
المقاومة توسّع نطاق عملياتها وتفرض معادلات ردع جديدة في عمق الأراضي المحتلة
تقرير
تواصل المقاومة فرض معادلاتها الميدانية على امتداد الجبهة الجنوبية، في ظل تصاعد المواجهات واتساع دائرة الاستهدافات التي تطال قوات العدو الصهيوني وآلياته ومواقعه العسكرية، بالتوازي مع انتقال نيران المقاومة إلى عمق شمال فلسطين المحتلة.
وتكشف التطورات الميدانية عن مستوى متقدم من الرصد والمتابعة والاستخبار الذي يواكب تحركات قوات العدو الصهيوني ومحاولات تعزيزها وإمدادها، فيما تتزايد المؤشرات على تعثر الأهداف التي أعلنها العدو منذ بدء عملياته البرية.
وفي موازاة المشهد العسكري، تتواصل النقاشات بشأن المسار السياسي الرسمي والمواقف المرتبطة بالمفاوضات والوساطات الدولية وانعكاساتها على معادلة الصمود والمواجهة.
وفي السياق يوضح الخبير بالشؤون العسكرية العميد مالك أيوب، في حديثه لقناة “المسيرة” أن نقطة خلة راج أو وادي راج الممتدة من وادي دير سريان تمثل الممر الوحيد القادر على تأمين عبور آليات الكيان الإسرائيلي لنهر الليطاني، الأمر الذي يمنح أي تحرك عند هذه النقطة أهمية ميدانية استثنائية.
ويؤكد أن رصد المقاومة لتجمع آليات وقوات العدو في هذا الموقع يكشف طبيعة المهمة التي تؤديها القوات المتوغلة شمال الليطاني، والتي تحتاج بصورة مستمرة إلى الإمدادات اللوجستية والمؤن والذخائر، إضافة إلى الحاجة لإجلاء المصابين من ساحات الاشتباك.
ويشير إلى أن المقاومة سارعت إلى استهداف هذه التجمعات بالصواريخ المباشرة والصواريخ ذات المسار المنحني والطائرات المسيّرة، بهدف قطع خطوط الإمداد ومنع وصول التعزيزات إلى القوات المتقدمة، مؤكداً أن هذه العمليات تعكس مستوى متقدماً من الرصد المسبق والمراقبة والاستعلام الاستخباري الذي يواكب تحركات العدو.
ويؤكد أن المقاومة لا تكتفي بمراقبة نقاط العبور، وإنما تتابع مختلف التجمعات العسكرية التي يحشدها كيان العدو على طول الحدود، سواء داخل الأراضي اللبنانية أو في مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، حيث تنظر إلى هذه الحشود باعتبارها مؤشراً على نيات هجومية أو محاولات لتعزيز القوات المتقدمة، الأمر الذي يدفعها إلى التعامل معها بصورة مباشرة.
ويلفت إلى أن العمليات الأخيرة شملت استهداف مربض مدفعية للعدو في العديسة، واستهداف دبابة صهيونية في محور البياضة، ضمن جبهة واسعة تمتد لنحو سبعين كيلومتراً، موضحاً أن المقاومة تعمل على امتداد القطاعات الغربية والوسطى والشرقية، ولا تحصر عملياتها في محور زوطر – الشقيف فقط.
ويضيف أن الاستهدافات المتواصلة طالت جنود العدو وآلياته ودباباته في أكثر من محور، حيث تم تدمير دبابتين في رب ثلاثين، ودبابة في القوزح، وأخرى في البياضة، إلى جانب تدمير مربض مدفعية تابع للاحتلال، ما يعكس اتساع رقعة الاشتباك وتعدد أهداف المقاومة في مختلف القطاعات.
وحول غارات العدو الإسرائيلي المكثفة على قرى شمال الليطاني، يوضح أيوب أن العدو يوظف تفوقه الجوي بهدف تسريع نزوح السكان باتجاه العاصمة بيروت، في محاولة لخلق ضغوط إضافية على البيئة الحاضنة للمقاومة، غير أن الميدان يشهد في المقابل تطوراً لافتاً تمثل في إدخال معادلة شمال فلسطين المحتلة إلى دائرة المواجهة خلال اليومين الماضيين.
