الحالة قبل قدوم الإمام الهادي “ع” إلى اليمن

عمران نت/ 16 / اكتوبر 2018م

بقلم / أ. على الشرفي 

كان قدوم الامام الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام إلى اليمن فاتحة خير ومطلع يمن وباب بركة على شعب الإيمان والحكمة وهو الشعب الذي ارتبط تاريخه بمواقف الحق ومواطن الخير , فكان في صدر المجتمعات استجابة وانقياداً للهدى والرشاد .

هذه الخيرية الجبلية التي عرف بها اليمنيون دفعت بهم في سنة280هـ ثم في سنة 284هـ لشد الرحال إلى جبال الرس بالحجاز إلى مقام الإمام الهادي طالبين منه المضي معهم إلى بلادهم ليقيم فيهم دولة الحق والعدل , بعد أن كانت الحالة السياسية والدينية والاجتماعية تنادي بضرورة الاصلاح والتغيير لما وصلت إليه من سقوط  وانحدار و ومن كالإمام الهادي جدير بإخراج اليمن من ذلك النفق المظلم التي أدخلها فيه سلاطين الجور وأئمة  الضلال

  … ولكي نتعرف على ذلك الواقع ، ونقترب منه أكثر وخاصة في زمن كهذا الزمن الذي قلبت فيه الحقائق ، وحرفت فيه الوقائع وطمست فيه فضائل ومحاسن كبار العظماء كالهادي لكل ذلك وغيره يحق لنا أن نترك العنان لأجنحة التاريخ أن تحلق بنا لإلقاء الضوء على الواقع اليمني قبل خروج الامام الهادي عليه السلام ذلك الخروج  الذي لا زال ثماره وخيره  يرتع فيه  أهل اليمن رغم كل ما أحيك ويحاك حولها .

وقبل أن نتكلم عن ذلك الواقع يحق لنا أن نسجل هنا تعجبنا المنبعث من مرارة الألم  من الجهل والتحريف حول تاريخ اليمن وحول شخصية الامام الهادي الذي يمارس من قبل ابواق وأقلام يمنية معاصرة , ألم يعلم هؤلاء المشاغبون أنهم إنما يجنون على تاريخهم ويطعنون في ماضيهم الذي تغنى بعدله من أقصى المذاهب و البلدان  منصفون وأشاد به وشهد له علماء كبار معتبرون ولنا أن نتعرض لبعض الشهادات ليعلم أن من تركه الأقارب سخر له الأباعد ولأن تنكر هؤلاء لعظمائهم فلقد أقبل عليه متعجباً ومنبهراً ومستعظماً غيرهم من أصقاع مختلفة  

 النسابة علي بن أبي الغنائم العمري – المتوفى سنة 441هـ -: “الهادي الجليل الفارس الدين الورع إمام الزيدية، وكان مصنفا شاعرا ظهر باليمن، مات سنة ثماني وتسعين ومائتين، وكان يتولى الجهاد بنفسه ويلبس جبة صوف وكان قشفا رحمه الله” [المجدي في انساب الطالبيين ص 231 ]

 الإمام علي بن حزم الظاهري – المتوفى سنة 456هـ -: “ومنهم القائمون بصعدة من أرض اليمن ؛ فمنهم: جعفر الملقب بالرشيد، والحسن المنتخب، والقاسم المختار، ومحمّد المهدي، بنو أحمد الناصر بن يحيى الهادي بن الحسين بن القاسم الرسي ابن إبراهيم طباطبا؛ وليحيى هذا الملقّب بالهادى رأي في أحكام الفقه، قد رأيته، لم يبعد فيه عن الجماعة كل البعد” [جمهرة أنساب العرب ص 44 ]

المؤرخ النسابة أحمد بن محمد القرطبي – المتوفى نحو 600هـ -: “وكان قدوم الهادي يحيى بن الحسين إلى صعدة لستة خلت من صفر سنة أربع وثمانين ومائتي سنة وكان بين خولان فتنة عظيمة وربيعة فاصلح بينهم واتفقت كلمتهم فملكوه بلاد خولان، وساروا معه إلى اليمن حتى ملكها، وكانوا عمود أمره ونظام دولته، فأقاموا على ذلك حياة يحيى بن الحسين الهادي وحياة ابنه محمد بن يحيى وحياة ابنة الناصر بن يحيى”[ التعريف بالانساب والتنوية بذوي الاحساب ]

