
أمريكا تهرّب الحاملة “بوش” بأمر يمني والسعودية تستجدي.. اليمن يحاصر “العربدة”
تقرير /نوح جلّاس
يواصل الردع الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية، إفراز التطورات التي تعيد تعريف موازين القوة البحرية عالمياً، بعد أن اعترفت الولايات المتحدة، عبر معهد البحرية الأمريكي، بتغيير المسار الملاحي لحاملة الطائرات “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش”، والابتعاد عن باب المندب والبحر الأحمر تحسباً لضربة حتمية مباشرة ومحققة، في خطوة تكشف زلزالاً حقيقياً في مفهوم الهيمنة البحرية التي كانت تحظى بها واشنطن، وتؤكد أن السواحل اليمنية باتت تفرض حساباتها على أقوى الأساطيل في العالم.
نص الاعتراف جاء في بيان لمعهد البحرية الأمريكي، قال إن “حاملة الطائرات (يو إس إس جورج إتش دبليو بوش) لم تعبر عبر مضيق جبل طارق إلى البحر المتوسط وهو المسار المعتاد لحاملات الطائرات المتجهة إلى (الشرق الأوسط)”، مضيفاً أن الحاملة والقطع الحربية المرافقة لها “تبحر حول القارة الأفريقية لتجنب المرور عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر”.
هذا الاعتراف وبما يحمله من يقين أمريكي جازم بأن المرور من مسرح العمليات الذي حددته القوات المسلحة ميداناً لتوجيه الضربات حال استُخدم في العدوان على إيران، يأتي كإعلان صريح عن سقوط مفهوم “السيادة البحرية المطلقة” الذي حكم تحركات الأساطيل الأمريكية لعقود، بعد أن وجدت واشنطن نفسها مضطرة للالتفاف حول القارة الإفريقية؛ هرباً من مواجهة مباشرة مع قدرات يمنية باتت تفرض معادلاتها على الواقع.
قرار الإبحار حول إفريقيا، بكل ما يحمله من كلفة زمنية ولوجستية هائلة، يكشف حقيقة أن الحاملة “بوش” اضطرت لتغيير مسارها لا اختياراً، كما أن الشواهد والمعطيات والمحددات التي وضعتها اليمن، تثبت أن الردع اليمني كان صاحب القرار الذي دفع الحاملة وأسطولها الضخم للابتعاد وأخذ جولة طويلة زمنياً وجغرافياً، خاصة بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية استهداف أي قطعة حربية تشارك في العدوان على إيران عبر البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التحول يؤكد أن واشنطن باتت تتعامل مع هذا التهديد بجدية كاملة، حيث تحول إلى عامل حاسم في تحديد حركة أساطيلها، كما يكشف يقيناً أمريكياً بأن المرور في هذا مسرح البحري لم يعد ممكناً دون كلفة، وأن الحاملة ستكون هدفاً مباشراً كرد فعل طبيعي بعد إعلان اليمن محددات التدخل الرادع، بحكم أن الحاملة “يو إس إس بوش” ومرافقاتها تتجه للمشاركة في الحصار على الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن التجربة الميدانية التي رسخت الحقيقة لدى الولايات المتحدة بأن التحذيرات اليمنية باتت عبارة عن قرارات عسكرية قابلة للتنفيذ بدون أدنى شك.
إقرار معهد البحرية الأمريكي بأن أي حاملة طائرات لم تعبر باب المندب منذ ديسمبر 2023، تاريخ عبور “أيزنهاور”، يكشف أيضاً حجم التحول، ويؤكد أن العمليات اليمنية خلال “طوفان الأقصى” فرضت واقعاً جديداً في هذا الممر الحيوي، أجبرت حاملات الطائرات على الانسحاب أو إعادة التموضع بعيداً عن مسرح العمليات الذي تطاله أيادي اليمن الطولى.
وخلال تلك المرحلة، واجهت حاملات الطائرات الأمريكية استهدافات متكررة أجبرتها على الانسحاب أو إعادة التموضع، وصولاً إلى طرد خمس حاملات من مسرح العمليات، في سابقة تاريخية ضربت عمق الهيبة العسكرية الأمريكية، التي لطالما قدّمت هذه الحاملات كـ”قلاع عائمة” عصية على التهديد.
ونظراً لإدراك واشنطن لمعطيات المواجهات في فترة “الطوفان”، والتي أفرزت ضغطاً وإرباكاً غير مسبوق في تاريخ أمريكا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، على وقع إسقاط المقاتلات وتصادم القوات والنيران الصديقة والإصابة المباشرة للحاملات وغيرها من الصفعات، فإن الولايات المتحدة تدرك أيضاً هشاشة قوة أساطيلها المدججة بالفرقاطات والمدمرات والحاملات أمام قوة الردع اليمنية، لتترجم جولة “الحاملة بوش” الطويلة حقيقة ما تعيشه أمريكا وتتخذ على ضوئه قراراتها وحساباتها.
وتؤكد هذه التطورات أن اليمن انتقل من موقع الدفاع إلى موقع التأثير المباشر في القرار العسكري للولايات المتحدة وحلفائها، فبالتوازي مع الذعر الأمريكي تظهر تحولات جديدة تعزز حقيقة تحول البحر الأحمر وباب المندب من ممر تسرح وتمرح فيه واشنطن وأذيالها، إلى “منطقة ردع” تتحكم بها معادلات فرضها اليمن، حيث كشفت تقارير دولية أن السعودية سعت للحصول على تعهدات يمنية بعدم استهداف سفنها مقابل الالتزام بالضوابط المعلنة من صنعاء، في اعتراف ضمني بأن أمن الطاقة بات مرتبطاً بقرار يصدر من العاصمة اليمنيةبعد مراجعة مواقف القوى السائرة في فلك العربدة الأمريكية.
وفي هذا الصدد، يكشف الضغط الخليجي على واشنطن لتجنب التصعيد في الممرات البحرية، خشية إغلاق باب المندب، إدراكاً متزايداً بأن أي مواجهة مفتوحة أو تصعيد إضافي على إيران سيؤدي إلى شلل في تدفقات أمريكا وحلفائها الاقتصادية والعسكرية في آن واحد، وهي ورقة ضغط مزدوجة خلقتها اليمن لتفرض بها متغيرات وارتباكات في صفوف قوى العدوان والاستكبار.
وعلى ضوء هذه المعطيات، يبرز اليمن كقوة إقليمية صاعدة نجحت في إرباك حسابات الولايات المتحدة وحلفائها، وفرضت حضورها في معادلة الأمن البحري والدولي بما يحيّد العربدة الأمريكية والصهيونية، فالولايات المتحدة، التي كانت تتحرك بحرية شبه مطلقة، باتت اليوم تعيد حساباتها وتغير مساراتها تحت تأثير قوة صاعدة استطاعت تحويل التهديد إلى واقع، والردع إلى سلوك مفروض على الخصوم المتغطرسين.
كما أن الاستنتاج الذي يختزل الشواهد، يجعل من هروب الحاملة “بوش” حول إفريقيا إعلاناً مدوياً عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها أن البحر الأحمر وباب المندب صارا ميادين تخضع لردع يمني متصاعد، قادر على فرض إرادته، وإعادة تشكيل توازنات القوة في المنطقة، وبإفرازات تصل إلى المستوى الدولي والعالمي.
المسيرة نت