ويشير إلى أن المقاومة تستخدم صواريخ بعيدة المدى وصلت إلى منطقة الكريوت شمال حيفا على مسافة تقارب ستين كيلومتراً، كما تستهدف صفد ونهاريا ومواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ ثقيلة، الأمر الذي يفرض واقعاً جديداً على الجبهة الشمالية للعدو.
ويتابع أن الإعلام العبري يرصد حركة نزوح واسعة من المستوطنات الشمالية، من بينها مغادرة نحو ألفين وخمسمائة مستوطن من كريات شمونة، وهو ما يضيف أعباء جديدة على حكومة المجرم نتنياهو التي تواجه استحقاقات سياسية وانتخابية خلال المرحلة المقبلة.
ويشدد أيوب على أن النتائج الميدانية تعكس فشل العدو الصهيوني في تحقيق أهدافه المعلنة، إذ دخل الأراضي اللبنانية تحت عنوان تجريد حزب الله من سلاحه، غير أنه يواجه مقاومة تحول دون احتلال المناطق التي يتوغل فيها أو تثبيت قواته داخلها، ما يجعل أهدافه العسكرية أبعد من التحقق رغم استمرار العمليات.
بدوره، يؤكد الكاتب والإعلامي خليل نصر الله، في حديثه لقناة “المسيرة” أن تصعيد العدو الإسرائيلي والجرائم التي يرتكبها لا يرتبطان بصورة مباشرة بالحديث الرسمي عن المفاوضات، معتبراً أن المشهد الحالي يعكس نهجاً سياسياً تتبعه السلطة القائمة في لبنان.
ويشير نصر الله إلى أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وصلا إلى موقعيهما عبر تسوية سياسية، ويعتبر أن مواقفهما اللاحقة تختلف عن التفاهمات التي كانت قائمة مع حزب الله وحركة أمل، لافتاً إلى أن اسم نجيب ميقاتي كان مطروحاً في مرحلة سابقة قبل أن يتم إسقاطه نتيجة ضغوط عربية وأمريكية بحسب ما يذكر.
ويقول إن السلوك السياسي القائم يطرح تساؤلات عديدة، رغم امتناعه عن الجزم بوجود التزامات أو تفاهمات محددة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لا تشكل جهة ضامنة في هذا الملف، وأن رئيس الحكومة نفسه يقر بعدم وجود ضمانات حقيقية لنجاح المفاوضات أو الوصول إلى نتائج ملموسة.
ويرى أن الحديث عن رهان على الوساطة الأمريكية يفتقر إلى عناصر النجاح، في ظل استمرار طرح ملفات وقضايا يطالب بها كيان العدو، وفي مقدمتها قضية سلاح حزب الله، موضحاً أن ما يطرحه العدو لا يندرج ضمن مفهوم السلام بقدر ما يعبر عن محاولة لفرض شروط الاستسلام.
ويؤكد أن الأسئلة المرتبطة بهذا المسار السياسي يجب أن توجه إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لافتاً إلى أنه لا يلمس مؤشرات عملية على وجود ضغوط مباشرة لكيان العدو تدفع المسؤولين إلى اعتماد هذا النهج، كما يشير إلى اختلاف الأولويات الرسمية عن الأولويات المرتبطة بالمواجهة مع العدو.
ويوضح نصر الله أن المواطنين ينشغلون بمتابعة العمليات العسكرية وأداء المقاومة أكثر من اهتمامهم بمواقف المسؤولين، مشيراً إلى وجود حالة من العتب والاستياء تجاه أداء الدولة والحكومة في عدد من الملفات.
ويختم بالتأكيد على أن هذا الاستياء لا ينعكس على موقف الناس من خيار المقاومة، وأن الخطاب الرسمي لا يترك أثراً جوهرياً على المزاج الشعبي عندما يتعلق الأمر بقضية تحرير الأرض ومواجهة العدو، حيث تبقى الأولوية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين للميدان وما يحققه من نتائج في مواجهة العدو.




