مكة والمقدسات وحقيقة الانتماء

طلال الغادر

في كل مرة تتلقى المنشآت العسكرية والاقتصادية السعودية ضربات موجعة، يعود إعلام النظام السعودي إلى أسطوانة قديمة يظن أنها ما زالت تُقنع أحدًا: الزعم بأن اليمن يستهدف مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

هذه الرواية ليست جديدة، ويعمد إعلام الرياض منذ عام 2016 إلى نسج سيناريوهات خيالية تزعم اعتراض صواريخ متجهة نحو مكة، لتسويق خطابه الحربي والتغطية على الفشل الميداني المتلاحق.

والحقيقة أن هذه المزاعم كذب صريح لا أساس له من الصحة، والهدف منها استنفار المسلمين وتحويل أنظارهم عن أصل الأزمة، بعد عجز السعودية عن تحقيق أي هدف من عدوانها على اليمن.

فالعمليات العسكرية اليمنية محصورة بدقة في القواعد العسكرية والمنشآت الاقتصادية والحيوية التابعة للعدوان، والحديث عن استهداف مكة هو محض افتراء يستهدف تشويه الردع اليمني وحرف الأنظار عن حقيقة الصراع.

ومن يشكل خطرًا حقيقيًا على المقدسات هو من فتح الأجواء للكيان الصهيوني فوق الحرمين الشريفين، ومن نصب مجسمًا للكعبة لترقص حوله الغانيات، ومن أهدى كسوة الكعبة المشرفة إلى المجرم جيفري إبستين.

فمن أهدى كساء الكعبة إلى مجرم شهد بفسقه العالم أجمع هو أولى الناس بأن يُتهم باستهداف المقدسات، لا من يدافع عن أرضه وعرضه.

وفي المقابل، يقف الشعب اليمني موقفًا عمليًا ثابتًا في نصرة المقدسات، فقد نفّذت القوات المسلحة اليمنية 1,835 عملية عسكرية إسنادية لغزة خلال عامين، تضمنت صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية وطائرات مسيّرة وزوارق حربية، وأدّت إلى شلل شبه تام في الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب.

وبلغ عدد الفعاليات الشعبية والمسيرات والمظاهرات خلال العامين الماضيين أكثر من 49 ألف فعالية، ونُظّمت 94,478 فعالية شعبية، و549,769 ندوة، و350,633 وقفة طلابية، كلها اسناد لغزة، وفلسطين والمسجد الأقصى، هذا هو الانتماء الحقيقي، حين يُقدّم الشعب دمه وماله وجهدته نصرةً للمظلومين، لا أن يكتفي بالبيانات.

وعندما تعرّض القرآن الكريم للإساءة الأمريكية الصهيونية المتكررة، استنفر الشعب اليمني رسميًا وشعبيًا، واحتشد ملايين اليمنيين في ميدان السبعين وساحات المحافظات، واجتمع علماء اليمن وأعلنوا أن من أساء لكتاب الله مهدور الدم شرعًا، وأن الإساءة للقرآن جريمة ووصمة عار على جبين كل من سكت وتفرّج، وأكد مفتي الديار اليمنية، يومها أن شعوب الأمة غارقة في الفساد والإضلال ومنشغلة بالترفيه، بينما اليمن وحده يحمل الغيرة على الدين والقرآن.

وعندما أُسيء إلى مكة المكرمة والكعبة المشرفة، خرجوا الشعب اليمني في مسيرات مليونيه غير مسبوقة غضبًا ونصرة للمقدسات، وأعلن أن أي إساءة للقرآن أو للكعبة أو للأقصى لن تمر دون رد، وهذا هو الفارق بين من يحمل مشروع حماية المقدسات بدمه، ومن يتخذها ورقة سياسية يرفعها عند الحاجة ويطويها عند المصالح.

إن النظام السعودي الذي يتحدث اليوم باسم حرمة مكة هو أول من أهان هذه الحرمة، حين فتح بلاد الحرمين للمجون وحفلات الترفيه، وأباح ما حرم الله، وفتح محلات الخمور ومزجها بماء زمزم، وانتهك حرمة الكعبة، وجعل منها مجسمًا للاستعراض.

ثم جاء بالقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية و”الإسرائيلية” إلى أرض الحرمين، فحوّل بلاد التوحيد إلى منصة للعدوان على المسلمين.

ومكة المكرمة وقدسيتها في نظر العدو السعودي مجرد ورقة تُرفع عند كل أزمة، وأداة لاستدرار التعاطف وتبرير العدوان، لا دار عبادة، ورغم ذلك يزعم أنه الحامي الأمين للمقدسات، وأنه صاحب الشرعية في القوامة على الحرمين.

لكن مكة المكرمة والبيت الحرام حرمات إلهية ومقدسات إسلامية تخص الأمة جمعاء، وليست ملكًا لنظام أو سلطة سياسية، وتوظيفها في الدعاية والحرب النفسية والمزايدات السياسية إساءة بالغة إلى قدسيتها.

والانتماء إلى مكة والمقدسات موقف يُترجم إلى أفعال، ومن حاصر اليمن أكثر من أحد عشر عامًا، وقتل أطفاله ونساءه، ومنع عنه الدواء والغذاء، لا يمكن أن يكون حاميًا للمقدسات.

أما من صان الدماء، ودعم غزة وفلسطين، وخرج بالملايين غضبًا للقرآن والكعبة، فقد أثبت أنه الأحق بالانتماء إلى مكة والمقدسات، لأنه يحمل مشروع الحق والعدل، لا مشروع الهيمنة والاستعباد.

وقال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾، فمن كان متقيًا كان وليًا، ومن كان ظالمًا كان بعيدًا، والله يحكم بينهم بما هو حق، وهو خير الحاكمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى