الإمام زيد بن علي عليه السلام فاتح باب الجهاد والاجتهاد (2)

??حليف القرآن ووارث علم الأنبياء??

درس الإمام زيد عليه السلام في مدرسة أهل البيت النبوي، وتلقى العلم على يدي والده زين العابدين ولازمه 19 عاماً، ثم أكمل مسيرته العلمية تحت رعاية أخيه الأكبر باقر علم الأنبياء محمد بن علي، وقد قعد الإمام زيد بن علي عليهما السلام مع القرآن الكريم 13 عاماً يتأمله ويتدبره، فتخرج إماماً عظيماً يقتدى به، وعلماً مبجلاً يهتدى بهديه، وهذه شهاداتِ معاصريه، وأكابر علماء زمانه، وكلُّها شهادات دالة ومجمعة على أنه عليه السلام كان في العلم منقطع النظير؛ قال عنه أخوه باقر علم الأنبياء: (لقد أوتي زيدٌ علماً لَدُنِيّاً فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم)، وقال لمن سأله عنه: (سألتني عن رجل مُلئ إيماناً وعلماً من أطراف شعره إلى قدميه، وهو سيد أهل بيته)، ويقول عنه ابن أخيه الإمام جعفر الصادق: (كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا لدين الله)، ولقد قال عبدالله بن الحسن الكامل الذي كان معاصراً للإمام زيد عليهما السلام في كلامه للحسين بن زيد: (وإنه قد توالى لك آباء، وإن أدنى آبائك زيد بن علي الذي لم أرَ فينا ولا في غيرنا مثله).

وقال فيه الإمام أبو حنيفة النعمان: (ما رأيت في زمنه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً ولا أبين قولاً؛ لقد كان منقطع القرين), ويقول عنه سليمان بن مهران الأعمش: (ما رأيت فيهم ـ يعني أهل البيت ـ أفضل منه ولا أفصح ولا أعلم).

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: “ولم يجتمع العلماء على تقدير عالم كتقدير زيد بن علي رضي الله عنه، فأهل السنة، والمرجئة، والمعتزلة، والشيعة، قد أجمعوا على إمامته في العلم، وأنه كان حجة في علم الفقه، فكان من أعلم الناس بالحلال والحرام، ولقد أجمع العباد والزهاد على أنه لم يكن له نظير في علمه وخلقه، ولقد جاء في مقاتل الطالبيين:(أن المرجئة وأهل النسك لا يعدلون بزيد أحداً).”[أبو زهرة، الإمام زيد حياته وعصره، ص74].

 

??عبادة العارفين??

كان الإمام زيد بن علي عليهما السلام من أعظم عُبَّاد زمانه، قد عرف الله حق المعرفة، وخشيه أشدَّ الخشية، وعبده حتى أخذت منه العبادة كلَّ مأخذ، فهو يسمع الشيء من ذكر الله، فيُغمى عليه حتى يقول القائل: ما هو بعائد إلى الدنيا, ويستمع إلى آيات الله بما فيها من ترغيب وترهيب، فيميل كميل الشجرة في اليوم العاصف.

قال عنه أخوه عبد الله بن علي عليهما السلام: ((كان أخي زيد إذا قرأ القرآن بكى حتى نظنه سيموت)).

ويكفي في معرفة ذلك وصف ولده الإمام يحيى بن زيد لعبادته اليومية إذ يقول: ((رحم الله أبي كان أحد المتعبدين، قائماً ليله صائماً نهاره، كان يصلي في نهاره ما شاء الله, فإذا جنَّ الليل عليه نام نومة خفيفة، ثم يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء الله، ثم يقوم قائماً على قدميه يدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر سجد سجدة، ثم يصلي الفجر، ثم يجلس للتعقيب “الدعاء والاستغفار عقيب الصلاة” حتى يرتفع النهار، ثم يذهب لقضاء حوائجه، فإذا كان قريب الزوال أتى وجلس في مصلاه واشتغل بالتسبيح والتحميد للرب المجيد، فإذا صار الزوال صلى الظهر وجلس، ثم يصلي العصر، ثم يشتغل بالتعقيب ساعة ثم يسجد سجدة، فإذا غربت الشمس صلى المغرب والعشاء)).

 

وللمنشور بقية…….

مقالات ذات صلة