
العملية اليمنية الكبرى والواسعة تشعل جنوب المملكة وتوقف نفطها، والقوات المسلحة تؤكد الاستمرار
عمران نت – تقارير – 26 ربيع الأول 1448هـ
تقرير / يحيى الشامي
تتجاوز العمليات العسكرية الواسعة، التي طاولت أهدافاُ اقتصادية وعسكرية في موجة نارية منسقة واحدة وهزت أركان النظام السعودي اليوم، تتجاوز فكرة القصف الموضعي المفاجئ؛ إلى ذروة منطقية لمسار عسكري متصاعد شقّه مجاهدو القوات المسلّحة اليمنية لتثبيت معادلات السيادة، وحلقة استراتيجية متصلة بسلسلة ضربات نوعية منسقة لاتزال تطيح بهدوء المملكة الزائف واستقرارها المصطنع.
أعلن “بيان القوات المسلحة اليمنية” صباح اليوم عن هجوم باليستي ومسيّر طال تحصينات العدو ومنشآته الحيوية في أربع مدن رئيسية: أبها، جيزان، نجران، وخميس مشيط. خلف لغة البيان وسياقه الرابط بين التعنّت السعودي والعدوان المتلطّي خلف مرتزقته، ثمة معركة كسر إرادة سياسية تديرها صنعاء بكفاءة عالية، هدفها إجبار الرياض على مغادرة مربعات التذاكي السياسي والتهرب من دفع كلفة العدوان المباشر، وتفكيك وهمها القديم بإمكانية التواري خلف بنادق الإيجار وعصابات المرتزقة لتصوير الحرب كنزاع يمني داخلي لا يد للمملكة فيه، ولا شأن لها به إلا في حدود “الوسيط” الحريص على حقن الدم وإصلاح الوضع، وهو ما بات هروباً واضحاً ومفضوحاً أمام الجميع، سيما وقد نجحت صنعاء في كشفه في عدة محطات من المواجهة الدبلوماسية والعسكرية.
مفاصل أرامكو في مرمى النار
في تفاصيل المشهد الميداني، زاوجت القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر بين دقة الرصد وقوة التدمير، كما دمجت -هذه المرةَ- بين الأهداف العسكرية والاقتصادية، حيث استهدفت العملية المشتركة مجمع ومصفاة شركة “أرامكو” في جيزان، ومرافق التخزين والتحميل الحيوية في نجران وأبها، بالتزامن مع دك القواعد الجوية الرابطة، وعلى رأسها “قاعدة الملك خالد” بخميس مشيط، واعترفت وزارة الطاقة السعودية على مضض باندلاع حريق واسع شل العمليات التشغيلية، في وقت أحصت جبهتها الداخلية 73 مصاباً جراء الانفجارات المتتالية.
يكشف التحليل العسكري لضربات اليوم عن شلل تكتيكي أصاب المطارات العسكرية التي انطلقت منها 121 غارة سعودية خلال الأيام الثلاثة الماضية لتغطية زحوف المرتزقة كما ورد في بيان القوات المسلحة، لتؤكد صنعاء بهذه العملية أن الجغرافيا السعودية لن تكون منصة آمنة للعدوان، ولن ينفعها التخفي خلف أدواتها من منافقي الداخل في دفع كلفة عدوانها وإصرارها على مصادرة مستحقات وحقوق المينيين.
تكتسب أحداث اليوم شرعيتها الميدانية من ترابطها الوثيق بصفعة العشرين من أغسطس الماضي؛ التاريخ الذي عجزت فيه دفاعات أرامكو في جيزان عن حمايتها تحت وطأة ضربة يمنية مسددة شلت طاقة التكرير البالغة 400 ألف برميل يومياً، واضطر معها المدير التنفيذي للشركة، أمين الناصر، للإقرار علناً بانقطاعات حادة في الإمدادات.
جاءت ضربة اليوم لتبني على هذا الانهيار الإستراتيجي، وتضع صانع القرار في الرياض أمام حقيقة أن التهدئة التي منحتها صنعاء للوساطة الدولية لم تكن صك أمان مطلق، وإنما فرصة مشروطة لرفع الحصار الإنساني، قابلتها المملكة بمزيد من المماطلة والالتفاف على حقوق الشعب اليمني ومستحقاته التي طال صبره عنها.
من قرصنته على أجواء اليمن إلى خنق موانئه
يعود اشتعال هذا السلم الزمني المتفجر إلى خطيئة القرصنة السعودية في يوليو المنصرم، حين أقدم طيران المملكة بإيعاز أمريكي على قصف مدرج مطار صنعاء الدولي للحيلولة دون وصول الجرحى والعالقين والوفود الرسمية على متن طائرة “ماهان” والخطوط المدنية المسموح بها. توهمت الرياض أن خنق رئة اليمن الجوية سيستمر، وأن عدوانها على مطار صنعاء سيمر بلا ثمن، فارتدت مجريات الحرب لتفرض صنعاء معادلة “المنع بالمنع، والحصار بالحصار”.
