
20 عملية في 12 ساعة: المقاومة في لبنان تكسر هجوم الاحتلال وتفرض معادلة النار والسيطرة
بينما ظن العدو الإسرائيلي أن ترسانته النارية الإجرامية وسياسة الأرض المحروقة قادرة على ليّ ذراع الأرض، تبرز المقاومة الإسلامية في لبنان كدرعٍ استراتيجي صلب، لا يكتفي بالدفاع، وإنّما يفرض معادلاته السيادية بنار اليقين والسلاح؛ فخلال الساعات الـ 12 الماضية، شهد الميدان تصعيدًا عملياتيًّا استثنائيًّا، نفذت فيه المقاومة 20 عملية عسكرية نوعيّة ومتدرجة، عكست قدرة فائقة على التحكم بمسار المعركة البرية والنارية على حدٍّ سواء.
وجاءت عمليات المقاومة اليوم ضمن سلسلة عمليات “العصف المأكول”، كصياغة عملية لمعادلة الاستنزاف القاتل التي استدرجت قوات العدو المتقدمة إلى مربعات الموت، وتحديدًا في محيط مدينة “بنت جبيل” التاريخية وبلدة “الخيام” الصامدة، حيث تكسرت أنياب القوات الصهيونية المتوغلة أمام بأس المجاهدين، وأثبتت منظومة القيادة والسيطرة للمقاومة أنها تعمل بكامل كفاءتها.
ورغم كثافة الغارات الصهيونية ومحاولات التشويش، إلا أن المقاومة وخلال نصف يومٍ مضى، أدرت 20 عملية متزامنة جغرافيًا وناريًا بين الصواريخ والمدفعية والمسيرات الانقضاضية، ما يؤكد فشل مناورة النار الصهيونية العنيفة في تحقيق أهدافها بقطع أوصال الاتصال بين المقاومين وقيادتهم.
وفي تفاصيل المشهدية لليوم الأحد، بدأت فصول الملحمة عند الساعة 07:10 صباحًا، حين استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية تجمّعًا لجنود العدو في مغتصبة “يرؤون” بسربٍ من المسيّرات الانقضاضيّة، ليكون ذلك فاتحة الردّ على الخروقات الصهيونية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار واعتداءاته على قرى الجنوب.
ومع استمرار تعنت العدو، توالت العمليات النوعيّة، حيث استهدفت المقاومة عند الساعتين 05:15 و05:30 تجمعات لآليات وجنود العدو في مدينة الخيام بدفعتين من الصليات الصاروخية المركزة، متبوعةً بعملية جراحية عند الساعة 09:45، استهدفت آلية عسكرية تضم طاقمًا قياديًا في بلدة “الطيبة” بمحلقة انقضاضية أصابت هدفها بدقة متناهية.
هذا التسلسل العملياتي جاء ليؤكد أن المقاومة التي التزمت بوقف النار وواجهت غدر العدو، لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن ردها سيستمر ويشتد حتى يتوقف العدوان الإسرائيلي الأمريكي الشامل على لبنان وشعبه، وهو ما وثقه الإعلام الحربي بمشاهد بطولية تظهر استهداف قاعدتي “ليمان وشراغا” شمال فلسطين المحتلة، وقاعدة “غفعات أولغا” غربي مدينة “الخضيرة” بصاروخ نوعي خرق منظومات الدفاع الجوي للعدو.
في القطاع الأوسط، حيث دفع العدو بالفرقة 98 بكامل ثقلها (لواء الكوماندوس 89، ولواء المظليين 35) مسنودة بلواء “غفعاتي 84” من الفرقة 162، في محاولة يائسة لفرض طوق هجومي محكم حول مدينة “بنت جبيل” من محاور “عيناتا وعيترون ومارون الراس ويارون”، تحولت هذه الحشود إلى أهداف مستساغة للمجاهدين.
حيث تمكنت المقاومة من تحطيم زخم الهجوم عبر تكتيكات متكاملة، أبرزها الدفاع البري الذي حول محيط المدينة إلى مقبرة للدبابات، حيث تم تدمير 4 دبابات “ميركافا” (3 في بنت جبيل وواحدة في عديسة) عبر استهدافات مركبة بدأت بصواريخ موجهة وانتهت بمحلقات انقضاضية للإجهاز على من فيها.
