الغزو الفكري آفةٌ خبيثة وحربٌ خفية

رويدا البعداني

 

ما بين واقع يحتمُ علينا الغوص في بحر أعماقه، ثمة شيء يهيب بنا ويدعونا أن نسلط الضوء على ناصيته بدقة، لنرى الحقيقةَ بأوجِّ ضوئها المتناثر على أرض واقعنا، وكم هو مؤسف أن تزدحم شوارعنا الإسلامية بثقافاتٍ غربية تبعدنا عن الدين كُـلّ يوم أميالاً وأمتاراً، ثقافات شيطانية تصور الدِّين عائقًا وحجر عثرةٍ أمام التطور والتقدم، وربط التطور والتقدم بالانحلال والتخلص من القيم والمبادئ وهذه نظرية تدحضها تجارب الشعوب وثقافاتها عبر التاريخ.

 

لقد اختلفت أدواتُ الحروب بين الشعوب ودخلت أسلحةٌ جديدةٌ على ساحات الوغى، منها مَـا هو مرئي والغالبُ منها خفي ناعم يتمثل بالمغريات الصادّة عن التعلم والتعليم ودس السم بالعسل، لقد تسرب ذلك التلوث الفكري وغزا عالمنا ببطء وبذكاء وبدهاء، فنحن اليوم نمر بثورة فكرية عارمة، مثل السيل الذي يجرف كُـلّ الأوساخ ويقذف بها، حَيثُ لا قرار، وحيثُ تاهت تلك الحرب اللعينة التي غزت عقولنا لعقود.

 

إن التركيزَ على تشويه الإسلام بصورٍ مبتكرة مدعومة من قوى خفيةٍ ناعمة تتمثل تارةً بتياراتٍ متشدّدةٍ تُقصي الآخر ولا تعترف بوجوده وتارةً أُخرى بتياراتٍ لينةٍ لا تثبت على مبدأ، مقابل الاحتفاظ بسلطتها ومركزيتها، هذا كله يصب في صالح من يريد لهذه الأُمَّــة الهلاك والاندثار والتبعية إلى الأبد، ورضي الله عن سيدنا علي بن أبي طالب، حَيثُ يقول: لا تكن قاسياً فتُكسر ولا تكن ليّناً فتُعصر.

 

هكذا استدام الحال حتى ظهرت الثقافة القرآنية التي حوت شرحاً وافياً ومقنعاً ومشبعاً لكل مدارك العقل، فيها قيم عملية تطبيقية، تخرج العقل من ظاهرة “التصنم”، وتدفعه إلى الإحساس بالمسؤولية بهذا الدين، وأنقذت بها الهُــوِيَّة الإيمانية والوطنية.

 

نعم الثقافة القرآنية غيرت العقل والفكر حتى ظهرت ثورة على كُـلّ الثقافات المغلوطة، وهَـا هي في أوج شبابها تزهو وتكبر مع صغارنا وكبارنا وأحجارنا وأشجارنا، فسلام الله على قائد تلك المسيرة ومن اقتفى أثرها بنية صادقة ونفع بها نفسه والمسلمين.

مقالات ذات صلة