من صولجان بريطانيا إلى مخالب التحالف.. كيف يُمزَّق الجنوب اليمني بأذرع العملاء والمطامع الاستراتيجية؟

تقرير/ يحيى الربيعي

شكلت المناطق الجنوبية من اليمن على مر التاريخ نقطة ارتكاز استراتيجية للعواصم الإمبراطورية، إذ لم يكن اختيار عدن والمناطق المتاخمة لها من قبل بريطانيا في عام 1839 اعتباطياً، بل كان مدفوعاً بأهمية موقعها الجغرافي الذي يتحكم في مضيق باب المندب وطرق التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا، فضلاً عن كونه درعاً واقياً للمصالح البريطانية في الهند والخليج العربي. وقد استغلت لندن حادثة السفينة “داريا دولت” كذريعة للتدخل العسكري المباشر والسيطرة على ميناء عدن، رغم أن السلطان المحلي أبدى استعداده لدفع التعويضات، بيد أن الهدف الاستعماري كان يكمن في بسط السيطرة المطلقة والمباشرة على الميناء الحيوي.

أدوات السيطرة وتقسيم الجغرافيا

بعد احتلال عدن، مضت بريطانيا قدماً في توسيع نفوذها عبر شبكة من معاهدات الحماية مع السلاطين والمشايخ المحليين، مما أفرز تضاريس سياسية مجزأة تمثلت في نشوء اثنين وعشرين كياناً سياسياً صغيراً (سلطنات، إمارات، مشيخات) اتخذت صبغة عشائرية وقبلية. وبموجب هذا الترتيب، تم تقسيم المحميات إلى شرقية وغربية، وأُخضعت إدارياً لعدن، حيث مُنح الحاكم البريطاني سلطة تعيين وعزل الزعماء وترسيم الحدود وإعلان حالة الطوارئ، مما وضع مصير المنطقة بالكامل تحت رحمة الإدارة الاستعمارية.

كما اعتمدت بريطانيا على السيطرة المحكمة على الموانئ والسواحل، وفرضت حصاداً اقتصادياً خانقاً على اليمن الداخلي، إذ جرى توجيه كل التجارة الداخلية والخارجية قسراً إلى ميناء عدن الذي كان خاضعاً لسيطرتها المطلقة. هذا الحصار الاقتصادي كان بمثابة سيفٍ مسلّطٍ لعزل اليمن عن محيطه، وإضعاف أي قدرة محتملة على المقاومة، ليتحول ميناء عدن إلى قاعدة بحرية رئيسية لخدمة الأسطول البريطاني وتأمين خطوط إمداده نحو الشرق.

 

كيف شطبت “فرق تسد” الهوية الوطنية؟

لقد شكلت سياسة “فرق تسد” الركيزة الأكثر دموية في الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن، عملت بريطانيا على إذكاء الصراعات القبلية والمناطقية، فقدمت الدعم بالمال والسلاح لزعماء محليين، وشجعت على نشوء كيانات سياسية منفصلة لمنع تشكل هوية وطنية يمنية جامعة. وفي خضم هذه الفلسفة التفتيتية، تلاشى الانتماء اليمني ليحل محله الانتماء للكيان المحلي: “فضلي أو عبدلي أو قعيطي أو كثيري أو مهري…”، في عملية مسح للهوية استمرت على مدى 128 عاماً من الاحتلال.

ولتنفيذ هذه السياسات، اعتمدت بريطانيا على شبكة من النخب المحلية والعملاء من السلاطين والمشايخ، الذين تم استمالتهم عبر الإغراءات المادية والمناصب، ليتحولوا إلى أذرع لقمع المقاومة وتسهيل السيطرة الاستعمارية. وقد لعب هؤلاء العملاء دوراً محورياً في ترويج سياسات الاحتلال باعتبارها “فرصة للتقدم” أو “حفظ الأمن”، وساهموا في تجنيد السكان في قوات الاحتلال المعروفة بـ “جيش الليوي”.

لم يقتصر الأمر على العمل العلني، بل لجأت بريطانيا إلى العمليات السرية والاستخباراتية، بما في ذلك نقل الأسلحة للقبائل الموالية، تلغيم الطرق، التخريب في البنية التحتية، وتنفيذ اغتيالات وتصفية ضد قادة المقاومة. وبتفصيل دراماتيكي، فقد أدت سياسة “فرق تسد” إلى تفتيت الهوية اليمنية الجامعة، وكَرّست الفوارق الطبقية، وعمّقت التفاوت الاقتصادي والاجتماعي عبر حرمان الأغلبية من الثروة والسلطة، ما أسهم في إضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية للجنوب اليمني بشكل منهجي.

