
قراءة في العملية العسكرية النوعية «والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً»
فهد شاكر أبوراس
تكشف عملية “والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً عن تحول استراتيجي في مواجهة اليمن مع العدو السعودي والتحشيدات التابعة له، فبعد اثني عشر عاماً من العدوان والحصار، كان المتوقع أن تصل القوات المسلحة اليمنية إلى مرحلة الإنهاك أو الدفاع عن النفس، لكن ما جرى هو العكس تماماً، إذ انتقلت المعركة من موقع ردة الفعل إلى موقع الهجوم الشامل، ومن الدفاع عن الجغرافيا إلى تحرير مساحات استراتيجية واسعة، وهو ما يعكس وعياً عسكرياً ناضجاً وإدارة ميدانية قادرة على قراءة اللحظة واستثمارها.
لقد جاءت هذه العملية كثمرة لتحضير ذكي وإعداد دقيق، تجلى في اختيار التوقيت بعد تصاعد الاعتداءات على أبناء الساحل الغربي، وفي تعدد المسارات وتوزيع الجهد بين محاور تعز والحديدة، مع مشاركة شعبية وقبلية واسعة منحت العملية عمقاً بشرياً وقدرة على المناورة والاستمرار، وهذا الحشد كان تعبيراً عن تماسك الجبهة الداخلية والتفاف شعبي حول القوات المسلحة، وهو عامل قوة لا يقل أهمية عن السلاح والعتاد.
أما التكتيك فقد جمع بين النيران والحركة في آن واحد، إذ سبق الهجوم البري قصف صاروخي وجوي بالطائرات المسيّرة، مما أربك خطوط العدو وشلَّ قدرته على المناورة، ثم انطلقت الموجات البرية من عدة اتجاهات لتشطر التحشيدات السعودية وتفرض عليها معارك متعددة في وقت واحد، وهو تكتيك عسكري معقد يتطلب قيادة وسيطرة متماسكة وقدرة اتصال عالية، وقد أثبتت القوات المسلحة اليمنية أنها تمتلك هذه القدرات، وتفوقت على العدو الذي فشل رغم غطائه الجوي الكثيف في التأثير على سير العملية أو حماية تحشيداته.
وتتجلى قوة التحضير أيضاً في القدرة على إطلاق عملية واسعة من عدة مسارات في وقت واحد، وفي استمرارها حتى تحقيق أهدافها، وفي تحرير عدد من الأسرى اليمنيين المحتجزين منذ سنوات، وهو بعد معنوي كبير يعزز الثقة ويؤكد أن القيادة لا تترك أبناءها، كما تمكنت القوات المسلحة من تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطائرات الحربية السعودية وإسقاط تسع طائرات، وهو مؤشر على تطور منظومة الدفاع الجوي اليمنية التي باتت تشكل رادعاً حقيقياً لأي طيران معادٍ، وترفع كلفة أي تدخل جوي، وتغير قواعد الاشتباك لصالح القوات البرية.
أما سرعة التنفيذ فقد كانت مذهلة، إذ جرى خلال أيام معدودة طرد التحشيدات من 6 مديريات في محافظتي تعز والحديدة بمساحة إجمالية بلغت 5400 كيلومتر مربع، وضرب سبع فرق عسكرية بقوام 38 لواءً، وقتل وأسر وجرح المئات من منتسبيها، وهو ما يعني أن العدو واجه انهياراً في خطوطه الدفاعية وانهياراً في معنويات قواته، وهذا الانهيار السريع يعكس تفوقاً استراتيجياً في التخطيط والتنفيذ، وقدرة على استثمار نقاط الضعف لدى الخصم.
إن تحرير مدينة المخا وميناءها ومطارها ومعسكر جبل النار، ثم التقدم نحو ذوباب وتحرير جزر حنيش وزقر، وصولاً إلى الإشراف الكامل على مضيق باب المندب، هو إنجاز استراتيجي غير مسبوق؛ لأنه لا يغير فقط موازين القوى المحلية، بقدر ما يمنح صنعاء قدرة على التحكم في أحد أهم الممرات المائية في العالم، ويضعها في موقع يؤثر في الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، وهنا يبرز البعد الاستراتيجي الأعمق، فالقوات المسلحة اليمنية أصبحت فاعلاً قادراً على استخدام ورقة البحر الأحمر وباب المندب للضغط السياسي والاقتصادي، وقد أعلنت في بيانها أن الملاحة البحرية آمنة لكل الشركات باستثناء السفن السعودية، وهو تكتيك ذكي يفصل بين الخصم والمجتمع الدولي، ويظهر صنعاء كطرف مسؤول يحمي الملاحة بينما يحاصر من يعتدي عليه، وهذا بدوره يزيد من عزلة السعودية ويضعها في مواجهة ضغوط دولية.
إن هذا التطور العسكري والاستراتيجي لا يمكن فهمه بمعزل عن العامل المعنوي والديني، فقد جاءت العملية تحت شعار قرآني “والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً”، وهذا العامل الروحي هو سلاح لا يمتلكه الأعداء، وهو ما يفسر قدرة القوات المسلحة اليمنية على تحمل الخسائر والاستمرار في القتال رغم الإمكانات المحدودة.
وعلى صعيد أوسع، فإن نجاح هذه العملية يثبت أن صنعاء أصبحت تمتلك قدرة على فرض التصعيد بالتصعيد والحصار بالحصار، وأنها لم تعد الطرف الأضعف في المعادلة الإقليمية، وإنما باتت قادرة على إملاء شروطها على الأرض، وممارسة ضغط استراتيجي متعدد الأبعاد: بري وبحري وجوي وإعلامي ونفسي، وهذا يعني أن أي حساب إقليمي أو دولي لليمن يجب أن يأخذ في الاعتبار لهذه القوة الجديدة، وأن أي محاولة لاستمرار العدوان أو الحصار ستواجه بالمزيد من التصعيد، وهو ما يجعل من عملية “والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً” نقطة تحول ليس في مسار العدوان السعودي على اليمن، وإنما في توازن القوى الإقليمية برمتها، ويكشف بأن اليمن قادر على صناعة نصر استراتيجي بجهود أبنائه وإيمانهم، وبقيادة واعية تعرف كيف تدير المعركة وتستثمر النصر، وهذا هو المعنى الحقيقي للتطور الذي بلغته صنعاء.