 العلامة المؤرخ محمد بن أحمد الذهبي – المتوفى سنة 748هـ -: “يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا العلوي ، كان قد غلب على اليمن ، ودعي له بصنعاء وما والاها عنه ، وضربت السكة باسمه ، ثم خرج من صنعاء بعد غلبة القرامطة ، فصار إلى صعدة ، وتسمى بالهادي أبي الحسن ، وملك نجران وتلك النواحي ، وخطب له بأمير المؤمنين ، وكان حسن السيرة ، مات سنة ثمان وتسعين ، قام بعده ولده محمد ، ولقب المرضى”[ تاريخ الإسلام ج22ص321 ]

 المؤرخ النسابة أحمد بن علي المعروف بابن عنبة – المتوفى سنة 828هـ -: “أما يحيى الهادي بن الحسين بن الرسي ويكنى أبا الحسين ، كان إماما من أئمة الزيدية جليلاً فارساً ورعاً مصنفاً شاعراً ، ظهر باليمن ويلقب بالهادي إلى الحق ، وكان يتولى الجهاد بنفسه ويلبس جبة صوف ، له تصانيف كبار في الفقه قريبة من مذهب أبى حنيفة”[. عمدة الطالب ص171]

 العلامة المحدث يحيى بن أبي بكر العامري – المتوفى سنة 893هـ -: “وقد قاموا بالإمامة بشروطها قاهرين ظاهرين فقام منهم بنجد اليمن نحو بضع وعشرين إماماً ، أولهم وأولاهم بالذكر الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى ، كان مولده بالمدينة ، ومنشاؤه بالحجاز ، وتعلمه به وبالعراق ، وظهور سلطانه باليمن سنة ثمانين ومائتين ، وكان جاء إلى اليمن وقد عم بها مذهب القرامطة والباطنية ، فجاهدهم جهاداً شديداً ، وجرى له معهم نيف وثمانون وقعة لم ينهزم في شيء منها ، وكان له علم واسع ، وشجاعة مفرطة”[ الرياض المستطابة في معرفة من روى في الصحيحين من الصحابة ص307.]

العلامة أحمد بن محمد الأدنه – المتوفى في ق 11هـ -: “يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الحسين .. ويلقب بالهادي ، ولد في المدينة في سنة خمس وأربعين ومائتين, وكان عالماً عاملاً وله مصنفات كالأحكام والمنتخب والتفسير في معاني القرآن، مات بصعدة في شهر ذي الحجَّة سنة ثمان وتسعين ومائتين”[ طبقات المفسرين ص45]

العلامة محمد بن أحمد أبو زهرة – المتوفي سنة ١٣٩٤هـ -: “هو الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ، فهو حفيد الرسي كما أشرنا من قبل ، وقد ولد بالمدنية سنة 245 ، وعكف على الفقه يدرسه من كل نواحيه ، وفي كل مصادره ، وقام هادياً مرشداً يدعو إلى الله سبحانه وإلى صراط مستقيم ، وكان مرجعاً في الدين من كل الطوائف الإسلامية والأمصار المختلفة يسألونه ويستفتونه ، وهو يرد عليهم برسائل قيمة أثرت عنه ، يدافع فيها عن القرآن والسنة ، ويبين الحق الذي يرد زيغ الزائغين”[ الإمام زيد حياته وعصره – آراؤه وفقهه ص509]

القاضي عبدُالله عبد الوهاب الشمَاحي – المتوفي سنة 1406هـ -: “لقد كان الهَادِي مثلاً لصفات القائد والقدوة الحسنة لأتباعه، مترفعاً عن سفاسف الأمور، وعن المتع، شجاعاً في المعارك والأهوال، وفي تطبيق ما يؤمنُ به ويدعو إليه، معتدلاً حتى مع أعدائه”[اليمن الإنسان والحضارة ص١١٦]

الدكتور أحمد صبحي – أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية -: “ولم يكن في حربه يتبع هارباً ولا يجهز على جريح ، وإن طلب المهزومون الأمان أمنهم ورد إليهم أسلابهم ، وكان يتشدد على عسكره أن لا يدخلوا الزرع ولا يستحلوا لأنفسهم شيئاً من ثمار المزارعين ، وحينما اغتصب بعض جنده في ((أثافت)) شيئاً من الخوخ غضب وثار واحتجب عنهم وهمَّ بتركهم وقال : لا يحل لي أن أحارب بمثل هؤلاء، ولا أكون كالمصباح يحرق نفسه ويضي لغيره ، والله ما هي إلا سيرة محمد أو النار ، ولم يسكن غضبه حتى أبدوا ندمهم وتوبتهم عما فعلوا ” [في علم الكلام – الزيدية ص١١٤].