خروج آخر جندي بريطاني

لقد كان طرد آخر جندي بريطاني من عدن في الثلاثين من نوفمبر عام 1967 لحظة تاريخية فارقة، لم تأتِ كقرار مفاجئ، بل كانت تتويجاً حتمياً لتراكم عنيف ومتزايد من العوامل الداخلية والخارجية، ففي قلب المشهد، كان تصاعد الثورة المسلحة قد بلغ ذروته، مما كبّد الاحتلال البريطاني خسائر بشرية ومادية متزايدة وموجعة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القبضة العسكرية لم تعد قادرة على احتواء الإرادة الوطنية الجارفة.

وعلى الرغم من الإغراءات والتشجيع الذي قدمته بريطانيا لعملائها المحليين، فقد أعلنت سياسة “فرق تسد” فشلها الذريع في تحقيق أي شكل من أشكال الاستقرار أو القبول الشعبي، حيث لم تستطع هذه السياسة البالية أن تمنع تبلور الشعور الوطني الجامع. أما على الصعيد الدولي، فقد ساهمت التغيرات السياسية العميقة التي أعقبت أزمة السويس وتصاعد موجة التحرر الوطني العالمية في الضغط على الإمبراطورية المتراجعة، مما جعل تكلفة البقاء الاستعماري في الجنوب اليمني باهظة وغير مجدية سياسياً.

وبمغادرة هذا الجندي الأخير لأرض الجنوب، أُعلن عن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لتبدأ مباشرة عملية توحيد الكيانات المحلية والمحميات التي زرعها الاحتلال في إطار دولة وطنية واحدة. هذا الفصل من التحرر لم يتوقف عند حدود عام 1967، بل استمر حتى تم تحقيق الوحدة الوطنية الكبرى في 22 مايو 1990م، عندما اندمجت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب) مع الجمهورية العربية اليمنية (الشمال)، مُعلنةً بذلك قيام الجمهورية اليمنية وواضعةً نهاية كاملة لفصل طويل ومؤلم من التجزئة والتبعية الاستعمارية.

أوجه الشبه بين الاحتلال القديم والجديد

تتجلى اليوم صورة دراماتيكية تعكس أن التاريخ يعيد إنتاج سياساته، وإن بأدوات ومسميات مختلفة، فالمتتبع لـ الوجود السعودي الإماراتي الحالي في جنوب اليمن يلمس تشابهاً هيكلياً مع المخطط البريطاني، ولاسيما فيما يتعلق بـ الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في السيطرة على المواقع الجغرافية الحيوية، والموانئ والجزر، والمضائق البحرية، لضمان النفوذ الإقليمي والتحكم في طرق التجارة، وبذات القدر يتقاطع مع الأسلوب:

اعتمد التحالف على إذكاء الصراعات المناطقية والقبلية، ودعم كيانات محلية منفصلة، بهدف منع تشكل هوية وطنية جامعة وإبقاء الجنوب في حالة انقسام، على نحو ما فعلت بريطانيا. ثم لجأ الطرفان إلى استمالة نخب محلية وعملاء لتشكيل قوات موالية، فكان جيش الليوي في العهد البريطاني، ويوازيه اليوم قوات الحزام الأمني والنخب المحلية تحت الإشراف والتمويل الخارجي، وتعتمد الإمارات بشكل خاص على شركات أمنية خاصة ومرتزقة من دول متعددة، وهو ما يشير إلى توظيف الشركات العسكرية الخاصة كأداة لتنفيذ الأجندات، تماماً كما فعلت بريطانيا في سنواتها الأخيرة.

سعت بريطانيا للسيطرة على ميناء عدن، فيما تسيطر الإمارات حالياً على موانئ عدن والمخا وسقطرى، وتتحكم السعودية في المهرة وحضرموت وشبوة، مؤكدة بذلك هدف السيطرة على العقد الاقتصادية.

على الرغم من أن الوجود السعودي الإماراتي يتم تحت غطاء ما يسمى بـ”الشرعية” وبمبررات مكافحة الإرهاب أو مواجهة النفوذ الإقليمي، إلا أن جوهر السياسات لم يتغير كثيراً عن سياق التنافس الاستعماري السابق، كما تشير الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى أن هذا التواجد “يكشف عن أطماع استعمارية تتعارض مع المبادئ المعلنة”، وأنه يستخدم القوة المادية والسيطرة على القرار السياسي عبر أدوات محلية تابعة.

