
اليمن.. من الصبر الاستراتيجي إلى معادلة فرض الإرادة الوطنية
أحمد الضبيبي
ترتسم في أفق المشهد اليمني اليوم ملامح مرحلةٍ مفصليةٍ، تتهاوى عند عتباتها رهانات المماطلة السعودية، وتُطوى معها صفحات الصبر الاستراتيجي اليمني الذي طال أمده، لتنبثق حقبة جديدة عنوانها فرض الإرادة الوطنية بمنطق القوة، وترسيخ السيادة بمعادلات الردع الحاسمة، بعيداً عن أوهام الوصاية ومشاريع الإخضاع.
إن ما تشهده الساحة اليمنية من تحول في إيقاع الأحداث، هو انعطافة استراتيجية تعيد رسم موازين القوة، وتؤسس لمعادلة وطنية جديدة قوامها أن القرار اليمني لم يعد رهينة الضغوط، ولا أسير الحصار، ولا خاضعاً لابتزاز القوى الخارجية، وإنما أصبح يستند إلى إرادةٍ صُلبة، وإلى قوة ميدانية قادرة على حماية السيادة وصون الكرامة الوطنية.
وتبدو صنعاء وقد بلغت أعلى درجات الجاهزية العسكرية والأمنية، في مشهد يعكس اكتمال منظومة التعبئة القصوى، وبلوغ بنية الردع مرحلةً متقدمة من النضج والتكامل، فلم تعد استراتيجيتها تنحصر في استعادة الأرض أو الدفاع عن السيادة الوطنية فحسب، فقد ارتقت إلى بناء منظومة ردعٍ شاملة، قوامها امتلاك عناصر القوة، وتطوير أدوات التأثير، وتوسيع فضاءات الاشتباك، وصناعة توازناتٍ جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين القوة والإرادة، وبين القدرة العسكرية والقرار السياسي.
وفي هذا الإطار، تتجلى جاهزية القوات المسلحة، وقوات التعبئة العامة، وقبائل اليمن، باعتبارها ركائز متماسكة في معادلة الدفاع الوطني، تمتلك الاستعداد لتنفيذ ما يُناط بها من مهام وفق توجيهات القيادة، بما يعكس وحدة القرار، وتلاحم الجبهة الداخلية، وانصهار الإرادة الشعبية والعسكرية في صدارة مشروع وطني يقوم على الصمود والاقتدار.
لقد أثبتت سنوات العدوان على اليمن أن مفهوم القوة شهد تحولاً بنيوياً عميقا، ولم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض الإرادات، ولم يعد التفوق التقني ضمانةً للحسم، فالردع في الفكر الاستراتيجي الحديث يقوم على القدرة على إيلام الخصم، وتعطيل حساباته، وإجباره على إعادة النظر في خياراته، وهو ما أفرزته التطورات العسكرية خلال السنوات الماضية، عبر امتلاك منظومات صاروخية متطورة، وطائراتٍ مسيّرة بعيدة المدى، وخبراتٍ عملياتية متراكمة في ميادين البر والبحر والجو.
وقد أسهمت هذه القدرات في إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وفرض معادلاتٍ عملياتية جديدة امتدت آثارها إلى البحر الأحمر، وباب المندب، والبحر العربي، لتتحول تلك الممرات البحرية إلى جزءٍ لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي، بعدما أصبحت الملاحة الدولية ذاتها تتأثر بمسارات الصراع وتوازنات الردع.
وفي هذا السياق، اتى استهداف مطار أبها الدولي، عقب العدوان السعودي على مطار صنعاء الدولي، مجرد رد محدود، ورسالة استراتيجية متعددة المستويات، رسالة تؤكد أن الجغرافيا الاقتصادية لم تعد بمنأى عن تداعيات المواجهة، وأن مراكز الثقل الاقتصادي والسياحي والاستثماري السعودي باتت جزءاً من معادلة الردع المتبادل، وأن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام انتقال الصراع إلى مستوياتٍ أكثر تعقيدٌ واتساعاً، بما يجعل كلفة المغامرة السعودية أكبر من أي مكسبٍ متوهم.
لقد انقضى الزمن الذي كانت تُدار فيه شؤون اليمن بمنطق الإملاءات السعودية، وانكسر الوهم الذي ظن أصحابه أن الحصار الاقتصادي، وإغلاق المنافذ، وتعطيل الموانئ والمطارات، يمكن أن يُخضع شعباً صاغ تاريخه من صخور الكبرياء، وارتوت أرضه بدماء المدافعين عن الحرية والاستقلال.
فاليوم يعلن اليمن، بوضوحٍ لا يقبل التأويل، أن عهد الاستفراد به قد انقضى إلى غير رجعة، وأن زمن فرض الوقائع الأحادية قد أصبح من مخلفات الماضي.
