مولد المصطفى.. فجر يشق قلب الظلام

سعاد الشامي

 

كانت مكة قبل مولد النبي المصطفى محمد صلوات ربي عليه وعلى آله تعيش مفارقة عجيبة؛ ففيها البيت العتيق الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، والذي جُعل رمزًا للتوحيد ووجهة للقلوب، وفي محيطه انتشرت الأصنام وتداخلت مع حياة الناس عادات وممارسات ظالمة تنحرف كثيرًا عن جوهر ذلك العهد، حتى صار المجتمع بحاجة إلى صحوة تعيد ترتيب ميزان القيم.

وفي وسط هذا الواقع المظلم جاء مولد الحبيب المصطفى صلوات ربي عليه وعلى آله، باعتباره بداية مرحلة جديدة من مراحل التحول الإنساني؛ مرحلة أراد الله فيها أن يخرج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، ومن عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق ومن العصبية إلى الأخوة، ومن الظلم إلى العدل والرحمة والإحسان ونصرة المظلوم، ومن الفوضى الأخلاقية إلى منظومة متكاملة من القيم والمبادئ.

وحين نتأمل واقع الأمة الإسلامية اليوم وما تعيشه من أزمات متلاحقة وتفزق وضعف وصراعات، وتراجع في القيم، واستباحة للإنسان وكرامته، وتسلط الأعداء، وضياع للبوصلة في كثير من جوانب الحياة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه بقوة هو: كيف وصلت أمة أخرجها الله للناس لتكون شاهدة على الأمم إلى هذا المستوى من الضعف والتمزق؟ وأين الخلل؟ وكيف يمكن أن تستعيد الأمة طريقها؟

إن الإجابة لا تبدأ من السياسة وحدها ولا من الاقتصاد وحده ولا من امتلاك القوة المادية وحدها؛ لأنها أزمة انحراف عن المنهج الذي أراد الله لهذه الأمة أن تسير عليه، وابتعاد عن القيم التي جاء بها رسول الله النبي الأعظم صلوات ربي عليه وعلى آله، وتراجع عن الدور الذي أراده الله لها حين قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

ومن هنا تأتي أهمية إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف باعتبارها محطة لاستعادة الوعي برسول الله، واستعادة الوعي برسالته، واستعادة الوعي بالمنهج الذي حمله إلى البشرية.

فإذا كانت الأمة تريد الخروج من واقعها المظلم، فإن عليها أن تجعل المولد النبوي الشريف مناسبة لاستيقاظ روح المسؤولية، وفرصة سنوية للمراجعة وتشخيص جوانب الخلل ، والانطلاق نحو مرحلة جديدة تستمد روحها من نور النبوة.

مقالات ذات صلة