
ما وراء تسريب ملف أبستين..
عبدالمجيد عزيز
فكرة أن المنظومة الصهيونية تكشف عن نفسها بنفسها بدافع من الشفافية المطلقة أو الصحوة الأخلاقية المفاجئة هي فكرة ساذجة، فهي لا تقدم على إبراز مثل هذه الفضائح إلا إذا كانت تخدم هدفا أكبر أو تمنع ضررا أعظم من ذلك.
إذا فما هو الهدف من إبراز الجانب المظلم لكبرى شبكات المال والسلطة في عالمنا المعاصر؟
الأهداف لا بد ان تخدم هذه المنظومة نفسها لفرض مزيد من التسلط والنفوذ، وأطرحها في سياقين: الاول سياق التوقعات، والثاني سياق البعد الحقيقي الواقعي الذي لا يحتمل التاول والإنكار كما يلي:
أولا: سياق التوقعات:
واقصد هنا الأهداف المتوقعة التي قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة وهي:
١- تمهيد الطريق لنظام جديد أكثر سيطرة، و إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية فالسلطة هناك ليست كتلة واحدة، بل هي في صراع دائم بين أجنحة مختلفة و قد يستخدم أحد الأجنحة هذه الفضائح لتصفية خصومه في الجناح الآخر، من خلال تسريب معلومات تورط شخصيات معينة، يتم إضعافهم أو إزاحتهم من مراكز النفوذ، مما يسمح للجناح الآخر بفرض سيطرته وتمرير أجندته.
2- الضغط على الإدارة الامريكية الحالية لتمرير مشاريع وأجندة قد تراها ثقيلة ومكلفة.. مثل شن حرب مباشرة على إيران واليمن او غير ذلك..
ثانيا: سياق البعد الحقيقي الذي لا يحتمل الشك والإنكار بل ستفرضه هذه الفضيحة بشكل أو بآخر، وهو ان هذه التسريبات تاتي ضمن حرب نفسية واجتماعية طويلة الأمد، بل هو أحد أخطر تداعياتها وأكثرها تأثيرا على المدى البعيد، ودعونا نفصل هذه الفكرة لأنها تستحق ذلك ولو اطلت عليكم:
اولا: في علم النفس الاجتماعي هناك حالة تعرف بعدة مصطلحات، أبرزها:
– التطبيع: تحويل ما هو صادم وغير مقبول إلى شيء عادي ومألوف.
– إزالة التحسس: وفرض حالة من فقدان الاستجابة العاطفية (مثل الصدمة، الغضب، أو الاشمئزاز) تجاه حدث أو فكرة بسبب التعرض المتكرر لها.
– نظرية التعلم الاجتماعي: فالناس يتعلمون السلوكيات المقبولة من خلال مراقبة الآخرين، خاصة أولئك الذين في مواقع السلطة أو الشهرة (النخبة).
والسؤال كيف تعمل هذه الآلية النفسية في قضية إبستين؟
1- كسر الصدمة: في البداية، سمع الناس سابقا عن جرائم إبستين وشبكته وأصيبوا بالصدمة والاشمئزاز، هذا رد فعل طبيعي وصحي، ثم تكرر تسريبها اليوم ولن تكون صدمتها مثل الأمس وستتكرر مستقبلا.. وفي كل مرة تقل ردة الفعل تجاهها.. وهكذا..
2- التعرض المتكرر والممنهج: نلاحظ ان وسائل الإعلام الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي تضخ التفاصيل بشكل مستمر ومتسلسل. اليوم اسم رئيس سابق، غدا اسم عالم مشهور، بعده اسم أمير أو ملياردير، و مع كل اسم جديد، تقل حدة الصدمة قليلا و يصبح الخبر فضيحة اليوم بدلا من كونه جريمة تهز الضمير الإنساني.
3- ربط الانحطاط بالنجاح والسلطة: فاللاوعي عند غالبية سكان الارض يبدأ في تكوين رابط مفاده (هؤلاء هم أقوى الناس في العالم، وهذه هي حياتهم السرية) حتى لو كان العقل الواعي يدين هذه الأفعال، فإن اللاوعي يسجل أن هذا السلوك هو جزء من عالم النخبة، هذا يضعف الحاجز النفسي والأخلاقي ضد هذه الأفعال، وخصوصا في المجتمعات التي تتدنى فيها نسبة الدين القيم.
4- خلق حالة من اليأس واللامبالاة: عندما يرى الناس العاديون أن الجميع فاسد وأن النخبة بأكملها (سياسيين، رجال أعمال، علماء) متورطة، قد يصل إلى نتيجة مدمرة: مفادها لا فائدة من المقاومة، هذا هو حال العالم، ولا شيء يمكنني فعله لتغييره، هذا اليأس يقتل أي رغبة في المحاسبة أو الإصلاح ويؤدي إلى السلبية واللامبالاة، وهو ما تريده أي سلطة فاسدة.
5- تآكل المعايير الأخلاقية المجتمعية: هذه هي النتيجة النهائية. فعندما يصبح الإجرام والرذيلة أمرا عاديا في مراكز قوى عالمية، بل وجزءا من طبيعة هذه القوى، يبدأ هذا التأثير بالتسرب إلى الأسفل، قد لا يمارس الناس نفس الجرائم، ولكن المعايير العامة للأخلاق تتآكل بقوة، فما كان يعتبر عيبا كبيرا أو حراما مطلقا، يصبح مسألة نسبية، يبدأ الناس في تبرير سلوكياتهم الخاطئة الصغيرة بمقارنتها بالجرائم الكبيرة التي يفعلها الكبار (إذا كان فلان يفعل ذلك، فما أفعله أنا لا شيء).
الخلاصة: هذا التأثير لا بد أن يكون هدفا لأي جهة منحطة تسعى لفرض السيطرة، فحين تكون المجتمعات بلا بوصلة أخلاقية يسهل السيطرة عليها، وعندما تنهار الخطوط الحمراء المشتركة، يصبح الناس أفرادا معزولين يسعون وراء مصالحهم الآنية، ويسهل توجيههم والتلاعب بهم، وعندما تشاع فكرة ان الجميع فاسدين ومجرمين ومغتصبين وشاربي دماء فهي تخدم المنحطين المجرمين أنفسهم، لأنها تزيل عنهم خصوصية كونهم مجرمين وتجعلهم مجرد جزء من الطبيعة البشرية.
إذا نحن لا نشهد فقط كشفا عن فضائح وجرائم، فحسب،
ولا نتوقع هندسة قرارات وأجندة سياسية يراد تمريرها فحسب،
ولا نتوقع هندسة تشكيل مراكز قوى جديدة فحسب، بل نؤكد ونجزم أننا نشهد أيضا عملية هندسة اجتماعية نفسية ضمن عمليات أخرى كثيرة هدفها النهائي تسهيل تشكيل وعي المجتمعات وقيمها لتصبح أكثر قبولا للإجرام والسفالة والقذارة والانحطاط، وبالتالي أكثر خضوعا للمنظومة الصه… الفاسدة..
وما دام الأمر كذلك فلا بد من البحث عن آليات التحصين النفسي والمعنوي التي تتناسب مع هذه الحادثة وتفعيلها خلال هذه الفترة بقوة..