هذا الشهادات العلمائية صعقات تنب كل من يتجاهلون  تاريخهم وحضارتهم وأهل الشح بالتعرف على ماضيهم وأمجادهم النابع من روح الإسلام.

شهدت اليمن في القرن الثالث متغيرات وأحداث متغيره ومرت بمرحلة من الضعف والتدهور طالت كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية كما أشرنا سابقاً وهنا نحاول أن نقف على بعض تلك الحقائق ونستقرأ بعض ذلك الواقع الذي عاشت اليمن في حقبة تاريخية كانت كل الأصقاع الإسلامية تعيش حالة التيه والضعف الذي انعكس على الحالة اليمنية قبل مجيء الإمام الهادي عليه السلام وهو ما نلخصه هنا .

الحالة الدينية قبل مجيء الهادي عليه السلام.

كانت اليمن كغيرها من البلدان الإسلامية تعيش الفرقة المذهبية والتعصب الطائفي لكنها في تلك الفترة بالذات كانت الفرقة في أوجها ويمكن أن نحصر المذاهب المتواجدة في الساحة اليمنية في  الاتي :

الشيعة : ونقصد بالشيعة هنا محبة علي ومحبة بنيه عليهم السلام والميول إليه الذي ارتبط بأهل اليمن منذ أول يوم وطأ علي عليه السلام أرض اليمن واسلمت قبائلها وخاصة همدان على يديه  يقول الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه تأريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن صـ 52 : ( وفي الوقت نفسة كان لليمنيين اعتقاد حسن في حب آل البيت ناتج عن دخول الإمام علي اليمن وخاصة في وسط همدان ) ولهذا الإرتباط العتيق كان معظم اليمنيين على اختلاف مذاهب يدينون بمحبة علي عليه السلام والتظاهر والتفاخر بها حتى قيل بتشيع حنابلتها ولذلك نجد رجال الحديث والعلم اليمنيين منذ صدر الإسلام يظهرون التشيع لأهل البيت الطاهر ويتبنون مواقفهم ويروون فضائلهم  كعبد الملك بن عبد الرحمن الأنباري الذماري شيخ أحمد بن حنبل وإبراهيم بن عمر بن كيسان الذي وثقة ابن معين والنسائي وابن حيان والإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني والذي قال عنه ابن حنبل وابن معين :لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه  , فهؤلاء العلماء المشهورون في الوسط الحديثي والمتقدمون فيه كانوا يظهرون محبة علي عليه السلام  ومحبة ابنائه حتى طعنهم بالتشيع  رجال الجرح والتعديل كما هو ديدنهم في جعل محبة علي عليه السلام من أسباب الجرح في الرواة والطعن واللمز وهؤلاء العلماء من قبل قدوم الإمام الهادي إلى اليمن وهو ما يفند دعوى من يقول أن الهادي هو من أدخل التشيع إلى اليمن ويدل أنه دين اليمنيين الذي درجوا عليه وعرفوا به , منذ جاء علي عليه السلام إليها موفدا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والحقيقة التي لا غبار فيها أن التشيع في اليمن ارتبط بشخص علي وقدومه إليها حتى اختصوا به واختص بهم ففي خلافته اعتمد عليهم عليه السلام اعتماداً كلياً فكان معظم عماله وقادة جيوشه يمنيين كالأشتر النخعي وسعيد بن قيس وأكثر أنصاره في كل معاركة هم يمنيون وأنصاره ولده الحسن عليه السلام  وحتى عندما عزم الإمام الحسين عليه السلام للخروج والثورة على يزيد بن معاوية أشار عليه ابن عباس بالتوجه إلى اليمن وعلل  ذلك بأن فيها لأبيك شيعة وإلى اليمن رحل الإمام يحيى بن عبدالله “ع” والقاسم الرسي ليتخذوا منها مأمناً من ظلم بني العباس ولعلمهم أن فيها أنصار الحق وشيعة علي وال بيته عليهم السلام وهذا التشيع والارتباط بعلي وبنيه عليهم السلام من قبل اليمنيين هو ما يفسر التمرد الدائم على ولاة بني أمية وبني العباس الظالمين والاعتراض عليهم والوقوف في وجههم عند كل مفسدة من مفاسد الدولتين وذلك لأن  علياً عليه السلام وذريته هم حملة لواء الثورة في وجه الطغاة ورواد التغيير  وكل من ارتبط بهم واحبهم  تعلم منهم الإباء والتحرر والثورة وعدم الرضوخ للظالمين ولهذا قاد اليمنيون ثورات متعددة ضد طواغيت الدولتين الأموية والعباسية ودفعوا ضريبة ولائهم لأهل بيت النبي الطاهر من دماهم  و تسبب ولائهم في شن حملات مسعورة من قبل الخلفاء الأمويين والعباسين على بلادهم  لثنيهم عن محبة علي عليه السلام ولإخماد الثورات التي قادها أولئك اليمانيون مستلهمون من علي وأبنائه روح الإباء والشجاعة والفداء وهو ما يعاد اليوم ولنفس الأسباب من قبل آل سعود بارتكابهم المجازر اليومية بحق اليمنيين .

