دلالات صواريخ اليمن بعد عامين ونصف

مقالات ||بقلم /سامح عسكر

منذ أيام طل علينا زعماء يمنيون كبار بخطابات حماسية تتوعد بالرد على العدوان السعودي، الأول: علي عبدالله صالح، والثاني: عبدالملك الحوثي، شملت خطاباتهم تحديا للإرادة السعودية وتوعدا بالرد على عدوانهم الذي بدأ قبل عامين ونصف على الشعب اليمني، وشمل خطابهم نوع من الأقلمة بحيث تكلم الحوثي عن تحالف لبناني فلسطيني يمني ضد إسرائيل، هذا قد يؤسس لمحور مضاد يغير من خرائط الصراع.

 

بمعنى أن الرد على إسرائيل يلزمه الرد على السعودية أولا باعتبارهما حلفاء وذوي مصالح واحدة، لكن في فلسطين الوضع يختلف، حماس لا تنظر للقضية بتلك الرؤية، إنها أصبحت كيانا طائفيا سنيا بعد أحداث سوريا وانقلاب مشروعها المقاوم إلى مشروع أيدلوجي ديني.. هذا يؤثر أو ربما يقضي على التحالف الذي يريده الحوثي، فالحمساويون رغم معارضتهم للسعودية الآن خصوصا في ظل صراعها مع قطر وبيان دول الحصار الذي وضع حماس على رأس الكيانات المنبوذة.. مع ذلك تظل حماس محتفظة بهويتها الطائفية التي ترجمتها بدعم عمليات عاصفة الحزم أوائل عام 2015م.

 

أمس أعلن الجيش اليمني إطلاق 4 صواريخ بركان دفعة واحدة على محافظة الطائف السعودية، وقال أن الصواريخ استهدفت قاعدة الملك فهد العسكرية، وقبلها بيومين على منابع نفط في محافظة ينبع، وبالنظر لطبيعة تلك الصواريخ فهي بالستية تزداد نسبة الخطأ فيها عن الجوالة، لكن ليست بالدرجة التي أعلنتها السعودية أنها كانت تستهدف مكة المكرمة، وهو سلوك انفعالي مقصود يهدف لتصوير المعركة ضد اليمن أنها معركة ضد خصوم الإسلام، وإدخال كلمة مكة والحج في السياق له بعد أيدلوجي طائفي حيث يتصور السعوديون أن إيران تريد انتزاع الحرم الشريف منهم وتحويله إلى قمّ، وبما أنهم يعتقدون أن الحوثيين حلفاء لإيران فصواريخهم لهذا الغرض.

 

تناسى السعوديون أنهم من بدأوا المعركة، وعسكريا وقانونيا هم (بلد معتدي) ربما نجحوا في تعطيل القانون الدولي الآن بنفوذهم وأموالهم لكن لا يعني تعطيل شيء القضاء عليه.. هو معطل لفترة مؤقتة وهذا يعني أن حساب السعوديين على جرائمهم وعدوانهم على الشعب اليمني سيأتي حتما، ولعل نجاح روسيا في تحويل قضية اليمن من خروج على الشرعية –في مجلس الأمن – إلى قضية إنسانية مؤشر لذلك.

 

أما قصة حشر مكة في الصراع فليست في صالح المملكة، حيث تُشاع رؤية معنوية بأن مكة ليست بلداً آمنا، وأن السعودية ليست بلد آمن.. هذا له انعكاس سلبي على أوضاع السعودية إقليميا ويتم تقزيمها دوليا وشعبيا، وكان الأحرى بمسئولي المملكة تجنب هذا الحشر لمصالحهم، فالعالم الآن بات يؤمن بقضية اليمن (إنسانيا) وأن المتسبب في معاناة اليمنيين هم السعودية بالدرجة الأولى والإمارات بالدرجة الثانية، ومشروعات تعليق مبيعات الأسلحة للمملكة في بريطانيا وأمريكا شاهد على ذلك، وأن المعركة قد تسير في اتجاه آخر لا يتحمله السعوديون إلا إذا دفعوا طبعا.. هنا تطبق نظرية ترامب بالحلب السريع للبقرة الخليجية دون اعتبار لأوضاعهم الاقتصادية المتأزمة جراء انخفاض أسعار النفط.

 

ثمة خطأ كبير للسياسة السعودية كشف حماقة قادتهم وضعف مستشاريهم، وهو تحويل كل مختلف إلى عدو، وكل عدو إلى مبدأ وجود، بمعنى أنهم ينظرون لأعدائهم بمبدأ.. “أكون أو لا أكون”.. وهذا خطأ، فالعداوة الإنسانية شيء طبيعي والحرص على إنهاء العدو للشعور بالراحة والسعادة هو تصرف (طوباوي) ملئ بالأحلام والأماني التي قد تصلح لمسلسلات ألف ليلة وليلة، فخصوم السعودية هم أنداد ومنافسون في الحقيقة، وأعداؤها يقفون ضدها ايدلوجيا بالدرجة الأولى، بمعنى لو دعمت السعودية الفكر الوهابي السلفي فخصوم هذا الفكر سيكتسبون عداوة السعودية تلقائيا، أي قصة القضاء على أعداء المملكة حالمة جدا.. لأن خصومها هم كل خصوم الفكر الوهابي من العلمانيين والشيعة والماركسيين والقوميين.. وهؤلاء أكثرية شعوب العالم.