ويكشف الفشل الميداني عن أزمة بنيوية في جيش الاحتلال الصهيوني، الذي اضطر للزج بـ “سرايا المسار” وهم مجندون جدد من دفعة أغسطس 2025م، لم يكملوا تدريبهم الأساسي، ليكونوا رأس حربة في مواجهة نخب المقاومة، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في صفوفهم، ورغم تكتم العدو عن خسائره إلا أنه اعترف بمصرع الجندي “موشيه كاتس” وإصابة آخرين من الكتيبة 890 مظليين، في دلالة واضحة على استنزاف القوات النظامية الخبيرة للعدو.
وعلى وقع الصليات الصاروخية التي استهدفت تجمعات العدو في “تلة الحمامص” جنوب الخيام عند الساعة 13:00، ومقر قيادة كتيبة السهل في ثكنة “بيت هلل” عند الساعة 13:30، كانت المقاومة تدير مناورة “الحركة والنار” باقتدار، مانعةً العدو من تثبيت خطوطه أو إعادة تجميع قواه.
وفي محيط تلة “شمران” بمدينة بنت جبيل، انهمرت الصليات الصاروخية عند الساعات 07:30 و09:30 و13:30 و14:50، لتجعل من محاولات التقدم الإسرائيلي انتحارًا عسكريًا محققًا، ولم يتوقف الأمر عند الحافة الأمامية، وإنّما امتدت يد المقاومة لتضرب العمق التكتيكي للعدو، مستهدفة قاعدة “جبل نيريا” التابعة لقاعدة “ميرون” للمراقبة الجوية، وموقع “بلاط” المستحدث بقذائف المدفعية، وصولًا إلى قاعدة “فيلون” جنوب مستوطنة “روش بينا”، والبنى التحتية في مستوطنة “كرميئيل”، ومستوطنات “كريات شمونة” و”مرغليوت” و”أفيفيم” و”شلومي”.
هذا الإسناد الناري والمدفعي المتواصل، وفر لمشاة المقاومة حرية المناورة والالتحام في بلدات “دبل ورشاف وبيت ليف والقوزح والبياضة”، حيث تم سحق تجمعات العدو بقذائف المدفعية والصواريخ النوعيّة.
وفي قراءةٍ أعمق للمشهد، نجد أن المقاومة مارست تكتيك الدفاع الجوي الهجومي عبر استهداف القواعد الاستراتيجية لتشتيت القبة الحديدية، بينما لجأ العدو، في حالة من التخبط، إلى سياسة عزل الأنساق وتقسيم مسرح العمليات إلى ثلاثة محاور: الأول استهدف النبطية ومحيطها لعزل القرى، والثاني استهدف قضاء صور وإقليم التفاح لخنق الإمداد، والثالث في الحافة الأمامية باستخدام القذائف الفوسفورية -المحرمة دوليًّا- والتمهيد الناري الكثيف.
ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فإنّ هذا التكتيك المزدوج الذي يعتمد على الطيران الحربي وسرب الاستطلاع، فشل أمام مرونة المقاومة التي استبدلت الصواريخ الكلاسيكية بالمحلقات الانقضاضية الموجهة، ما شل حركة الدروع وجعل منظومة “معطف الريح” عبئًا على الاحتلال.
كما أن ما يروج له قائد المنطقة الشمالية المجرم الصهيوني “رافي ميلو” حول إنشاء منطقة عازلة وبناء 15 موقعًا عسكريًا، ليس إلا محاولة بائسة لكيّ الوعي؛ فجيشٌ يعجز عن حماية دبابته في “بنت جبيل”، ويستعين بمجندين مستجدين، هو أعجز من أن يقيم نقاطاً ثابتة في أرضٍ تحترق تحت أقدامه.
وبينما تظل “بنت جبيل” عقدة الانكسار الكبرى للاحتلال؛ فمحاولة الفرقة 98 وألوية النخبة تحقيق نصر معنوي فيها تحولت إلى استنزاف حاد؛ أدارت المقاومة معركة دفاعية استراتيجية استدرجت فيها ألوية العدو إلى ساحات قتل مُعدة مسبقًا.
وبالنتيجة؛ فإنّ المقاومة اليوم، بردِّها الذي طال حتى محطة الاتصالات في ثكنة “العليقة” وبنى تحتيّة تتبع لجيش العدوّ الإسرائيليّ في مستوطنة “كتسرين” بالجولان السوريّ المحتلّ بصليةٍ صاروخيّة، تؤكّد أن وهم طوق بنت جبيل قد تبدّد، وأن كل محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد أو منع عودة السكان ستقابل بمعادلة نارية لا ترحم؛ إذ لا أمن ولا عودة لمستوطني الشمال طالما استمر العدوان، لتبقى كلمة المقاومة هي العليا، ورايتها هي المرفوعة فوق تلال العز والكرامة.