  في  سنة (40هـ) أرسل معاوية بن ابي سفيان  بسر بن أرطأ على جيش جرار وكان هدف تلك الحملة كما تذكر كتب التاريخ تتبع شيعة علي عليه السلام والقضاء عليهم فقتل بسر من اليمنيين أمما وأغار على همدان وسبى نسائهم وباعهن في الأسواق وفي خلافة المنصور العباسي وفي سنة (141 هـ) بالتحديد أرسل المنصور  جيشاً بقيادة معن بن زائدة الشيباني فأخرب مدينة المعافر وقتل نحو (2000 رجلاً ) كما قتل عبدالله بن يحيى الحضرمي و في عام (184 هـ) أرسل هارون المسمى بالرشيد جيشاً كبيراً بقيادة حماد البربري وطلب منه أن يسمعه  أصوات أهل اليمن ولم تستقر حرب ذلك الجيش مع اليمنيين إلا بعد مقتلة عظيمة قتل فيها  أكثر من (20) ألفا معظمهم من اليمن و في عهد المأمون في عام ( 200 هـ )  أرسل المامون جيشاً بقيادة  محمد بن علي بن عيسى بن ماهان لإخماد الثورة  الذي قام بها ابراهيم بن موسى الكاظم ضد بني العباس ثم أرسل إليها محمد بن ابراهيم بن زياد في سنة ( 203 هـ ) لإخماد ثورة الأشاعرة وعك في تهامة , ولعل أبرز الأدلة على تمكن التشيع في الوسط اليمني وانتشار رقعته مع كل ما سبق استقدامهم للإمام الهادي من الرس ليقوم فيهم بالعدل وينشر بينهم القسط والانصاف كما تقدم الإشارة إليه .

المذاهب الأخرى

لم يكن أهل اليمن مطبقين على هذا الاعتقاد في القرن الثالث فقد انتشرت في اليمن مذاهب أخرى  كالمجبرة التي كان لها حضور في صنعاء كما تحكي الروايات من مناظرة الهادي عليه السلام لمجموعة من علمائهم وعلى رأسهم كبيرهم النقوي ورجوعهم عن مذهبهم بعد عجزهم وإفحام الامام لهم كما تحكي التواريخ أن مذهب الإثنى عشرية كان له انتشار في عدن وما جاورها وكما تذكر بعض المصادر التاريخية أن لمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وابن حنبل وجود كذلك ومن هذه المصادر العلامة محمد بن احمد المقدسي المتوفي سنة 380هـ في كتابه احسن التقاسيم : ومذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء وقرح سنة، وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالبة، وبقية الحجاز وأهل الرأي بعمان وهجر وصعدة شيعة، وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة إلا عمان. والغالب على صنعاء وصعدة أصحاب أبي حنيفة والجوامع بأيديهم، وبالمعافر مذهب ابن المنذر، وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان، والاذان بتهامة ومكة يرجع وإذا تدبرت العمل على مذهب مالك، ويكبر بزبيد في العيدين على قول ابن مسعود: أحدثه القاضي أبو عبدالله الصعواني وقت كوني، ثم والعمل بهجر على مذهب القرامطة، وبعمان داودية لهم مجلس.