 

ثم إذا كان المرء يوزن بأصدقائه فهو أيضا يوزن بأعدائه، وكلما كان له أعداء كبار فهذا يعني أنه (شخصية مهمة) ومؤثر ونفوذه واسع، وهذا يتطلب البحث عن سلوك أفضل للمعاملة مع الأعداء، فمن يلاحظ العلاقة الآن مثلا بين الأمريكان والروس يجد حل لتلك المعضلة التي أرهقت العرب، فبإمكان الأعداء التعايش معا على مصالح مشتركة والتزام بالقانون الدولي، والحفاظ على خط عام أخلاقي يحكم العلاقة بين الطرفين، والأهم من ذلك هو الحرص على التواصل، فالقطيعة شيء مقزز سياسيا ويشعل الأوضاع ويؤسس لجذور وأحقاب من الكراهية قد تعاني منها عدة أجيال، وهذا يعني أن قصة طرد السفراء التي أصبحت لعبة سعودية الآن تؤثر على أجيالها في المستقبل وتجعل من المملكة كيان منبوذ ومكروه شعبيا على غرار إسرائيل في المنطقة العربية.

 

نعود إلى صواريخ اليمن وننهي المقال بحادثة طريفة وهي: إعلان المملكة أن الملك سلمان هو الذي فتح أبواب الأقصى، وبالتالي لا اعتبار لمظاهرات الفلسطينيين وكفاحهم على خطوط التماس، وهذا الإعلان عندي يكشف حجم الأزمة التي يمر بها آل سعود، أنها أزمة (ثقة) بات يشعر بها صانعو القرار وداعمو وحلفاء المملكة الذين يتناقصون يوما بعد يوم، وإذا ربطنا هذا الإعلان منهم بالتصدي لصواريخ اليمن وإسقاطها ثم الإعلان أنها كانت ضد مدينة مكة وموسم الحج يعني أننا أمام مجتمع سعودي منغلق وليس مجرد أسرة لها أطماع..

 

فالشعب السعودي في معظمه يصدق قصة التصدي لصواريخ اليمن، ويصدق قصة استهداف مكة، ويصدق قصة هزيمة الحوثي.. بل صدق خبر مقتله منذ عامين، ولا ينتبه أنه أمام حرب على دولة جارة وشعب شقيق له في الدين والدم، هذه (عُزلة جبارة) وانغلاق ثقافي تسبب فيه آل سعود بحرصهم على تحويل كل معاركهم إلى صراع وجود، أثر على نظرتهم لعلي عبدالله صالح وخسروا حليفا يمنيا مهما وقويا، وأثر على نظرتهم حتى لمصر وباتوا حساسين جدا لدور مصر في اليمن وسوريا، وأخيرا أثر على نظرتهم لقطر فخسروها كدولة وكشعب لعدة عقود مقبلة.

 

أما داخليا: فأكيد أن الصواريخ أعطت دفعة معنوية رائعة للشعب اليمني، ودلالة إطلاق أربعة صواريخ دفعة واحدة جديرة بالاهتمام، هذا مؤشر على مخزون استراتيجي كبير من الصواريخ وأن ما أعلن عنه في السابق غير حقيقي وقد يكون ثمة دول إقليمية أو جهات وكيانات لها مصالح في تطويل أمد الصراع أو الانتقام من السعودية بطريقتها، فأكيد أن  اليمن أصبحت دولة معادية للسعودية وسيظل شعبها كذلك لعدة أجيال، ساهم في شيوع هذه الرؤية ضيق عقل وأفق مسئولي المملكة الذين يصرون على التعامل مع الملف اليمني باستعلاء وعنجهية لا تليق سوى بمنطق الأسياد والعبيد.

 

قلت منذ بداية حرب اليمن أنها ليست حرب الأيام والشهور بل هي حرب السنوات والدهور، وأن الثمن الذي ستدفعه المملكة لكي تنتصر أكبر بكثير من أن تتحمله، فهي إما ستقتل الملايين من الأبرياء أو تضحي بملايين من شعبها في حرب مباشرة، وإما تعلنها صريحة بوقف الحرب والاعتراف بهزيمتها مما قد يؤثر على وحدتها كدولة وأسرة كشف صراع بن سلمان وبن نايف على هشاشة وضعها الداخلي وشكل وحجم الصراع على السلطة الذي تكلل بعزل بن نايف واتهامه بالإدمان وحبسه في منزله بجدة.

 

أما أكبر دلالة على خروج تلك الصواريخ الآن بعد عامين ونصف، هو أن الحرب فشلت في القضاء على قوة الحوثي وأن خصومهم المملكة في اليمن أقوى مما كان يعتقد (الطفل المعجزة) عادل الجبير أو (صحاف العصر) العميد عسيري، وأن مستقبل المنطقة بالتوازي مع حصار قطر أوشك على الاشتعال أو ربما يكون النهاية حسب أسوء السيناريوهات المتوقعة بانهيار تلك الممالك التي أفسدت في الأرض أكثر مما أصلحت، وجعلت نفسها عرضة للانتقام من الجميع.

مقالات ذات صلة