
صمود لا ينكسر.. وحصار يقابله حصار، وتصعيد يقابله تصعيد
محمد السقاف
في معركة الأمم، لا ينتصر من يملك أقوى سلاح، بل من يملك أطول نفس وأجرأ قلب وأشدّ عزيمة على ردّ الصاع صاعين. وطيلة أحد عشر عاماً، صمد هذا الشعب العظيم وصمدت جبهته الداخلية، وأبلى بلاءً أسطورياً لم يتوقعه عدو ولا صديق، صمودٌ أثار حفيظة العدو وأذاقه السم، وأفشل كل مخططاته، وجرعه مرارة الفشل الذريع، فلم يجد العدو مفراً من أن يغيّر استراتيجيته في كل مرحلة، وكأنه يجرّب أسلحةً متعددة، كلما فشل أحدها انتقل ليجرب غيره. حاول من الجو فقصف، ودمّر، وأحرق، وترك خلفه مئات المجازر، لكن الصمود كان أصلب من أن يلين، وحاول من الأرض فتوغل، وحاصر، وحاول اختراق الجبهات وشراء الولاءات، لكن القيادة الحكيمة والإرادة الصلبة وقبلها جميعاً التأييد الإلهي كان درعاً منيعاً في وجه كل الغزوات، ولما أخفق الجو والأرض، لجأ إلى أخبث أسلحته: الإعلام المسموم والدعايات المشبوهة والإشاعات المغرضة، ليُثير الفتنة في الداخل، ويزرع الشقاق بين أبناء الشعب الواحد، ويشكك في قيادته، ويُوهن من عزيمته، فلما لم تُجدِ كل هذه الحيل نفعاً، انتقل إلى تسليط العدسة على نتاج سلاحه الفتاك والأكثر خسة: سلاح الجوع، ذلك السلاح الذي استخدمه منذ اليوم الأول للعدوان في مجزرة تنومة، والذي استخدمه كل الغزاة عبر التاريخ لإخضاع الأمم، ففي حرب طروادة، حين عجز الإغريق عن اقتحام أسوار المدينة، لجأوا إلى حصارها وقطع الإمداد عنها، واستمر الحصار عشر سنوات، لم تكن المعارك فيها بقدر ما كان الجوع سلاحاً صامتاً يفتك بالمدينة المنكوبة، وفي حصار بلاتيا أثناء الحرب البيلوبونيسية، فرض الإسبرطيون حصاراً مطبقاً دام عامين، حتى أضناهم الجوع وأجبرهم على الاستسلام، ثم أُعدِم المدافعون ومُحيت المدينة من الوجود، والآشوريون حين حاصروا أورشليم عام 701 ق.م، هددوا سكانها بأنهم سيُضطرون لأكل فضلاتهم وشرب بولهم إن استمروا في المقاومة، وتقول المصادر التاريخية: “كان سلاح الحصار الاقتصادي من أكثر الأسلحة تدميراً، حيث كانت الجيوش تعزل المدن لسنوات حتى يُفتك بها الجوع والعطش والمرض”، وفي اليمن يُطبق العدو منذ اليوم الأول لعدوانه حصاراً اقتصادياً خانقاً على البلاد، يتحكم بمواردها النفطية، ويعبث بعملتها، ويشل حركتها التجارية، ويصنع الكساد ويجوع الشعب، ثم وبعد أن تسبب بكل هذا الدمار بيده، وبآلة حربه الاقتصادية، سلّط عدسة الإعلام على النتائج، وأظهر عبر مرتزقته وإمكانياته الإعلامية الضخمة مشاهد الجوع والمعاناة التي هو من صنعها، واتهم القوة الداخلية بأنها هي السبب في هذه الحال السيئة للشعب، مدعياً أنها لم تستسلم، ولو استسلمت لانتهى الجوع، وهكذا يكرر العدو مقولة المثل: “رمتني بدائها وانسلت”، فهي رمته بجراحها وويلاتها ثم اتهمته بأنه سببها.
لكن اليمن ليس كسائر الأمم، واليمنيون ليسوا كسائر الشعوب، فهنا في هذا البلد الذي تعوّد على صناعة المعجزات، لم يعد هناك مجال للانتظار أو الترقب أو الرجاء في تغير أحوال العدو، لأن العدو لا يعرف إلا لغة القوة، ولا يفهم إلا صوت الرصاص، ولا يتراجع إلا أمام من يصمد ثم يصمد ثم يصمد ثم يردّ الضربة بأضعافها، ولقد أدرك الداخل اليمني أن الحصار لا يُكسر بالصبر الاستراتيجي، بل بالحصار المقابل، وأن التصعيد لا يُردع بالمفاوضات، بل بالتصعيد المضاعف، فالرد العملي اليوم، والوحيد الذي يفهمه العدو، هو أن نقابله بكل ما يملك من أسلحة: يُحصّر علينا الموانئ فنُحصّر عليه خطوط إمداده، ويمنع طائراتنا فنمنع طائراته، ويضرب اقتصادنا فنضرب مصالحه، ويجوع شعبنا فنجوعه هو أيضاً، ونجعل ثمن عدوانه أغلى مما يتصور، وهذا ليس كلاماً عاطفياً، بل هو قانون الصراع: حين يدرك العدو أن كل ضرر يسببه سيعود إليه بأضعافه، سيعيد حساباته، وحين يكتشف أن الجوع الذي يزرعه في ديارنا سيجد طريقه إليه، سيتوقف عن زرعه.
