
خطابُ السيد القائد في ذكرى المولد النبوي.. إعلان ملامح الزحف الأكبر وحتميةَ التحرير
في خضمّ تحركاتٍ متسارعةٍ تحبسُ الأنفاس، ومع اقترابِ لحظةِ البتُّ اليمنيّ الحاسمِ للمعاركِ المتأججةِ ضدَّ العدوانِ الأمريكيِّ السعوديِّ وتحشيداته وأدواته العسكريةِ في الداخل، وما ينعكسُ عن ذلك من تداعياتٍ عابرةٍ للحدود؛ جاءَ خطابُ السيدِ القائدِ عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- في ذكرى المولدِ النبويِّ الشريفِ لعام 1448هـ، ليشكلَ محطةً فارقةً وخطابًا مرحليًا تاريخيًا بكلِّ المقاييس.
خطابٌ امتدّ ليرسمَ خريطةَ الصراع والمواجهة، ويحدّد قواعد الاشتباكِ الكبرى في جزيرةِ العربِ والمنطقةِ بأسرها، ويضعِ النقاطِ على الحروفِ فيما يخصُّ الشأنَ اليمنيَّ، واتسمَ بنبرةٍ باليستيةٍ باذخةٍ وحازمةٍ بكلِّ ما تعنيه الكلمة، وحسمَ السيدُ القائدُ الملفَّ السياسيَّ المعقَّدَ الذي تقوده وتترأسه أمريكا، بينما تتكفلُ السعوديةُ بتنفيذه ميدانيًا من خلفِ عباءةِ الأممِ المتحدةِ وغطائها الشكلي.
حسمٌ تجلى في الصياغةِ الدقيقةِ للهدفِ والغاية، حين أعلنها مدويةً: “نؤكد على حق شعبنا العزيز في موقفه الحق وقضيته العادلة ومطالبه المشروعة في إنهاء الحصار الظالم والاحتلال الغاشم الذي ينفذه المعتدي السعودي بإشراف أمريكي منذ 12 عامًا”.
ولم يتوقفِ السيد القائدُ عند تشخيصِ طبيعةِ العدوان، فقد يمّمَ وجهَ الرؤيةِ نحو صلابةِ القاعدةِ الشعبية، مؤكّدًا أن “ثبات شعبنا في توجهه الإيماني ونهضته التحررية الجهادية ومسيرته القرآنية وسعيه لتحقيق الاستقلال التام، وأنه لن يقبل أبدًا بمصادرة هذا الحق مهما كان حجم التحديات ومستوى التضحيات”، متبعًا هذا الإعلانَ العاصفَ بدعوةٍ صادقةٍ ومباشرةٍ لأبناءِ الشعبِ حين قال: “أدعو شعبنا العزيز إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف جهوده حتى يستعيد حقوقه المشروعة ويدفع عن نفسه الظلم الذي تمارسه مملكة قرن الشيطان بدون حق ولا مبرر”.
ولم تكن المبادئُ الإقليميةُ والدوليةُ بمعزلٍ عن هذه الصياغةِ الباليستيةِ الشاملة، إذ جاءت لترسخَ أواصرَ الانتماءِ للقضايا الكبرى للأمة، حيث جدّدَ السيدُ القائدُ التأكيدَ المبدئيَّ الثابتَ بقوله: “نؤكد ثباتنا على موقفنا المبدئي الإيماني في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم وقضيته العادلة التي هي قضية كل الأمة، ولن نألو جهدًا في مساندة الشعب الفلسطيني ومجاهديه حتى يتحقق الوعد الإلهي المحتوم بسقوط كيان العدو الصهيوني”.
وفي سياقِ المواجهةِ الشاملةِ مع مشاريعِ الهيمنةِ الصهيونية والغربية، شدّدَ السيد القائدُ على أبعادِ هذا الصراع، مبيّنًا: “نؤكد على ثبات موقفنا ضد الطغيان الأمريكي والإسرائيلي الصهيوني الذي يستهدف أمتنا جميعا تحت عنوان “تغيير الشرق الأوسط” وإقامة (إسرائيل الكبرى)، ونؤكّد أننا إلى جانب الشعب الإيراني المسلم ونظامه الإسلامي وسنواصل العمل على ترسيخ مبدأ وحدة الساحات وتعزيز التعاون بين محور الجهاد، ونؤكّد مساندتنا للمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وفي سائر جبهات المحور، وندعو الأمة جميعًا إلى الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة”.
لقد كانت هذه المناسبةُ العظيمةُ بمثابةِ المِنصةِ الجديرةِ بإيصالِ رسالةٍ شديدةِ الوضوحِ والصراحةِ إلى الأعداء، تتجلى فيها عمقُ حالةِ الوعيِ القرآنيِّ المتجذرةِ التي اكتسبها الشعبُ اليمنيُّ على امتدادِ سنواتِ الحربِ والقسوة، وهذا الوعيُ هو الذي قلبَ معادلاتِ الصراعِ رأسًا على عقب، ومحا معادلةَ التآمرِ العدوانيِّ الظالمِ وغيرِ المبرر، ليحولها إلى معركةٍ واضحةِ المعالم ومفهومةِ الأبعادِ والمسارات.
كما أن الواقع اليوم يؤكّد أنها معركة اتحدت فيها الإرادةُ الشعبيةُ الوطنية؛ حيث جابهَ أبناءُ المحافظاتِ الشماليةِ مشروعَ الاحتلالِ بالرفضِ المطلقِ والمقاومةِ الباسلة، لتكتملَ الصورةُ الملحميةُ بما يشهده الواقعُ اليومَ في المحافظاتِ الجنوبيةِ المحتلةِ من انتفاضةٍ ورفضٍ عارمٍ للمشروعِ ذاته، بل وامتدادِ ذلك إلى إقامةِ الاحتفالاتِ المقدسةِ بمناسبةِ ذكرى المولدِ النبويِّ الشريف في قلبِ المناطقِ التي تم تحريرُها مؤخرًا من دنسِ الاحتلالِ وأذنابه.