وفي ظل هذه المعادلة المتجددة، تغدو الموانئ والمطارات والمنافذ الوطنية ركائز السيادة، وعناوين الكرامة الوطنية، وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها أو الانتقاص من دورها، لأنها شرايين حياةٍ وسيادة، ورموز لاستقلال القرار الوطني، تذود عنها الأرواح، وتصان بكل ما تملكه الأمة من عزيمةٍ واقتدار.
إنها مرحلةٌ تكتب فيها المعادلات بمداد الثبات، وترسم فيها حدود الردع بإرادة الرجال، ولم يعد اليمن يكتفي بردود الأفعال، فهو يمتلك اليوم زمام المبادرة، ويؤكد أن سيادته ليست محل تفاوض، وأن حقوقه الوطنية ليست قابلةً للمساومة، وأن كل محاولة للمساس بمقدراته أو محاصرة شعبه ستُواجه بإرادةٍ لا تلين، وعزمٍ لا ينكسر، وقوة تفرض احترامها على موازين الصراع.
ومن المنظور الميداني، فإن السعودية تجد نفسها اليوم أمام معادلة تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت بدايات الحرب العدوانية على اليمن، فدوائر القرار في الرياض تدرك أن الزمن الاستراتيجي لم يعد يعمل وفق الإيقاع ذاته، وأن استمرار التصعيد والإبقاء على الحصار لم يعودا يمثلان أوراق ضغط، بقدر ما تحولا إلى مصدر استنزافٍ متصاعد، يرفع كلفة الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.
وإن أي انزلاق نحو مواجهة أوسع لن يبقى محصوراً في ساحات الاشتباك، وسيمتد أثره إلى شرايين الاقتصاد الإقليمي، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والبنية التحتية الحيوية، ومراكز الصناعة والاستثمار، بما ينعكس مباشرةً على أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الدولية، ويضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية الداعية إلى إنهاء الحرب، ورفع الحصار، والانتقال إلى تسويةٍ تفرضها ضرورات الواقع قبل حسابات السياسة.
ومن هنا، فإن على السعودية ان تراجع حساباتها ومصالحها العليا قبل وقوع الفأس على الرأس والعودة إلى الالتزام الصارم بما أُبرم من اتفاقاتٍ وتفاهمات، وتنفيذ استحقاقات السلام دون إبطاء أو مراوغة، لأن سياسات الذهاب نحو التصعيد وكسب الوقت لم تعد قادرة على تغيير الحقائق التي فرضها الميدان، ولا على إيقاف التحولات العميقة التي أعادت تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
لقد برهنت التجارب التاريخية أن الأمم لا تقاس بما تمتلكه من عتاد، وإنما بما تمتلكه من إرادة، ورؤية، وعقلٍ استراتيجي قادر على إدارة الصراع بأدواته المركبة، ومن ثم، فإن المرحلة الراهنة هي انتقال من زمن احتكار القوة إلى زمن توازن الإرادات، ومن منطق الإملاء إلى منطق الردع المتبادل، ومن أحادية القرار إلى تعددية مراكز التأثير.
وعليه، فإن أي قرار سعودي بالمضي في التصعيد العسكري مغامرة استراتيجية محفوفة بكلفة سياسية، وأمنية، واقتصادية، قد تتجاوز حدود المملكة إلى الإقليم بأسره، في ظل بيئةٍ دولية شديدة الهشاشة، ونظامٍ اقتصادي عالمي لم يعد يحتمل المزيد من بؤر التوتر والاضطراب.
اليوم يقف مستقبل السعودية والمنطقة أمام لحظة مصيرية فإما أن تبادر السعودية بدفع ما يترتب عليها من استحقاقات نتيجة عدوانها على اليمن طوال عشر سنوات، ورفع الحصار والانسحاب الكامل من اليمن، وتقديم منطق التسويات على أوهام التصعيد العسكري، وإما أن تستمر دوامة التصعيد بما تحمله من ارتدادات نتيجة التدمير الذي سوف يلحق بكل منشآتها الحيوية والنفطية، وتصدير الأزمة لتتجاوز حدود الجغرافيا إلى الأمن العالمي، والاقتصاد الدولي، وعدم الاستقرار للممرات البحرية الحيوية.
وهكذا يفتح اليمن صفحة جديدة من تاريخه المعاصر، عنوانها السيادة أولاً، والكرامة فوق كل اعتبار، والإرادة الوطنية هي الفيصل في رسم مستقبل البلاد وصون مقدراتها، في مشهد يعكس انتقال الدولة من مرحلة الصبر الطويل إلى مرحلة تثبيت معادلات الردع، وترسيخ حقها المشروع في حماية أرضها ومنافذها وسيادتها بكل الوسائل التي يكفلها حق الدفاع عن النفس والسيادة الوطنية.




