
تهيئةٌ إلهية وحكمةٌ ربانية
د. عبد الملك أبو دنيا
إن المتأملَ في هذا النصر الفريد لَيلمسُ بجلاءٍ أن ما تحقق هو تهيئةٌ إلهية خالصة، وحكمةٌ ربانية بالغة، فكيف لأمةٍ قليلةِ العتاد، محصورةٍ محاصرة، أن تهزمَ أعتى التحالفات وأقواها؟ إنه توفيقُ الله الذي وعدَ المؤمنين بقوله: “إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ”، وبقوله أيضاً: “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”.
نعم، إن هذا النصرُ العظيم يذكّرنا بسنن الله في الوجود، بأن الأرضَ لله يورثها من يشاء من عباده المؤمنين، وأن سننَ التمكين لا تُدار بالحساباتِ المادية وحدها، بل بإرادةِ الله وقدرته، وبصدقِ التوكل عليه وصدقِ الالتزامِ بمنهجه.
لقد أدرك أبناءُ هذه الأمة أن هناك حساباً إلهياً دقيقاً، وأن هناك اختباراً لصدقِ الإيمان وقوةِ اليقين، فمن صبر وثبت وأخلص، جاءَه النصرُ من حيث لا يحتسب، وهذه المعادلةُ الإلهية هي التي تُصعِدُ المؤمنين درجاتٍ وتمنحهم أرفعَ الغايات وأسمى المقامات، وترفع بأسهم فوق كل قوةٍ أرضية مهما كانت، وقد قال ربنا تبارك وتعالى: “وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”، وهو الذي أصدقَ وعده وصدّقَ رسوله وحدَه.
إن هذا النصرَ هو فتحٌ عظيمٌ وشرفٌ كبير لكل أبناء الأمة العربية والإسلامية، ولكل أحرارِ العالم الذين يرفضون الهيمنة والوصاية والعبودية للقوى الاستعمارية. فبابُ المندب، هذا الممرُّ الذي سعى أعداءُ الأمة لتحويله إلى ساحةٍ لنفوذهم ومصالحهم، عاد اليوم ليكون بوابةً للعزة والكرامة، يطلُّ منها أبناءُ هذه الأمة على العالم حرّاً أبياً، لا ينحني إلا لله رب العالمين، فالحمدُ لله الذي جعل من هذا اليومِ بدايةَ عهدٍ جديد، ومن هذه الأرض المباركة نقطةَ انطلاقٍ لتحريرِ كاملِ الجغرافيا اليمنية من دنسِ الاحتلال، وإن الأمةَ التي تصنعُ هذه الانتصاراتَ لهي أمةٌ تستحقُّ أن تُرفَعَ لها الهامات، وأن تُحفَظَ لها العهودُ والمواثيق، فهي أمةُ النصرِ والتمكين، وأمةُ الجهادِ والثبات، وأمةُ الرجالِ الذين يصدقون ما عاهدوا اللهَ عليه.
اللهم لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ إذا رضيت، ولك الحمدُ بعد الرضا.. اللهم تقبّل شهداءنا في عليين، واشفِ جرحانا، وفُكَّ أسرانا، وانصر جندنا في كل مكان، واجعل هذا النصرَ فاتحةَ خيرٍ ونصرٍ وتمكينٍ لدينك، وارزقنا شكرَ نعمك وحسنَ عبادتك. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