وأمام سيلِ المغالطاتِ والتضليلِ الذي تمارسه دولُ العدوان، وفي ظلِّ التواطؤِ الصريحِ للأممِ المتحدةِ وتماهي مجلسِ الأمنِ الدوليِّ المريبِ مع الجرائمِ المرتكبة، اكتملت اللوحةُ الفنيةُ والفكريّةُ للوعيِ اليمنيِّ الصلب، الذي غدا لا يعيرُ كل تلك المؤسساتِ والمغالطاتِ أدنى اهتمامٍ أو اعتبار.
لقد أضحى الخيارُ الوحيدُ والأنسبُ لدى اليمنيين هو التعويلُ المطلقُ على انتزاعِ الحقوقِ بقوةِ الله وبالسلاح والثبات، وكانت كافةَ الرسائلِ التي وجهها السيدُ القائدُ إلى قوى العدوانِ تمحورت مجتمعةً حول ذاتِ الموقفِ الشعبيِّ المقدسِ والمُجمعِ عليه، والمتمثلِ في العزمِ الراسخِ على تحريرِ كلِّ شبرٍ من الأراضي اليمنيةِ المغتصبة، وصونِ كافةِ المقدساتِ الإسلامية، واستعادةِ حقوقِ الأمةِ المسلوبة، والحفاظ على مكتسباتها وثرواتها.
هُنـا تجاوز إحياءَ ذكرى المولدِ النبويِّ الشريفِ في الوجدانِ اليمنيِّ تمامًا، مفهومَ الحدثِ المظهريِّ العابرِ الذي تليه غفلةٌ أو نسيان للمواقف، فقد جسَّد قيامَ أمةٍ يمنيةٍ بعثت المبادئَ القرآنيةَ العظيمةَ من جديد؛ مبادئ وأخلاقيات تجذّرت وتفرعت في شتى مجالاتِ المواجهةِ ضدَّ العدوان، وفي كيفيةِ إقامةِ الحياةِ الكريمةِ بالشكلِ الذي يليقُ بالإنسانِ ويحفظُ كرامتَه وحقَّه الأصيلَ في العيشِ الحر.
إن هذا البعثَ الإيمانيَّ هو الكفيلُ بكسرِ شوكةِ النفاق، وإحراقِ مخططاتِ العدوِّ الشيطانيةِ ورقةً تلو الأخرى، ومن هُنا؛ فإن على العدوِّ أن يعيدَ حساباته بدقةٍ ويرتدع، مراجعًا موقفه وقرارَ وجوده غيرِ المشروعِ على الأراضي اليمنيةِ قبلَ حلولِ يومِ الزحفِ الأكبرِ الذي ستسيرُ فيه الحشودُ والجنود، وتتدفقُ فيه الصواريخُ الباليستيةُ والمسيّراتُ اليمنيةُ صوبَ المحتلِّ أينما وجد، وحيثُما تحصّن.
وهذا التوجهَ ليس سوى الامتدادِ الطبيعيِّ لمبدأِ الرسولِ الأكرمِ -صلواتُ اللهِ عليه وعلى آله- حين خرجَ لمواجهةِ الرومِ الذين كانوا يمثلون في زمنهم أعظمَ قوةٍ على وجهِ الأرض، وها هو التاريخُ يعيدُ رسمَ مساراته وتأكيدَ سننه من جديد.
وعندما يخاطبُ السيدُ القائدُ الشعبَ اليمنيَّ بقوله الشجيِّ المفعمِ بالحب: “نفسي لكم الفداء”؛ فإن هذا الشعبَ العريقَ يستشعرُ بعمقٍ عظمةَ القائدِ وتواضعه ومصداقيته التي لا تتزعزع؛ وفي المقابل، عندما يلبّي الشعبُ العظيمُ دعوةَ القائدِ إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف جهوده حتى يستعيد حقوقه المشروعة ويدفع عن نفسه الظلم الذي تمارسه مملكة قرن الشيطان بدون حق ولا مبرر؛ فإن القائدَ يدركُ بالمثلِ عظمةَ هذا الشعبِ وجزارةَ إيمانه وشكيمةَ بأسه وعزيمته وتصديقه المطلقَ.
لقد بات الشعبُ اليمنيُّ يستلهمُ من سيرةِ الرسولِ الأعظمِ -صلى الله عليه وآله- ويستنيرُ بهديه في صياغةِ وعيّه العملي، تجسيدًا لما يعنيه الإيمانُ الحيُّ في إطارِ التوجهِ الميدانيِّ للتحررِ التامِّ من هيمنةِ الاستكبارِ العالمي، مقتديًا بالنبيِّ الأكرم في المبادئِ الكبرى والالتزاماتِ العمليةِ في جليلِ الأمورِ وصغيرِها، وهو شعبٌ يقفُ اليومَ متوثبًا، بانتظارِ تحققِ الوعدِ الإلهيِّ الصادقِ الواردِ في سورةِ الإسراء، بنهايةِ الظالمين الحتميةِ ومحوِ ما هم فيه من علوٍّ واستكبارٍ وتجبر، مقيمين حججهم على منطقِ الفراعنةِ والعتاة، ومرددين يقينًا وثباتًا: “إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا”.

