آخر عكاكيز واشنطن في اليمن

عمران نت/ 1 / ديسمبر 2018م

بقلم / صلاح الدكاك

كيف يمكن، طبقاً للذهنية الأمريكية، تثمين ما تحت سيطرة تحالفها من جغرافيا يمنية محتلة متاخمة لشريط مائي بحري طويل وشديد الأهمية؟!

بعد ثبوت عجز تحالفها في ضم الحديدة بالاحتلال المباشر إلى مجموع حيازاته اليمنية المغتصبة، وبسالة صمود جيشنا ولجاننا، فإن جنوح واشنطن لدعم مشاورات السلام ليس قطعاً جنوح من يستهدف تسوية حقيقية دائمة في اليمن تحت طائلة اليأس من احتلالها عسكرياً وهزيمة قواته في أكبر حملاتها على الساحل.

لن يكون بوسع واشنطن إدارة ما بحوزتها من حيازات مغتصبة جنوبية وشرقية بغير استراتيجيا الفوضى الخلاقة..

هذه الاستراتيجيا وحدها – طبقاً لشواهد كثيرة منظورة وأخرى تتخلق في الكواليس -هي من تعول عليها أمريكا- برديف بريطاني رئيس ـ في تلافي انفجار مجتمعات الجغرافيا المحتلة بوجه مشروعها وتحالف احتلالها، وأهم من ذلك في تحويل جملة نقائص وإخفاقات ذراعها العسكرية التنفيذية إلى مكاسب تصب في ذات الوجهة والغايات الاستعمارية التي شنت عدوانها بدافع التمكين لها في أكثر مواضع الخارطة الشرق أوسطية حساسية لجهة نفوذها العالمي المهدد بنشوء محاور مناهضة وزاحفة عليه وعازمة على تخليق معادلة جديدة لمفهوم السلم والأمن الدوليين، كما ولمفهوم الإرهاب وجملة قضايا المنطقة والعالم الاقتصادية والسياسية والأمنية.

ليس بإمكان أمريكا – بطبيعة الحال وبحكم المتغيرات الدولية الآسيوية والعربية – أن تتجاوز مخاوف الصين وإيران والهند ومصالحها لجهة سعيها الفاضح للاستحواذ على المسرح المائي الأهم الرابط بين الشرق والغرب، والمؤلف من البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي، ويزداد عجز أمريكا هذا أكثر فأكثر كلما أثخنتها الهزائم الميدانية التي يلحقها الجيش واللجان اليمنية بقواتها العسكرية المتسربلة لبوساً ودعاوى عربية، وبروز مخاطر المضي في هذه المقامرة دون وقوع أمن الممر المائي في أتون اشتباك غير معلوم التخوم…

لهذا كله تسعى أمريكا لاستيلاد ظروف موضوعية في نطاق الجغرافيا المحتلة تتذرع به لتأليف تحالف دولي بقيادتها وشراكة الصين وروسيا، وبدعوى مكافحة الإرهاب وتأمين ممرات الملاحة انطلاقاً من البر اليمني، وهذا التحالف فيما لو تحقق سيكون التملق الأمثل لمخاوف بكين في اعتقاد واشنطن.

ولتخليق نضوج ظرفي موضوعي صوب هذه النقلة يجري منذ وقت مبكر تفريخ جماعات عنف محلية متناحرة بالتزامن مع تجييش واضح للتنظيمات القاعدية والداعشية، والتمكين لها على حساب الجماعات المحلية، حيث باتت هذه التنظيمات هي اليد الضاربة الأقوى قياساً بمثيلاتها من أطر محلية عاملة ومجندة في صفوف التحالف.. بمنأى عن خرافة الـ”شرعية” التي يجري طي آخر صفحاتها كذريعة.

إن ما يسمى (ألوية العمالقة) – الذراع الرئيسة في زحوفات العدو على الساحل الغربي- هي مجاميع داعشية تدين بولائها لرجل الظل الأمريكي المسمى “الخليفة أبو بكر البغدادي”، ويقودها ميدانياً “أبو زرعة المحرمي” الذي أعلن في 2016 رسمياً بيعته للخليفة المزعوم، منشقاً عن تنظيم القاعدة في حضرموت.. إلى ذلك فإن معلومات الصحيفة تشير إلى قائد ظل داعشي آخر لمعارك الساحل سوري الجنسية يتقمص اسم “عدنان البيضاني” كان يتزعم مجاميع إرهابية في الحرب على سوريا لينتقل بتوجيه أمريكي إلى اليمن.

في سياق وثيق الصلة، فإن إثخان كوادر الإصلاح (الإخوان المسلمين) بالجراح، هو عمل ممنهج يهدف لتجييش ردات فعل تنضج ظروف الاحتراب الداخلي الفصائلي في الجغرافيا المحتلة، بما يرفد سيناريو الفوضى الخلاقة بالوقود المطلوب، ومن السذاجة الاعتقاد بأن هذا يجري بمنأى عن التنسيق مع قيادات الإخوان في الخارج والداخل، وفي الظل والواجهة (محمد اليدومي وعبدالوهاب الآنسي وعلي الأحمر وصعتر، وثمة دور غير معلوم حتى اللحظة للزنداني

 

عراب الجهاد الأفغاني اللابد في العتمة عمداً).

تسعى واشنطن إلى استنساخ تجربة شمال شرق سوريا، في نطاق الجغرافيا اليمنية المحتلة..

عندما أخفقت عصاباتها متعددة الجنسية في تقويض الدولة السورية ومركزية دمشق باسم “ثورة الربيع العربي”، لجأت إلى سيناريو التفافي آخر، فدعمت نشوء “دولة داعش” على المساحة الجغرافية التي انحسر فيها نفوذ الدولة السورية ووقعت تحت سيطرة العصابات الأمريكية الكونية، لاسيما شمال شرق سوريا المتاخم للعراق المستهدف بذات السيناريو كمسرح رئيس لـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

لقد تعذر على واشنطن شن عدوان دولي مباشر بغطاء أممي على الجمهورية العربية السورية، لعجز متفاقم في بنية علاقات هيمنة الأحادية القطبية، لجملة عوامل ليس هذا موضع تناولها، كما ولنشوء انقسام حاد في دول “الفيتو” التي لم تكن أمريكا قادرة على تجاوزها والذهاب إلى حرب انفرادية على غرار غزوها للعراق في 2003، كما لم تكن قادرة على تمرير حربها العدوانية المزمعة على سوريا، دون الاصطدام بجدار الرفض الصيني الروسي، وهو ما حدث.

لذا فإن دعوى الحرب على “داعش” كدولة متموضعة ضمن الجغرافيا السورية، كانت الطريقة المثلى لإيجاد موطئ قدم شرعي على تراب سوريا بمباركة روسية صينية راغمة في مجلس الأمن الذي صوت في 2014 لنشوء تحالف عسكري أمريكي دولي أصبح معه للولايات المتحدة مسرح نفوذ في شمال شرق سوريا حتى مع انقشاع خرافة داعش على أيدي الجيش العربي السوري وحلفائه والحشد الشعبي العراقي في كلا البلدين.

إن وقوع الجغرافيا المحتلة من المهرة جنوب شرق اليمن مروراً بحضرموت وشبوة ومأرب وصولاً إلى الشرفة المائية الواصلة بين خليج عدن وباب المندب غرباً، في أتون فوضى خلاقة قوامها احتراب فصائلي يفضي من حيث الغلبة لطيِّ كل اللافتات المحلية العاملة بمعية التحالف ونشر رايات “داعش”، سيتيح للولايات المتحدة، موقعاً ريادياً متقدماً في حلف دولي تضع الصين والهند وروسيا تحت إبطها فيه، وتبسط هيمنتها العسكرية المباشرة على هذا المسرح الجيوسياسي المائي الأهم بذريعة عجز الدولة اليمنية “الفاشلة” عن حمايته، بما يمثله هذا العجز من أخطار داهمة على الملاحة الدولية واقتصادات العالم.

زيارة وزير خارجية بريطانيا إلى إيران، الأسبوع الفائت، وثيقة الصلة بهذا التوجه الكواليسي ولاريب، حيث يمكن من قبيل التكهن القول إن لندن تريد من خلالها أن تستوضح موقف طهران إزاء سيناريو محتمل كهذا فيما لو فشلت تشاورات الحل السياسي في إنجاز تسوية تستنقذ الدولة اليمنية من “حضيض الفشل” واستمر “عجزها القائم المتفاقم” عن بسط السيادة على خارطتها السياسية، وما يترتب على ذلك من “تهديدات للجوار والعالم”، طبقاً للمقاربة الأمريكية الغربية لـ”مآلات الأمر الواقع”.

ومن قبيل التكهن أيضاً، فإن المطلوب من إيران غربياً هو تلافي تطور مجريات الصراع في اليمن صوب هذه الحافة، من خلال دعم سيناريو تقسيم الخارطة اليمنية على طاولة المشاورات السياسية طبقاً لما استهدف تحالف العدوان تحقيقه بالعسكرة وفَشِل.

القطعي هو أنه لا سلطة لإيران على قرارنا الوطني الثوري والسياسي، لكن لديها مخاوف يحاول الغرب مغازلتها لجهة جسر موقف طهران بالمقاربة الاستعمارية كأمر واقع في ضوء خارطة منفلتة.

واستهدافاً لذات الوجهة الغربية “الإنقاذية مجازاً”، كانت زيارة رئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني إلى عُمان؛ الدولة التي تمثل فضاءً مشتركاً لنفوذ إيراني ـ بريطاني قديم، تجتهد “تل أبيب” لاستدراجه كلياً لصالح مخاوفها وبالضد لإيران واليمن، وهي جملة أنشطة زامنت الدعوة لمشاورات سياسية في اليمن، كما والتصعيد العسكري الأكبر للعدوان في الساحل الغربي.

في نهاية المطاف تبقى أمام الولايات المتحدة وبريطانيا عقبة عصية وناسفة لكل حساباتها، مهما أمكنهما تجاوز ما سواها من عقبات افتراضية خارجية..

حيث تبقى الكلمة الأولى والأخيرة لأبناء التراب الذائدين عنه والقابضين على زمام خياراتهم الوجودية باقتدار، والقادرين بجدارة على تحويل مجرى التاريخ برمته لجهة موجبات وجودهم الكريم، عوضاً عن تحويل مجرى مائي يسعى الغرب الامبريالي لأن يتخذ منه عكازاً يسند به وجوده المترنح الآيل للسقوط.

مقالات ذات صلة