
انتهاك مجلس الأمن لميثاق الأمم المتحدة
د/ عبدالرحمن المختار
أداء مجلس الأمن الدولي منتهك لميثاق الأمم المتحدة منذ تأسيس المنظمة الدولية وحتى اليوم، لكن أخطر انتهاكين من جانب المجلس لمبادئ وأحكام ميثاق الأمم المتحدة تتجسد في قضيتين: الأولى قضية الشعب الفلسطيني على مدى أكثر من سبعة عقود من الزمن، والثانية قضية الشعب اليمني وعلى مدى أكثر من خمسة عشر عامًا.
وعلى الرغم أن وظيفة مجلس الأمن وفقًا للفقرتين الأولى والثانية من المادة (24) من الميثاق تنحصر في حفظ السلم والأمن الدولي، والمجلس ملزم في أداء واجباته لتحقيق هذه الغاية بالعمل وفقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأول هذه المبادئ وأهمها كما وردت في الميثاق (إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف).
وثاني هذه المبادئ التأكيد على (الحقوق الأساسية للإنسان وكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية) ومبادئ أخرى متعلقة بتحقيق العدالة، والدفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، ورفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح!
ومع أن مجلس الأمن ملزم قانونًا بالعمل وفقًا لهذه المبادئ، وأن أي إخلال بها على أرض الواقع يعد انتهاكًا صارخًا من جانب المجلس، وإذا ما طبقنا هذه المبادئ على قضية الشعب الفلسطيني لاتضح بجلاء حجم الانتهاك الصارخ من جانب المجلس لمبادئ الميثاق، التي تلزمه بإنقاذ الأجيال من ويلات الحرب، وهو ما يعني أن المجلس ملزم بتوفير الحلول الكفيلة بإزالة أسباب الحروب بين الدول، لما يترتب عليها من مآسٍ تلحق بالمدنيين والعسكريين معًا، وفي هذا الجانب فشل المجلس فشلًا ذريعًا في منع الحروب بين الدول بإزالة أسبابها وقمع الدول المعتدية وفقًا للمادة (51) من الميثاق.
وإذا كان ذلك فيما يتعلق بفشل المجلس في نزع فتيل الحروب بين الدول حماية للأجيال من المآسي، التي تسببها تلك الحروب، فإن المجلس فيما يتعلق بقضية الشعب الفلسطيني لم يتنصل عن واجبه في منع المآسي، التي تعرضت لها الأجيال على مدى أكثر من سبعة عقود من الزمن، ولا تزال تتعرض لها حتى اليوم، وهو ما يعد انتهاكًا من المجلس لمبادئ الميثاق، بل إن المجلس قد ساهم بشكل واضح في ارتكاب تلك المآسي بحق الشعب الفلسطيني، من خلال توفير مظلة حماية سياسية وقانونية للكيان الصهيوني، الذي اقترف جريمة إبادة جماعية أفعالها مستمرة ومتتابعة، منذ أن منحت المنظمة الدولية ومجلس أمنها للكيان المجرم دون وجه حق أرض الشعب الفلسطيني، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم وهو يقترف أفعال الإبادة الجماعية بحق شعبها، وليس آخرها مأساة غزة!
ولا يعفي مجلس الأمن من مسؤوليته عن جريمة إبادة الشعب الفلسطيني من جانب الكيان الصهيوني، تغول الإدارة الأمريكية وثقلها السياسي والعسكري، بل إن ذلك يجعل المسؤولية عليه أوجب، باعتبار أن أفعال الإبادة الجماعية بحق أجيال الشعب لا تقترف في نزاع مسلح بين دولتين متكافئتين من حيث القدرات العسكرية، وإنما يقترفها كيان محتل بحق شعب أعزل يرزح تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود من الزمن.
أما ما يتعلق بانتهاك مجلس الأمن لميثاق الأمم المتحدة في شأن قضية الشعب اليمني، فأحدث انتهاك للمجلس كان مساء يوم أمس الخميس العاشر من شهر سبتمبر، حين بحث في جلسة طارئة ما وصفها بتطورات الأوضاع في اليمن ودخول الصراع مرحلة أشد خطورة، وتهديد الملاحة الدولية والهجمات على المملكة العربية السعودية، وهذه العناوين لم تصغها رئاسة المجلس، بل صاغها النظام السعودي، الذي يشن حربًا عدوانية على الشعب اليمني منذ سنة 2015.
وسبق لمجلس الأمن أن بارك هذه الحرب العدوانية الإجرامية في انتهاك سافر للواجبات الملقاة على عاتقه بموجب أحكام الميثاق، التي تعتبر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سلامة وسيادة دولة أخرى جريمة، يجب على مجلس الأمن وفقًا للمادة (51) من الميثاق قمع الدولة المعتدية وفقًا للإجراءات والوسائل المناسبة التي حددها الميثاق لذلك، سياسية واقتصادية وعسكرية.
لكن المجلس وبدلًا عن الوقوف في وجه النظام السعودي مرتكب جريمة العدوان، إذا به يقف إلى جانب المعتدي، ويوفر له مظلة حماية من مواجهة عواقب جرائمه بحق أبناء الشعب اليمني، ولم يقف انتهاك مجلس الأمن لمبادئ وأحكام الميثاق عند هذا الحد، وإنما تجاوز ذلك إلى إنكار حق المعتدي عليه في الدفاع عن نفسه.