لكن التجربة التاريخية تقف شاهداً صارخاً على أن مصير كل احتلال هو الرحيل الحتمي، وأن الأرض تعود في النهاية لأصحابها الأصليين. لقد فشلت سياسة “فرق تسد” في تحقيق الاستقرار أو ضمان النفوذ الدائم، سواء في عهد بريطانيا أو في ظل وجود الاحتلال الحالي. كما أثبتت القوى الوطنية، بمختلف أشكالها، قدرتها على إفشال مشاريع التقسيم والتبعية، واستعادة الهوية الوطنية الجامعة.

إن الدرس التاريخي الذي تقدمه تجربة الجنوب اليمني جليٌّ وواضح: الاعتماد على العملاء المحليين والأدوات الخارجية لا يورث إلا مزيداً من الانقسام والضعف، والحل يكمن في تعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة قوية. ومما لا ريب فيه، فإن دعم القوى الدولية والإقليمية لمشاريع التجزئة لن يغير من حقيقة أن الشعوب هي صاحبة القرار، ومهما طال الزمن أو تغيرت الأدوات والمسميات، فإن مصير كل احتلال هو الزوال.

 

من “عيون” اليهود إلى شبكات العمليات الخاصة

لم تقتصر أدوات السيطرة البريطانية على البيروقراطية الاستعمارية العلنية، بل تعمقت في العمليات السرية التي شكلت عموداً فقرياً لسياسة “فرق تسد”. فقد اعتمدت المخابرات البريطانية على شبكات من العملاء المحليين لجمع المعلومات وتنفيذ عمليات تصفية واغتيالات ضد قادة المقاومة الوطنية الذين يهددون مشاريع التجزئة، وبصيغة مثيرة، يذكر التاريخ كيف استخدمت بريطانيا اليهود المحليين كـ “عيون” لها على المجتمع العربي، مستغلة إياهم في جمع المعلومات الحساسة مقابل مبالغ زهيدة، في توظيف استخباراتي قاسٍ يهدف إلى إحكام قبضة الاحتلال وتغذية الشكوك الداخلية.

وفي المقابل، فإن الوجود السعودي الإماراتي اليوم يعتمد على بنية استخباراتية ولوجستية أكثر حداثة وتعقيداً، لكنها تؤدي ذات الوظيفة التفتيتية. فالتحالف لا يكتفي بالدعم السياسي للنخب العميلة، بل يوظف فرق العمليات الخاصة والاستشارات الأمنية والاستخباراتية المقدمة من قوى غربية، بما في ذلك بريطانيا والولايات المتحدة، لضبط المشهد الأمني في المناطق التي يسيطر عليها، وخاصة الموانئ والجزر. كما تعتمد الإمارات بشكل كبير على شركات عسكرية وأمنية خاصة متعددة الجنسيات لتنفيذ مهام حساسة تتراوح بين التجسس الإلكتروني وتدريب التشكيلات المسلحة المحلية (مثل قوات الحزام الأمني والنخب)، مما يضمن تنفيذاً دقيقاً للأجندات الخارجية بعيداً عن المساءلة الرسمية، على غرار ما كان يجري في الخفاء خلال الحقبة البريطانية.

بالمقارنة نتكشف أن جيش الليوي كان بمثابة القوة النظامية للاحتلال التي تحمي ما يسمى بـ”اتحاد الجنوب العربي”؛ الكيان الذي أنشأته بريطانيا، بينما تشكل قوات الحزام الأمني والنخب اليوم أذرعاً عسكرية متفككة، تعمل على خدمة مشاريع الهيمنة الإقليمية المختلفة، وتعتمد على أيديولوجيات جهوية ومناطقية مدعومة لتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي. هذا التفكيك الممنهج عبر الوحدات العسكرية الموالية يضمن أن يبقى الجنوب في حالة ضعف مستدام، حيث تتناحر التشكيلات المحلية بدلاً من توجيه البنادق نحو مصدر السيطرة الخارجية.

وفي الختام، يتأكد أن كلاً من العمليات الاستخباراتية السرية وتكوين الأدوات العسكرية المحلية هما وجهان لعملة واحدة هدفها إضعاف الهوية الوطنية وضمان استمرار السيطرة الأجنبية بأقل تكلفة، مما يؤكد أن الاستعمار يغير جلده وأدواته، لكن جوهره يبقى واحداً: فرق تسد لتستنزف الثروات وتقوض السيادة.

نقلاً عن موقع يمني برس

مقالات ذات صلة