ونحن إن لم نستطيع أن نأكد هذه التقسيم إلا أن فيه بعض الحقائق مع ملاحظة أن الدولتين الأموية والعباسية قد حاولت طمس التشيع ومحاربته ومطاردته في كل مكان وشنت تلك الحملات كما تقدم لقمع شيعة علي كما في بعضها وتصفيتهم من الوجود كما هو الحال في البعض الاخر .

القرامطة

مذهب القرامطة أخطر الحركات على الدين والإسلام ليس على اليمن بل على البلدان الإسلامية جميعها ولقد عانى منها المسلمون وذاقوا الويلات وأقدمت على ارتكاب مجازر بحق مخالفيها واعتدت على الكعبة المشرفة وأخذت الحجر الأسود ونقلته إلى مصر وظل المسلمون 25 يحجون مكة والحجر الأسود بمصر وهي في الحقيقة حركة تستهدف مسلَّمات الدين وضروريات الشرع فالله في السماء وفي الأرض هناك شيخهم ورئيس طائفتهم يقاسم الله في ملكوته كما يصرح بذلك شاعرهم :

إن علياً والإله اقتسما     فاستوى القسمة ثم استهما

فلعلي الأرض ولله السماء

والنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم نبي هاشم ولهم نبيهم كما يقول الشاعر وهو يتحدث عن علي بن الفضل

تولى نبي بني هاشم      وهذا نبي بني يعرب

والمحرمات جميعها مباحة والأرحام تحل لهم وللشيخ عندهم حق التحليل والتحريم، يقول العلامة الزحيف في كتابه مآثر الأبرار ج 2 ص 44: ” وأظهروا المنكرات كلها، وشربوا الخمر في شهر رمضان استخفافاً بحرمته، وسجعوا سجعاً زعموا أنه قرآن نزل على رأسهم في الإلحاد علي بن الفضل “

 وبهذا نستطيع أن نقول إنها أخطر المذاهب باستهدافها لمسلمات الإسلام ونقضها لضرورياته وأساساته المتفق عليها عند جميع المذاهب الإسلامية، ولذا أجمع العلماء من كل المذاهب الإسلامية على كفر هذه الجماعة وضلالها ومحاربتها والوقوف لصد مشروع إقامة دولتها التي تأسست على الفواحش والفساد، ومن أقوى الحركات الإسلامية والقادة المسلمين الذين وقفوا بوجه هذه الجماعة ومحاربتها حركة الهادي عليه السلام وأولاده وقامت بينهما عدة معارك وحملات من أشدها وأشهرها وقعة نغاش الذي قادها الإمام الناصر بن الهادي عليه السلام الذي كانت في رمضان عام 307هـ وهزمت فيها الباطنية شر هزيمة .

 بدأت دعوة القرامطة في النصف الأول من القرن الثالث وبالتحديد في عام 268هـ على يد رجلين تلقيا التدريب في العراق وهما علي بن الفضل والذي نزل في جيشان القريبة من عدن في جنوب اليمن و منصور اليمن أبي القاسم الحسن بن حوشب في مسور الواقع غرب صنعاء .

إذن هذا هو تقريباً حال اليمن من الناحية الدينية وتوزع المذاهب والطوائف الإسلامية التي عاشها قبيل استقدام اليمنيين للإمام الهادي عليه السلام .

الحالة السياسية قبل مجيء الإمام الهادي عليه السلام

عاشت اليمن في أواخر القرن الثاني وبداية  القرن الثالث ما يمكن أن نسميه  إنحلال عقد الدولة المركزية و تشرذمها إلى دويلات صغيرة ومشيخات متناثرة نتيجة ضعف سلطة الخلافة العباسية وعجزها عن إخضاع اليمن لدولتها المركزية حتى اكتفى خلفاء بني العباس بالاعتراف بهم في الخطبة من قبل بعض تلك الدويلات ( اليعفريين والزياديين )

