الضلال بعد الهدى: ذَلِكَ هو الخسرانُ المبين

محمد اليوسفي

على مدى تاريخ الأمة الإسلامية وما حمل على عاتقها من مسؤوليةً دينيةً عجزت الأمة عن الإلتزام بها وتقديم الإسلام كنموذجاً راقياً للبشرية في كل العالم بمختلف مجالات الحياة، واقتصر أداؤها في فقط تُأدّية الطقوس الشكلية الدينية، بعيدا عن العلوم والتكنولوجيا والصناعة وما إلى ذلك من مشاريع البناء والتقدم لخدمة البشرية على مستوى العالم أجمع باعتبارها مسؤوليةً إلهية على الأمة الإسلامية.

كل ذلك لم يأتي من فراغ، بل جاء نتاج قرون من تلقي أبناء هذه الأمة للثقافات المغلوطة وإتباع الباطل مما أفقد الأمَّـة الروح العملية وجعلها حبيسة للطقوس الشكلية التعبُدية بعيدا عن المسؤوليات العملية الحركية.

حيث باتت نسبة الخطورة على الأمَّـة اليوم تتجاوز مراحل ما قبل الرسالة وما كانت عليه آنذاك من الفطرة التي لا تقبل بمعادلة الإستسلام وما يعارض فطرتها السليمة من الجاهلية والتهميش.

وعندما كرمها الله بنور الهدى وحملها مسؤولية هداية الناس بالقرآن قصرت ولم تصمد؛ وحينما قُدّم لها الضلال بشكل دين؛ حريصة على الإلتزام به دون الإدراك بأن ذلك هو الإتباع للباطل بحد ذاته. وخسارة (“التكريم” و”الهدى”) هما اليوم ثمن ذلك الانبطاح المُغلفْ بشعارات الإيمان.

لنرى اليوم الأمَّـة الإسلامية في حالة من الجمود والعجز التام عن الوصول إلى ما قد سبقا إليه اليهود والدول الأخرى من تطور وعلوم وتكنولوجيا، كان حتماً يجب الوصول إليه من قبل المسلمين أولاً لكونها مسؤولية “القرآن الكريم”.

القرآن الذي لا تنحصر آياته العظيمة في مُجَرّد الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الفرايض العبادية التي باتت محسومة من الأساس، حيث ما يزال في القرآن هو الأكثر مما قد توصلت إليه البلدان ذات التطور الهائل على مستوى العالم.

وهنا تتجلى الفجوة المتخمة بالجمود:
إن حجم الخسارة والجمود في هذه الأمَّـة رغم ما تمتلكه من حلول، هي ما ترجمتها سلسلة طويلة من الأحداث ما بين مسَّارينْ اثنين لا ثالث لهما: الأول تكلف الأمَّـة بما قد تكفل اللهُ به كمسؤولية لا يُمكنُ المساسُ بها على مر التأريخ. أما الآخر فهو تجّاهل الأمَّـة لما يظل مسؤوليةً على عاتقها لم يعمل بها في مجال النهضة والبناء، وإنما في الاجتهاد عن ما يظل من مسؤولية الخالق وليس الخلق.

حيث ما يجب ألا يصدر من قبل العالم الإسلامي اليوم إن أراد الخروج من مربع الخزي وحالة الهزيمة النفسية والمعنوية: البداية تبدأ من عدم الأنبهار مما قد توصل إليه الغرب كبداية أساسية تهدف إلى استنهاض الهمم والعودة للقرآن من جديد.

ثم الإدراك لحجم التخاذل الذي عملا على ضرب الأمَّـة الإسلامية مرتين: الأولى من («قبل الأعداء» والثانية من “قبل الله”) وتلكَّ عَاقِبَةً إلهية ليس باستطاعة الأمَّـة حمل عُقْبَاهَا نتاج عجزها الكامل عن تُأدّية مسؤولياتها اتجاه ما يجري من أحداث مصيرية تُهدد كيان الإسلام.

العدل والمساواة معياران أساسيان لخدمة البشرية في شتى المجالات: كونهما يعمدان إلى البدء من قاعدة أن يكون البناء حسب الحاجة. وينتهيان من قاعدة الحفاظ على طبيعة البيئة وعدم إلحاق الضرر بها، مما يمكننا القول عنه حسب “المعاير الإلهية” العادلة.

وهذا ما لا طاقةَ للمسلمين على القيام به في حالةٍ كهذه حالةٍ الأولويةُ فيها إصلاحُ ذات البين وإعادة ظبط النفوس والعودة الجادة من المسلمين جميعاً للبدء من قاعدةِ الإعتراف الضمني أن ما يخلُ بالإسلام؛ يضر الجميع دون استثناء ثم الانطلاق من قوله تعالى: { إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

من هنا ستبدأ الحياة الحقيقية للإنطلاق من موقع القوة، وصناعة الحدث من موقع الإرادة، ويتجاوز العالم الإسلامي مراحل الاختلاف، ليبرز على الساحة كنموذجاً يُحتذَى به في مختلف المجالات، كافياً لأن يجعل الساحةِ الإسلامية تحظى بنصر الله والفتح المبين.

لذا وما يجب لإظهار دين الله كاملاً في ميدان البناء والمواجهة. فهو الإلتزام الكامل والتخلص من عقدة النقص والجمود ومرحلة الإتباع للباطل، حتى لا تحكُمَ الأمَّـة على نفسها بلهلاك. وتقدّمَ شاهداً وكأن الله ليس حكيماً على إختيارها لتقديم “القرآن” وما يحمله من مستقبلاً عظيماً للبشرية.

إذن: ما يظلُ سنةٌ إلهية هو أن الحق لا يُمكنُ الوصول به إلى العالم إلا من يجسده في الواقع على أساس دين الله المتكامل ليُرفع “الإيمان” وتسقط روايات الضلال، باعتبارها مسؤوليةٌ دينيةٌ لا مُساومةٌ فيها دامُ هي من تصنعُ التأريخ والأجيال من صُلب عقيدةٍ واحدة عقيدة القرآن.

ومَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ..» البقرة- آية 108

مقالات ذات صلة