وما دار في جلسة يوم الخميس يمثل أحدث انتهاك في سلسلة انتهاكات مجلس الأمن الدولي لحقوق الشعب اليمني، إخلالًا من المجلس بمبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، التي تضمنها الميثاق وألزم مجلس الأمن العمل بمقتضاها، فقد توالت في الجلسة الإدانات للشعب اليمني بسبب استخدام حقه المشروع في الدفاع عن النفس، ردًا على العدوان السعودي.
ولم يتطرق المجلس مطلقًا لمائة وواحد وعشرين غارة جوية نفذها الطيران الحربي التابع للنظام السعودي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية، وضمن ما استهدفته تلك الغارات الإجرامية لطيران النظام السعودي سجن في محافظة الجوف، ونتج عن ذلك عشرات القتلى والجرحى بينهم نساء وأطفال من الزوار.
ولم يقتصر غض الطرف عن جرائم النظام السعودي على المجلس، إذ أن المبعوث الأممي المعني بالشأن اليمني، الذي تطرق في إحاطته للسيطرة على مديرية المخا واستهداف الأراضي السعودية، لم يتطرق مطلقًا للعدوان السعودي على الأراضي اليمنية، وما نتج عنه من ضحايا في صفوف المدنيين، خصوصًا ضحايا السجن في محافظة الجوف، وهو ما يؤكد تواطؤ الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في تغطية جرائم النظام السعودي بحق الشعب اليمني.
ولو أن مجلس الأمن الدولي يحوز قدرًا من الحيادية والمهنية والمصداقية، لبحث ما هو معروض عليه من نزاعات مسلحة وفقًا للإجراءات المحددة في الميثاق، فما جرى في جلسة يوم الخميس لا يختلف عن سابق جلسات المجلس، التي تنعقد بحضور طرف واحد في النزاع يحشد بما يملكه من ثقل مالي عدد الدول الأعضاء في المجلس إلى جانبه لتبني موقفه والتنديد بخصمه في النزاع المسلح.
وهكذا انتهت جلسة الخميس بتأييد الجاني وإدانة المجني عليه المدافع عن نفسه، ولو أن مجلس الأمن يقيم اعتبارًا لميثاق الأمم المتحدة وهو يؤدي واجباته المتعلقة بالنزاعات المسلحة، لكانت الجلسة قد انعقدت بحضور طرفي النزاع، ويستمع المجلس لكل طرف، لكن ما حدث كان العكس، فالحاضر طرف واحد وهو المعتدي، كما يحدث في جميع جلسات المجلس، وإن حضر شكلًا من وصف بممثل اليمن، إلا أن ذلك الحضور لا قيمة له تذكر في ميزان مصلحة الشعب اليمني، بل يصب في مصلحة النظام السعودي.
وكان يتوجب على مجلس الأمن الدولي أن يدعو لحضور جلسته الطارئة الطرف الآخر في النزاع المسلح، لا أن يكتفي بطرف واحد في النزاع، فذلك يعد انتهاكًا سافرًا للمادة (32) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن (كل عضو من أعضاء “الأمم المتحدة” ليس بعضو في مجلس الأمن، وأية دولة ليست عضوًا في “الأمم المتحدة” إذا كان أيهما طرفًا في نزاع معروض على مجلس الأمن لبحثه يدعى إلى الاشتراك في المناقشات المتعلقة بهذا النزاع دون أن يكون له حق في التصويت، ويضع مجلس الأمن الشروط التي يراها عادلة لاشتراك الدولة التي ليست من أعضاء “الأمم المتحدة”).
وإذا كان مجلس الأمن يدرك بحيادية أن الدولة لا تعني مجموعة من العملاء تقبع في عاصمة دولة العدوان، فإنه سيتعامل على أساس أن الدولة شعب وأرض وسلطة تمثلهما، وهذا ما هو واقع وقائم على أرض الواقع في اليمن، وهو الواقع الذي سيتعامل معه المجلس، لكن شرط ذلك أن يكون مهنيًا محايدًا.
ومجلس الأمن في حال كان مهنيًا محايدًا ويعمل وفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، فإنه سيلتزم أثناء مناقشته لأي نزاع بين طرفين بحث ما سبق بينهما من اتفاقات، وتحديد الطرف المخل ببنود تلك الاتفاقات والمعيق لتنفيذها أعمالًا لنص الفقرة الثانية من المادة (36) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على أن (على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم).
ولم يتجاهل مجلس الأمن اتفاق حل النزاع المسلح بين اليمن والنظام السعودي بوساطة عمانية، وإشراف أممي، بل وصل الحال بالمجلس حد تجاهل الحرب العدوانية، التي أعلنها النظام السعودي في شهر مارس 2015 على الشعب اليمني، والتي لا تزال تلك الحرب مستمرة حتى اليوم، فلم يعلن النظام السعودي إنهاءها، ومن المعلوم أن قرار إعلان الحرب لا بد أن يتبعه قرار بإنهائها، وإلا فإن حالة الحرب تظل قائمة وإن تخللتها هدنة أو تهدئة.
وما لم يعلن الطرف الذي شن الحرب العدوانية انتهائها من جانب واحد، ويعلن التزامه بتعويض ما ترتب عليها من أضرار، فلا بد من اتفاق ينهي حالة الحرب بين الطرفين، كما هو الحال بالنسبة لتلك الحرب التي كانت ناشبة بين النظام السعودي والشعب اليمني في ثلاثينيات القرن الماضي والتي انتهت باتفاقية الطائف سنة 1934.