توزعت تلك القوى المتناحرة في كل أنحاء اليمن  ففي شبام كوكبان أقام اليعفريون مملكتهم ثم توسعوا فيما بعد وفي فترات قصيرة إلى صنعاء ولكنها فقدت ذلك التوسع و تمكن الدعام بن ابراهيم زعيم قبائل بكيل من الاستيلاء على صنعاء وإخراج اليعفريين منها وردهم إلى شبام ثم استغل آل طريف موالي بني يعفر ضعف اليعفريين وعملوا على انتزاع السلطان من أيديهم وقد تمكن  أحد قادة آل طريف وهو أبو العتاهية من الاستيلاء على صنعاء وبسط سلطته عليها وهو الأمير الذي كان يحكم صنعاء عندما قدم الهادي عليه السلام على اليمن وتنازل بالملك له وفي المناطق الغربية من صنعاء سنجد عدداً من القوى القبلية تتصارع على المناطق التهامية (الشراحيين والحكميين وبني زياد وبني مجيد) وتقتسم تلك المناطق فيما بينهم, وفي شرق صنعاء (مأرب) كان الربيع بن الروية سيد مذحج، وفي الجنوب من صنعاء كان هناك دولة المناخيين في مخلاف جعفر (العدين والسحول) وعاصمتها المذيخرة كما كان آل الكرندي هم ملوك المعافر (الحجرية) وفي لحج دويلة محمد بن أبي العلاء الحميري وفي حضرموت كان آل الهزيلي وفي شمال صنعاء كان الدعام بن ابراهيم على رأس قبيلة بكيل وكان آل الضحاك على رأس المعيدين في حاشد ينافسون الدعام على زعامة همدان وفي صعدة كان الصراع على أشده بين بني سعد وعلى رأسهم آل أبي فطيمة وبين الربيعة من الأكيليين وهما القبيلتان التي انهى قدوم الهادي عليه السلام على اليمن بينهما صراعاً ممتدة منذ العهد الأموي, وفي  شرق اليمن وفي نجران بالتحديد نجد قبائل بني الحارث ويام يتقاسمان السلطان ويتوزعان النفوذ على مناطقهم , ومع كل هذا التمزق وبجانب كل هذه الزعامات كان هناك خطر محدق يضع اليمن بين فكي كماشة كما يقول الدكتور نعمان في كتابه [الامام الهادي واليا وفقيهاً ومجاهداً] وهو خطر القرامطة التي بدأت دعوتها في شمال اليمن وجنوبه على يد علي بن الفضل ومنصور اليمن كما تقدمت الإشارة إليه وفي هذا الواقع الذي كان يعيشه اليمن بدأ الامام الهادي عليه السلام في رسم دولته دولة كان شعارها “والله لو أطعتموني ما فقدتم من رسول الله الا شخصه ” ” إن هي الا سيرة علي أو النار “

الحالة الاجتماعية

المصادر التاريخية التي دونت مرحلة ما قبل قدوم الهادي لم تهتم كثيراً بتدوين الحياة الأجتماعية وإنما كان تركيزها في تسجيل سير أحداث الصراعات القبلية والحروب المستدامة بين مراكز النفوذ وهو ما انعكس سلباً على حياة الناس وواقع المجتمع ضعفاً وانهياراً ففشا القتل وانتشرت الثارات والخصومات وعلا صوت السلب والنهب وتحكَّم منطقُ الحمية القبلية والنزعة المناطقية وغاب منطق الأخوة الدينية والوحدة الاسلامية وانهار المجتمع تحت واقع الصراعات والحروب أخلاقياً ودينياً غارقاً في بحور نزاعات أثقلت كواهل المواطنين حتى دفعوا ضريبتها دماً من أبنائهم وفقراً وعوزاً من معيشتهم وغربة ونزوحاً عن أوطانهم وخوفاً وقلقاً في بلدانهم ومنازلهم وعداوة دائمة وخصومة متوارثة ومتجذرة فنشأ الأبناء في طلب ثأر الآباء وانعدم الأمن والاستقرار، وضعف النشاط الزراعي والتجاري، وغابت العدالة والإنصاف، وهذه الآثار الناتجة عن تلك الصراعات، وإن لم نستطيع هنا إثباتها بنصوص تاريخية ولم يتسن لنا ذلك إلا أنها نتيجة طبيعية لأي حرب أهلية أو نزاعات سلطوية، ويشهد لهذا الحال التي وصلت إليها اليمن في ذلك الوقت هو الإصرار على قدوم الهادي من قبل قبائل اليمن التي قصدته مرتين المرة الأولى عام 280هـ ثم إنه عاد حين شاهد من أهلها أموراً منكرة لا تتوافق والهدف التي جاء من أجله فعادوا إليه عام 284هـ مرة أخرى مكررين ومترجين ومتعهدين بالطاعة فلم يكن لهم بد ولا أمامهم سبيل لتخلص من واقعهم الا دولة عادلة قائمة على منهج الإسلام وسائرة وفق دستوره، ومن كالهادي في إقامة تلك الدولة وتحقيق ذلك الحلم .

 

 

مقالات ذات صلة