر مفتوحة لقراءة قصة المولد، وإقامة حلقات الذكر والإنشاد على إيقاع الدفوف.
وتحضر قصائد المديح النبوي بوصفها أحد أبرز ملامح المناسبة، مع تداول مدائح الحج برعي، وود زايد، والصابونابي، في حلقات إنشاد يشارك فيها المداحون والمستمعون وسط أجواء روحانية وشعبية تليق بمقام الرسول الخاتم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.
وتبرز مآدب الطعام المفتوحة كإحدى صور الكرم السوداني، حيث تُقدّم “الفتة السودانية” في صوانٍ كبيرة مجانًا لزوار الساحات والفقراء وعابري السبيل ناهيك عن انتشار الأسواق المؤقتة لبيع حلويات المولد حول ساحات الاحتفال ومنها السمسمية والفولية والحمصية والسمسمية الناعمة، فيما تحافظ “عروس المولد” المصنوعة من السكر والمزينة بالأوراق الملونة، إلى جانب “الحصان”، على حضورها بوصفها هدية تقليدية للأطفال والأسر والمخطوبين.
من دجلة إلى قلعة أربيل.. رحلة في طقوس المولد العراقي
ويتجسد الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في العراق في تنوع ثقافي وجغرافي لافت، حيث تجتمع المظاهر البغدادية العريقة مع الطقوس الكردية والموصلية الأصيلة، في مشهد يجسد تعدد الموروثات العراقية المرتبطة بالمولد النبوي الشريف.
وتتخذ الاحتفالات في بغداد من جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في الأعظمية مركزًا رئيسيًا لها، حيث تحتشد المئات من السفن والقوارب المضيئة في نهر دجلة المحاذي للمسجد، بالتزامن مع إطلاق الألعاب النارية وتزيين جسر الأئمة والمآذن بالأنوار الخضراء.
وفي إقليم كردستان، تستقبل قلعة أربيل التاريخية وسوق القيصرية احتفالات حاشدة، حيث تُضاء القلعة بالكامل، وتقام حلقات الذكر والمديح الكردي التراثي، ومنها “القصيدة المحمدية”، على إيقاعات الدفوف الكبيرة.
أما الموصل، فتشهد المساجد التراثية، وفي مقدمتها جامع النوري الكبير، مجالس لقراءة السيرة النبوية وتقديم الموشحات الموصلية، وسط حضور واسع للأسر.
وتظهر “الزردة” كإحدى أبرز العادات الشعبية المرتبطة بالمولد، وهي حلوى من الأرز المطبوخ بالسكر والزعفران وماء الورد، وتزين بالقرفة والمكسرات، قبل توزيعها على الجيران والأقارب والفقراء.
وتنتشر عادة توزيع “الجكليت” و”المُلبّس” على الأطفال والمارة، فيما تتواصل حلقات المديح والإنشاد الديني بالعربية والكردية والتركمانية والفارسية في المساجد والساحات خلال ليلة المولد، لتجسد المناسبة تنوعًا ثقافيًا وروحيًا حاضرًا في مختلف المناطق العراقية.
عُمان في رحاب المولد.. روح الإيمان ودفء المجتمع
تتميز سلطنة عُمان في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بطابع هادئ يجمع بين النسك الإيماني، وإحياء المتون التاريخية، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، فيما تشكل “السبلة العُمانية” إحدى أبرز المساحات التي تحتضن مظاهر الاحتفاء والتواصل المجتمعي.
وتقام في المساجد والسبلات العامة بمختلف المحافظات، ومنها مسقط ونزوى وصحار، مجالس “المالد”، التي يجتمع فيها الأهالي لقراءة السيرة النبوية والاستماع إلى الموشحات والقصائد العُمانية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويركز المالد العُماني على إحياء متون السيرة، ومنها “مولد ابن كثير”، إلى جانب إنشاد قصائد البردة والهمزية للشيخ أبي مسلم البهلاني وغيره من علماء وأدباء السلطنة.
وتترافق هذه المجالس مع ندوات وأمسيات فكرية تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتنسيق مع المؤسسات الثقافية، وتتناول الأخلاق المحمدية ودور السيرة النبوية في تعزيز القيم المجتمعية والأسرية.
وتبرز السبلة العُمانية بوصفها فضاءً اجتماعيًا رئيسيًا خلال المناسبة، حيث تفتح أبوابها بعد صلاة العصر وحتى ساعات الليل، ويجتمع فيها الأهالي والأطفال، وسط مظاهر الضيافة العُمانية الأصيلة.
وتحضر الحلوى العُمانية والقهوة في صدارة الضيافة، حيث تُعد أنواع الحلوى المختلفة، ومنها السلطانية والزعفرانية، إلى جانب القهوة المنكهة بالهيل والزعفران، للتهادي بين الجيران واستقبال الزوار.
وتتسع مظاهر الاحتفاء لتشمل صلة الرحم وزيارة كبار السن وتقديم الصدقات والمساعدات للأسر المتعففة، فضلًا عن تنظيم مسابقات قرآنية للأطفال تشجعهم على حفظ القرآن وتدارس السيرة النبوية.




