إقامة الدين .. مشروع حياة لا حدود له

تقرير/ طارق الحمامي

في سياق المشروع القرآني النهضوي، يقدّم الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في الدرس السادس من دروس رمضان، رؤية متكاملة لمفهوم “إقامة الدين”، بوصفه ليس مجرد التزام طقوسي أو منظومة أحكام فقهية جامدة، بل باعتباره مشروعًا شاملًا يمتد في عمق الإنسان، ويتحرك في واقع الحياة بكل تفاصيلها. هذه الرؤية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدين، وتحرّرها من القوالب الضيقة التي اختزلت الدين في حدود جزئية.

 

وحدة الدين .. تصحيح المفهوم المغلوط

 

من أبرز المرتكزات الفكرية في طرح الشهيد القائد تأكيده على أن الدين عند الله واحد، وهو ما ينسجم مع النص القرآني في القرآن الكريم، حيث يشدد على خطأ استخدام مصطلح “ديانات” بصيغة التعدد، لما يحمله من دلالات توحي بتعدد مصادر الحق، هذه الرؤية لا تنفي تعدد الشرائع في بعض مراحل التاريخ، لكنها تضع ذلك في إطار تطور مرحلي يخضع لحكمة إلهية واحدة، هدفها ترسيخ مبدأ التسليم لله باعتباره المصدر الوحيد للتشريع والهداية، وهنا تتجلى دلالة عميقة، أن الاختلاف في بعض التفاصيل لا يلغي وحدة المنهج الإلهي، بل يؤكد مرونته في مواكبة احتياجات الإنسان عبر الزمن.

إقامة الدين في ميدان الإنسان والحياة

 

يركّز الشهيد القائد على أن ميدان إقامة الدين هو “الأمة والحياة”، لا المساجد فقط ولا الكتب النظرية. هذه الفكرة تحمل بعدًا تحرريًا واضحًا، إذ تنقل الدين من حالة الانعزال إلى حالة الفاعلية، فإقامة الدين، وفق هذا الطرح، تعني

حضور القيم الإلهية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وتفعيل الهداية القرآنية في الواقع العملي، ومواجهة التحديات الفكرية والثقافية بمنهج إيماني واعٍ، لكن هذا المسار ليس سهلاً؛ إذ يشير إلى “المطبات” التي تواجه العاملين في هذا المجال، خاصة عند محاولة إسقاط النصوص على الواقع، ما يكشف عن الحاجة إلى وعي عميق ومتجدد يتجاوز السطحية.

 

نقد الاختزال الفقهي للدين

 

من أهم الإضاءات النقدية في هذه الرؤية، انتقاده الحاد لاختزال الدين في عدد محدود من الآيات الفقهية، حيث يشير إلى أن بعض المناهج لا تستخرج من القرآن الكريم سوى نحو خمسمائة آية تتعلق بالأحكام، من أصل أكثر من ستة آلاف آية، هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل الدين هو فقط “فقه الأحكام”؟ أم أنه منظومة هداية شاملة؟ ، الشهيد القائد يجيب بوضوح، فقه الدين أوسع بكثير من فقه الأحكام، فهو يشمل فقه الوعي، وفقه القيم، وفقه الواقع، وفقه الهداية الشاملة، وهنا تتجلى دعوته لإعادة قراءة القرآن برؤية مفتوحة تستوعب كل جوانب الحياة، لا أن تُحبس في إطار ضيق من القواعد الأصولية.

 

القرآن الكريم.. منهج معرفة شامل

 

يؤكد الشهيد القائد أن أسلوب القرآن الكريم في تقديم الهداية يختلف عن كتب الفقه التقليدية؛ فهو لا يقدّم الأحكام بطريقة جافة أو مغلقة، بل يفتح آفاق التفكير، ويغذي العقل بالمعارف الواسعة، هذه الرؤية تعيد الاعتبار لوظيفة القرآن ككتاب تعليم (يعلمهم الكتاب والحكمة)، وتزكية (يزكيهم)، وتحرير (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، وهو ما ينسجم مع ما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين وصف هدى الله بأنه “بحر لا يُدرك قعره”، في إشارة إلى عمق هذا المنهج واتساعه.

 

إشكالية الجمود الفكري

 

ينتقد الشهيد القائد بشدة حالة الجمود التي تدعو إلى إغلاق باب التساؤل والفهم، معتبرًا أن هذه الحالة تتناقض مع جوهر الرسالة الإسلامية التي تقوم على التعليم والتفكير، فالدين في رؤيته لا يطلب من الإنسان أن يكون تابعًا بلا وعي، أو صامتًا بلا تساؤل، بل يدعوه إلى التفهم، والانفتاح الذهني، والتفاعل مع الهداية، وهذا يعكس بُعدًا تربويًا مهمًا في مشروعه، يقوم على بناء إنسان واعٍ قادر على استيعاب معارف الدين والتفاعل معها.

 

نحو استعادة الدين كقوة فاعلة

 

تكشف هذه الرؤية عن مشروع فكري يسعى إلى إعادة الدين إلى موقعه الطبيعي كقوة محركة للحياة، لا مجرد تراث يُتلى أو أحكام تُحفظ، إنها دعوة لإعادة اكتشاف الدين كمنظومة شاملة قادرة على بناء الإنسان وصياغة الواقع، وفي ظل التحديات المعاصرة، تبدو هذه الرؤية محاولة جادة لكسر الجمود، وإحياء العلاقة الحية مع القرآن، بما يعيد للأمة دورها في حمل الرسالة الإلهية بوعي وفاعلية.

مقالات ذات صلة