القوة الداخلية التي ساعدت الشعب على البقاء طيلة هذه السنوات العجاف، وأبقت أبواب الحصون موصدة، هي اليوم تُتهم بأنها سبب الجوع، وكأن الاستسلام كان سيأتي بالخبز للوطن بالضبط كما أتى لواحدة من الأمم السابقة التي فضلت الانكسار ثم لم تجد الخبز ولكنها وجدت الذل ولعنة التاريخ، وسلام الله على أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال بأن الجوع كافر، فهو كافر بكل القيم الإنسانية التي قامت عليها الأمم، وهو يمحو الإنسانية من النفوس، ويسلب الكرامة من القلوب، ويجعل الإنسان مجرد جوفٍ يلهث خلف لقمة، فلا يعود يفرق بين حق وباطل، ولا بين عدو وصديق، ولا بين كرامة وهوان، الجوع يقتل الروح قبل الجسد، ويذيب التماسك الاجتماعي، ويفتت النسيج الأخلاقي، ويحوّل المجتمعات إلى غابة يتصارع فيها الجميع على فتات، فهو لا يفرق بين ظالم ومظلوم، بل يطحن الجميع في رحى واحدة، ويسلم البلاد إن لم تكن تحت رحمة عدوه فستكون عرضة للتمزق والنهب والتناحر الداخلي، فلا تغتروا، فالجوع ليس سلاح جياع يثورون بسببه من الداخل، بلسلاح متغطرسون قادمون من الخارج يسهل عليهم الجوع والحاجة كثيراً شراء الضمائر وإغراء ضعاف النفوس بفضلات الأموال.
انتبهوا أيها الغافلون، فالعدو خارج حصونكم، لكنه داخل جيوبكم وعقولكم إن تركتم له الثغرات مفتوحة، واليقظة وحدها تمنح الصمود، والوعي هو السلاح الأهم في المواجهة لهذه الحملة الخبيثة، لكن الوعي اليوم لا يعني فقط معرفة أن العدو يحاصرنا، بل يعني اليقين بأن الرد الوحيد الذي يفهمه هو الرد بالقوة، وأن نعي أن كل محاولة لإضعافنا من الخارج يجب أن تُقابل بإضعافه هو أيضاً، وكل خطوة للتصعيد ضغطاً علينا يجب أن تُقابل بتصعيد أكبر، وكل حصار خانق يجب أن يُقابل بحصار أشد إيلاماً له، لأن العدو إذا رأى أن عدوانه رخيص الثمن سيزيد منه، وإذا رأى أن ثمنه غالٍ سيتراجع.
ختاماً، من مجزرة تنومة إلى اغتيال الحمدي، ومن حصار طروادة إلى حصار اليمن اليوم، ومن القصف الجوي إلى الحصار الاقتصادي، ومن الدعايات المغرضة إلى اتهام الجبهة الداخلية بأنها سبب الجوع، الخيط واحد، والعدو واحد، والغاية واحدة: إخضاع اليمن، فإما وعي وعزة وكرامة واستعادة لكل المنهوبات والثروات، وإما هزيمة وجوع وذل ودخول في قائمة المهزومين الملعونين عبر التاريخ، واليوم الرد اليمني واضح: حصار بالحصار، وتصعيد بالتصعيد، ونارٌ تُقابل بنارٍ، وموقف لا يلين أمام أي ضغوط، وهذا ليس خياراً، بل هو الرد الطبيعي الوحيد على عدو لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يتراجع إلا أمام من هو أقوى منه إرادةً وأطول نفساً وأشدّ بطشاً، فليعلم العدو أن اليمن اليوم ليس كأمس، وأن أبناءه قد تعلموا الدرس: أن الاستسلام لا يجلب الخبز، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الرد على الحصار هو حصارٌ أشد، وأن الرد على التصعيد هو تصعيدٌ أعتى، حتى يعرف العدو أن عدوانه لن يمر دون ثمن، وأن كل حجر يرميه سيعود إليه أمثاله أعشارا.