دخل الحظر البحري المطبق على السفن وناقلات النفط السعودية المارة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر حيز التنفيذ الفعلي في العشرين من الشهر ذاته، وتوج بضرب ناقلتين عملاقتين للعدو في عرض البحر، وتلته سلسل عمليات استهداف وتعقب ضد سفن “بحري السعودية”، كما تراجعت -تحت ضغط الحظر اليمني- عشرات السفن وسلكت طرقاً بعيدة مكلفة، ونجحت العمليات اليمنية في تحويل الموانئ السعودية الغربية (ينبع وجدة) إلى موانئ معزولة ملاحياً، واضطرت إمدادات الطاقة التابعة للمملكة لارتياد مسارات التفافية باهظة الكلفة حول رأس الرجاء الصالح فراراً من البأس اليماني.
صدمة الطاقة واقتراب برميل النفط من مئة دولار
لم تتوقف أصداء الانفجارات داخل المرافق التحتية للمملكة، فقد امتدت شظاياها لتهز عصب أسواق الطاقة العالمية في لندن ونيويورك، كاشفة عن تداعيات أكبر تتجاوز السوق السعودية وعملاقها النفطي أمام الذراع اليمنية الطولى، إلى الأسواق العالمية، وفور صدور بيان وزارة الطاقة السعودية الذي أقر بتوقف بعض العمليات التشغيلية، قفزت أسعار النفط قفزة دراماتيكية؛ حيث سجلت العقود الآجلة لمزيج برنت الدولي صعوداً حاداً لتلامس حاجز الـ 99 دولاراً للبرميل، بينما لحق به خام غرب تكساس الوسيط متجاوزاً 94 دولاراً، وسط حالة من الذعر خيمت على بورصات التداول العالمية.
ويعكس الارتفاع الجنوني اقتناع الخبراء والمحللين الدوليين بأن المخاطر الجيوسياسية باتت تعيد صياغة حسابات الإمدادات لعامي 2026 و2027، كما أن قصف مصفاة جيزان تحديداً يمثل كابوساً مكرراً للمستهلكين الغربيين، نظراً لدورها الإمدادي المحوري. وتدرك أسواق النفط اليوم أن “علاوة المخاطر” التي فرضتها الصواريخ اليمنية هي إعلان رسمي بأن الإمدادات السعودية باتت تحت رحمة الإرادة السيادية لصنعاء، وأن استمرار الحصار على اليمن يعني حتماً دفع العالم بأسره نحو أزمة طاقة خانقة لا قِبَل للاقتصاد الغربي بها، يتحمّل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية نظام العدو السعودي ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية.
لعبة الوكلاء المحترقة
مستشعراً وطأة الاختناق البحري في الغرب والنزيف النفطي في جيزان، لجأ نظام العدو السعودي إلى حيلته المعهودة: تحريك جبهات الداخل عبر “اللجنة الخاصة”. صدرت الأوامر للمجاميع المسلحة في تعز، الجوف، والبيضاء بتفجير الموقف العسكري وخوض زحوفات انتحارية مكثفة ضد قواتنا الوطنية.
أدركت القيادة في صنعاء مرامي هذا التصعيد المكشوف؛ وأنه محاولة عاجزة لتشتيت الجهد الصاروخي والمسيّر، وتخفيف الضغط عن العمق السعودي، فضلاً عن تسويق الحرب خارجياً كـ”نزاع أهلي” لإعفاء الرياض من تبعات الدمار وإعادة الإعمار. انقلب السحر على الساحر؛ إذ تحولت جبهات تعز والجوف إلى محارق التهمت أرتال المرتزقة بـمصرع مئات القتلى والمصابين، وفي غمرة انشغالهم بالداخل، انطلقت الصواريخ الباليستية اليوم لتضرب رأس الأفعى في مدن الجنوب، معلنة سقوط قناع الوكالة والوصاية إلى الأبد.
الإذعان للشروط أو الطوفان
أرست وقائع الأيام الأخيرة، التي تفرضها القوات المسلحة اليمنية منذ بدء إعلان حظرها على ملاحة العدو السعودي، حقيقة جيوسياسية غير قابلة للالتفاف، فقرار السلم والحرب في البحر الأحمر والعمق السعودي تصوغه الدولة اليمنية في صنعاء عبر منصات الصواريخ والمسيرات، في صورة من صور الاستقلال النادرة في تاريخ الأنظمة العربية تتمرد عن حالة الانصياع العربي العام للأمريكي أو أدواته في المنطقة، ومعها اتسعت جغرافيا معادلة “الحصار بالحصار” لتضع المدن الاقتصادية والمنشآت الاستثمارية على طول الخارطة السعودية تحت رحمة الاستهداف المباشر في أي لحظة.
ومعها تؤكد القوات المسلحة وبيانات عشرات المسيرات الشعبية والقبلية أن لا تراجع عن الحظر البحري الصارم، ولا كبح لجماح القوة الباليستية، إلا بالانصياع الكامل والعلني لمطالب الشعب اليمني: رفع الحصار الشامل عن المطار والموانئ، وصرف مرتبات الموظفين من الثروات المنهوبة، وإعادة الاعمار، وإطلاق الاسرى من الطرفين. وما دون ذلك، فإن فصول الردع القادمة ستجعل من عمليات أغسطس واليوم مجرد مناورات أولية في كتاب الثورة اليمنية المجيدة.




